معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات العلامة الطهراني > محاضرات شهر رمضان > تأثير الصلاة في غفران الذنوب - 2

_______________________________________________________________

هو العليم

تفسير آية

{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}


تأثير الصلاة في مغفرة الذنوب 2

موعظة اليوم الثالث عشر من شهر رمضان المبارك 1397هجري قمري
مسجد القائم

حضرة العلامة آية الله الحاج السيّد محمد حسين الحسينيّ الطهراني

قدّس الله نفسه الزكيّة

_______________________________________________________________

أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين

قال الله الحكيم في كتابه الكريم:
{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}[1]
صلّوا على محمّد وآل محمّد.

    

خلاصة لما تقدّم

لقد ذكرنا أمس بعض المطالب والتوضيحات حول تفسير هذه الآية المباركة, وكان خلاصتها أنّ الذنوب والأعمال التي يقوم بها الإنسان في الدرجات المختلفة, تغفر وتنمحي وتنعدم بنفسها, بمجرّد أن يعبر من مرتبة من مراتب اليقين والتوحيد إلى مرتبة أخرى أرفع منها. كما تقدّم أنّ مما يوجب زيادة اليقين والتوجّه إلى الله والتحقّق بمقام التوحيد هو الصلاة, بناء على ذلك فإذا أقيمت الصلاة وفق الشرائط الصحيحة، فإنّها ستكون موجبة لغفران جميع ما سبق من الذنوب.

    

أدلّة وشواهد روائيّة وقرآنية:

 

    

1ـ رواية عن أمالي الطوسي ( العلم باطّلاع الله سبب للمغفرة)

يروي الشيخ الطوسي في "الأمالي" عن محمد بن مسعر أنّه قال :
كنت عند سفيان بن عيينة, فجاءه رجل وقال: رويَ عن رسول الله أن الإنسان إذا أذنب وعلم أنّ الله مطّلع على ذنبه غفر الله ذنبه, فهل هذه الرواية صحيحة؟
قال سفيان بن عيينة : نعم هي كذلك وشاهدها في كتاب الله حيث يقول :
{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
فإذا كان الظنّ هو المردي كان ضدّه هو المنجي.
وهذه الآية التي استشهد بها سفيان بن عيينة على هذا المطلب هي في سورة فصّلت, وقد وردت في هذا السياق: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}
أي سيأتي يومٌ يحشر فيه أعداء الله ويساقون نحو جهنّم ونيرانها! و يتوجّهون جماعات جماعات نحوها.
{حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وعندما يتجهون نحوها ويقتربون منها تشهد آذانهم وعيونهم وجلودهم ولحوم أبدانهم على أعمالهم القبيحة التي اقترفوها في الدنيا.
{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
فهؤلاء يتوجّهون إلى جلود أبدانهم ويقولون: لمَ شهدتم علينا يا جلود أبداننا وأوصلتمونا إلى هذا المأزق؟! فأنتم في النهاية جلود أبداننا نحن! أنتم من متعلقاتنا! فتجيب الجلود إنّ الله أنطقنا وجعلنا نتكلم, فذلك الإله الذي أنطق وينطق كلّ الموجودات, أي الإله الذي أوجدكم والذي مبدؤكم منه ومرجعكم إليه هو الذي أنطقنا.
{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ }
اليوم هو اليوم الذي لا تستطيعون فيه إخفاء الأعمال التي قمتم بها وأخفيتموها, فآذانكم وعيونكم وجلودكم لا يمكنها أن تمتنع عن إظهار تلك الأعمال التي اقترفتموها.
{وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} .
ففي الدنيا كنتم تظنّون أنّ الله غافل عن كثير من أعمالكم القبيحة وأنّه غير مطّلع عليها
{َذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ }
ونفس ذلك الظنّ الذي ظننتموه بربّكم وحسبتم أنّه لا يعلم ما تصنعون وأنّه لا يجد سبيلا للإطلاع عليكم, هذا الظنّ الذي ظننتموه هو الذي هبط بكم إلى تلك المنزلة الدنيّة والمقام الخسيس، وفي النتيجة أصبحتم من الخاسرين.
فحينما يكون الظنّ بعدم علم الله موجباً لهلاك الإنسان, فعكس ذلك أعني الظنّ أو اليقين بأنّ الله عالِمٌ سيكون سبباً لحياة الإنسان وسعادته.
والإشارة اللطيفة الكامنة في هذه الآية المباركة هي أنّه بعد الفراغ عن أنّ الأعين والآذان والجلود تشهد بالذنب يوم القيامة، وتثبت الذنوب، ولا تدع للإنسان مجالا كي ينكر أو يتملّص, وبالتالي تحتِّم عليه المضيّ إلى جهنّم, بعد إثبات كل ذلك, نجد أنّ الآيات المباركة لا تجعل ارتكاب الذنوب واقترافها هو العلّة في الدخول إلى جهنّم!! فهي لا تقول: إنّ دخولكم إلى جهنّم كان بسبب الذنب الذي اقترفتموه, وأنّ الدليل على ذلك هو شهادة الجلد والعين والأذن على أفعالكم القبيحة.. لا لم يقل القرآن ذلك, وإنّما نسب العلّة والسبب في دخول جهنّم إلى أنّكم كنتم في الدنيا تظنّون بأنّ الله لا يعلم، وأنّه لا خبر له عن ذنوبكم, لقد كان شرككم وجهلكم بمقام التوحيد هو العلة في ورود جهنّم.
ومن هنا فعندما يكون عدم العلم وعدم المعرفة موجباً للسير نحو جهنّم, فسيكون ضده هو المنجي، فالعلم بأنّ الله يعلم.. العلم بأنّ الله قاهر.. العلم بأنّ الله مسيطر ومطلع ـ وهذا هو نفس العلم بالتوحيد والمعرفة بذات الله المقدّسة وأسمائه الحسنى ـ هذا العلم سيكون السبب المستوجب لنجاة الإنسان وفوزه.
ثم يستشهد سفيان بن عيينة بهذه الآية:
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}أي الحسنات تغسل السيّئات وتعدمها, ومقام المعرفة وتوحيد الله هو أعلى درجة من الحسنات, وفي هذا المقام لا تتمكن أيّة سيّئة من المواجهة والمقاومة وإظهار الوجود, فبناءً على ذلك، بمجرد أن تخرج روح المؤمن من مراتب الشرك والثنويّة والرؤية بمنظارين, وتُقبل على مرحلة التوحيد، فستختفي كلّ الذنوب من تلقاء نفسها, فالتوحيد يكفّر سيئات الإنسان ويغفر ذنوبه ويسترها.

    

2ـ روايتان عن الكافي: (الصلاة تمحو السيّئات)

يروي المرحوم محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي بسنده المتّصل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير نفس تلك الآية المباركة حيث يقول :
"صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار"
المؤمن الذي يقوم الليل ويصلّي لله فنفس صلاته تغسل ذنب يومه السابق وتزيله.
كذلك في نفس الكتاب يروي المرحوم الكليني بسنده المتّصل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه يقول :
"من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب"
أي كلّ مؤمن يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين, ويكون في هاتين الركعتين ملتفتاً لما يخاطب به الله, فإنّه ينهي صلاته وليس بينه وبين الله ذنب.

    

3ـ رواية عن مستدرك الوسائل (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما)

ويذكر المحدّث النوري في مستدرك الوسائل رواية أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, حيث يروي أنّ شخصاً جاء إلى النبيّ وهو يقول في نفسه:
اللهمّ اغفر لي ولا أراك تفعل.
إلهي اغفر لي! ارحمني! مع أنّي أعلم أنّك لن تغفر لي...
قال النبيّ صلى الله عليه وآله : ولم تسوّء ظنك؟ !
لماذا تسيء الظنّ بالله؟ ومن أين علمت أنّ الله لن يغفر لك؟ !
قال: يا رسول الله لأنّي أذنبت في الجاهليّة والإسلام.
قال النبيّ صلى الله عليه وآله: أما ما أذنبت في الجاهلية فقد محاه الإيمان, وما فعلته في الإسلام فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما.
أي أمّا تلك الذنوب التي ارتكبتها في الجاهلية قبل الإسلام, فبمجرد أن أسلمت انتهت و عفا الإسلام عنها, لأنّ الإسلام يمحو كل السيئات التي ارتكبها الإنسان قبل الاعتقاد بدين الإسلام المقدّس. وأما الذنوب التي ارتكبتها في الإسلام, فإنّ تلك الصلاة التي تصليها هي كفّارة للذنوب التي ارتكبتها في ما بينها وبين الصلاة الأخرى.

    

4ـ روايات ثلاث عن مجمع البيان: (الحسنة تحتّ الذنوب ـ الصلاة والوضوء كفّارة ـ لا ماحيَ للذنب كالصلاة )

كذلك يروي صاحب مجمع البيان عند تفسيره للآية المباركة {إنّ الحسنات يذهبن السيئات} بسنده عن أبي عثمان حيث يقول:
>كنّا جلوساً تحت شجرة عند سلمان, فقام سلمان وأمسك بيده أحد أغصان الشجرة وأسقط جميع أوراقها على الأرض ثم جلس وقال: يا أبا عثمان! لم تسألني لمَ فعلت ذلك؟
قلت: لمَ فعلت ذلك ؟
قال : يا أبا عثمان! كنت يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنّا جالسين تحت شجرة, فقام النبي ووضع يده على غصن يابس من الشجرة وأسقط جميع أوراقها اليابسة تماماً كما رأيت سقوط أوراق هذا الغصن هنا, ثم جلس النبي وسألني: يا سلمان لم تسألني لمَ فعلت ذلك؟ قلت: يا رسول الله لمَ صنعت ذلك؟ فقال صلّى الله عليه وآله: أردت أن أبيّن أنّ فعل الإنسان الحسنة يحتّ الذنوب ويزيلها كما حُتّت أوراق الشجر اليابس هذه, وبمجرّد وضع اليد عليها تساقطت على الأرض, فإنّ ذنوب الإنسان هكذا تتساقط, عندها تلا النبيّ لي هذه الآية :

{وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}<
أي: قم للصلاة.. أسبغ الوضوء.. وتوجّه إلى الله... واجعل صلاتك في أول النهار وآخره, وإذا ما انقضى جزء من الليل فصلّ, إنّ الحسنات يذهبن السيئات كذهاب أوراق ذاك الغصن اليابس عند هزّه باليد.
كما يروي في مجمع البيان عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال :
>كنّا نسير مع رسول الله ذاهبين إلى المسجد, فجاء رجل في الطريق وقال: يا رسول الله أذنبت, فلم يعتن النبيّ! ودخل المسجد, صلينا الظهر وبينما النبيّ يهمّ بالخروج من المسجد إذا بالرجل يعود ويقول : يا رسول الله أذنبت, فقال النبي: ألست صلّيت معنا؟ قال: بلى قال النبي: ألم يكن وضوؤك صحيحاً؟ قال: بلى, قال النبي: الصلاة والوضوء كفارة لذنبك, أنت الآن لا ذنب عليك.<
ويروي في مجمع البيان أيضاً بسنده عن إبراهيم الكرخي يقول:
>كنت جالساً في المدينة عند الإمام الصادق عليه السلام فدخل رجل وسلّم فردّ الإمام, ثمّ سأله من أيّ البلاد قدمت؟ فأجابه، فنظر إليه الإمام وقال: كيف تقضي عمرك؟ تقول جئتك من ههنا وههنا لغير معاش تطلبه ولا بعمل آخر تكسبه؟! تتجوّل في البلدان لا لأجل طلب المعاش ولا للعمل الموجب لرضا الله, اعلم يا رجل أنّ الساعات إذ تنقضي فإنّ عمرك ينقضي, وماذا تكسب في مقابلها؟! اعلم أنّ الله العليّ الأعلى جعل لك ملكين يضبطان عليك أعمالك, مطّلعَين على خطاياك وأسرارك التي تخفيها عن الآخرين, وهما لها كاتبان. اعلم يا رجل أنّ الحسنة والعمل الصالح مهما كان صغيراً وفي عينك حقيراً ولكن سينفعك يوماً ويدخل عليك السرور, وأنّ السيئة مهما صغرت وحقرت في عينك فستؤذيك وتؤلمك يوماً ما, واعلم أنّه لا شيء أسوأ للإنسان من الخطيئة ، ولا شيء أمحى للذنب الذي يرتكبه الإنسان عن غفلة من الصلاة, فإنّها تلحقه وتنتشله وتزهقه! {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} الصلاة تزيل الذنب وتغسله والإنسان المصلي لا يتأتّى منه الذنب.<

    

5ـ رواية عن لآلئ الأخبار ( خمس عشرة خصلة للمصلي وخمس عشرة أخرى لتارك الصلاة)

وفي كتاب لآلئ الأخبار يروي مرسلاً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: من صلّى الصلوات الخمس وأسبغ وضوءه (إسباغ الوضوء إتمامه والقيام به بنحو جيّد) وأتمّ ركوعها وسجودها أكرمه الله تعالى بخمس عشرة خصلة؛ ثلاثة في الدنيا, وثلاثة عند الموت, وثلاثة في القبر, وثلاثة في الحشر, وثلاثة عند الصراط (أي في مقام العرض يوم يتشرف بلقاء الله) أما الثلاثة التي في الدنيا فزاد عمره وماله وأهله (أي يبارك في عمره ويبارك في ماله ويبارك في أهله, وهنا لدينا عنوان الازدياد أي إنّ الإنسان يحيا حياة يرضى فيها عن عمره ولا يرى نفسه مضطرباً، ولا يأسف على ما فات من عمره, وليس من الضروري أن يكون عمره طويلاً أيضاً, إذ من الممكن أن يكون العمر طويلاً ولكنّه خال من البركة, ومن الممكن أن يكون للإنسان مال كثير ولكنّه خال من البركة, و من الممكن أن يكون له أولاد كثر وهكذا... أما البركة فهي التي إذا ما تحققت وصلت خيراتها إلى الإنسان بشكل تامّ وكامل. وعلامتها هي أن يكون الإنسان مسروراً من أولاده وأهله وعياله.. مسروراً من ماله.. مسروراً من عمره الماضي.. مسروراً من المال الذي في حوزته.. لأنّه حصله من الطريق الحلال ويصرفه في الحلال، وهذا معنى البركة, ولازم حال المصلّي عناية من الله تعالى توصل هذه المعاني الثلاثة إليه .
أما الثلاثة التي عند الموت فبراءة بالأمن من الخوف والفزع ودخول الجنة عند الموت بلا خوف ولا حزن، ويبشرونه بالجنة. هنا ورد الخوف و الحزن! الحزن يختلف عن الخوف، فالحزن على ما كان عند الإنسان ثم خسره, والخوف يرجع إلى الأشياء التي لم تصل إلى يده وهو قلق أنّها إن وصلت قد تقضي عليه. مثلا إذا سرق مال الإنسان فلا يقال إنّه خائف على ماله, بل هو حزين مغموم لذهاب ماله مغموم لمرضه, أما إذا احتمل أنّه سيُسرق فيما بعد فيقال إنّه خائف, أو إن علم أنّه سوف يمرض يقال إنّه خائف.
الإنسان الذي يشرف على الخروج من الدنيا ويكون من المصلّين لا يخاف ولا يحزن لماذا؟ لأنّه حتى وإن كان سيخسر عمره الظاهريّ ويموت وينتقل إلى الحياة والنشأة الأخرى, إلا أنّه يعلم أنّ ما كان يملكه إنّما كان لله, والآن أيضاً هو يعطيه ويرجعه لله, فعمره أمانة من الله وإلى الله, منه أخذت وإليه تردّ, إذن هو لم يخسر شيئاً ليحزن عليه. هو يريد أن يذهب إلى عالم قد اكتسب الأنس والمعرفة فيه, فهو ليس غريباً لا في الدنيا ولا في ذاك العالم, لذلك ليس لديه أيّ خوف وقلبه مطمئن.
بناء على ذلك فإنّ مقيم الصلاة الخارج من الدنيا يعطى في تلك الحالة خصالاً ثلاث:
الأولى (والثانية ): أن ينزع الله من قلبه الخوف والحزن, فالمصلّي عندما يحتضر يكون قلبه مطمئنّاً.. ثغره باسماً.. ووجهه غير منقبض, ولا ينظر إلى صفحة حياته السابقة ليرى الأموال التي حصّلها وأتلف عمره في تحصيلها, يراها بأمّ عينه تصل الآن إلى أيدي أعدائه! والحال أنّ المسكين هو الذي تعب في الدنيا و شقي لجمعها, فالتبعات عليه والمنافع لغيره, المصلّي لا يرى ذلك, بل هو مرتاح... فلا خوف... ولا حزن...
الثالثة : بشارة الملائكة: أن تفضّلوا وادخلوا الجنة! {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أولئك الذين قالوا في الدنيا: ربّنا الله, وأصرّوا وصمدوا وقاوموا, تتنزّل عليهم ملائكة الرحمة أنْ لا قلق عليكم.. لا حزن عليكم.. لا خوف عليكم.. وبشارتكم هي الجنة التي وعدكم الله.
هذه الخصال الثلاث التي تعطى عند الموت. إذن المصلّي يخرج من الدنيا سعيداً.. يعيش فيها سعيداً ويخرج منها سعيداً.
أما عندما يوضع في قبره, وفي الليلة الأولى يأتيه منكر ونكير: (فيسهّل عليه سؤال منكر ونكير ويوسّع عليه قبره ويفتح له باب إلى الجنة)
المزايا الثلاث التي يعطيها الله للمصلّي في قبره:
الأولى: هي أنّ منكراً ونكيراً لا يسألانه, بل يقتصران فقط وفقط على سؤال واحد مختصر وبسيط, ونكير ومنكر يأتيان أيضاً بصورة جميلة غير قبيحة ولا مرعبة, لأنّ تجلّي منكر ونكير للشخص المصلّي تتناسب مع صفاته ومعتقداته, فيأتيانه بابتسامة ويقدّمان له أيضاً باقةً من الرياحين, ويتحدّثون معه قليلاً: هات أخبرنا يا عزيزنا من ربّك!؟ يقول: ماذا تسألونني!؟ أنا كنت متعلّقاً بربّي طوال عمري وكنت أبحث عنه, أنت تسألني عن ربّي؟!! ربّي كذا وكذا, فيقولان له: أحسنت! جيّد! أهلا و مرحباً! مرحباً ! أهلاً وسهلاً! فلتَنم ههنا إنّه مكانك, نمْ نومة العروس في حجرتها, نم قرير العين, في أمان الله! هذا سؤال منكر ونكير.
ثانياً: يوسّع عليه قبره, طبعاً القبر البرزخيّ ها! فكلّ ذلك في عالم البرزخ! يعني يحدث في عالم الصورة! فيوسِعون قبره مدّ بصره, فبالمقدار الذي تستطيع عينه أن تبصر ويسطُع نورها يتّسع القبر في تلك اللحظة وبثانية واحدة.
الثالثة: يفتح لقبره باب إلى الجنّة, فحتى مع كونه لا يدخل الجنّة الآن, ولكنّه يرى من خلال هذا الباب تلك المواهب السنيّة التي أعدّها له الله العليّ الأعلى, ودائماً يهب عليه من ذلك الباب نسيم الجنّة. وهذه هي الخصال التي تعطى في القبر.
وأمّا الخصال الثلاث التي تعطى له عند الخروج من القبر والحضور في المحشر:
فيخرج من القبر متلألئاً وجهه كالقمر ليلة البدر، ويؤتى كتابَه بيمينه، ويحاسب حساباً يسيراً, فبمجرّد أن يخرج رأسه من القبر, فإنّ وجهه يسطع فينير له كلّ عالم المحشر.
هذا نور الصلاة, ها..! نور الصلاة! {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } كالبدر ليلة التمام, بدر في الليلة الرابعة عشرة, كيف يضيء البدر السماء؟! كذلك نور وجه المصلّي يضيء المحشر.
ويعطى صحيفة عمله من الجانب الأيمن أي من طرف أصحاب اليمين من ناحية السعداء, فتصل إلى يده من ناحية الجنّة.
ويُسأل سؤالاً سهلاً يسيراً قبل الذهاب إلى الجنة، ويحاسب حساباً يسيراً، وبسهولة يسمحون له بالمرور, لا يعطّلونه في الحشر, فتلك الخمسون ألف سنة لا تمرّ عليه خمسين ألف سنة, من الممكن أن تكون لحظة واحدة أو لحظتين وينتهي حسابه ويذهب.
وأما الثلاثة التي عند لقاء الله : فرضا الله تعالى عنه.. والسلام عليه.. والنظر إليه..
فالخصال الثلاث للمصلّي في مقام العرض على الله هي أنّه ما إن يذهب إلى الله حتّى يسلّم الله عليه! نعم يسلّم عليه, الله.. ! {سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }
ويقول الله أيضاً: يا عبدي أنا راض عنك {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } تفضل أنا راض عنك.. و ينظر إليه بعين الرحمة ويكلّمه ويتحدّث معه.
حتما الكلام لا يعني أن لله لساناً! بل هو الكلام اللائق بساحته المقدسة والمتناسب مع القداسة الإلهية, ولدينا في الآية المباركة: {سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } و {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }
هذه هي الخصال الخمسة عشر التي تعطى للمصلّي. التفتّم جيداً؟! الشباب الأعزاء، وكذلك أنتم أحبائي الصغار هل التفتّم جيداً؟! إذا سألتكم يمكن أن تجيبوا؟ نعم..؟ إذا عاد أحدكم إلى البيت فليبيّن لوالده.. لعمّه.. لأمّه.. لأخيه...!
أما إذا لم يكن الإنسان من المصلّين, وكان يترك الصلاة عمداً ويستخفّ بها ولا يبالي لشأنها:
عاقبه الله على خمس عشرة خصلة! (وابتلاه الله بخمس عشرة خصلة!) ثلاثة في الدنيا وثلاثة عند الموت وثلاثة في القبر وثلاثة في الحشر عند الخروج من القبر وثلاثة في عالم العرض عند لقاء الله.
ثلاثة في الدنيا فيرفع البركة من رزقه ومن عمره وسيماء الصالحين من وجهه .
أمّا المصائب الثلاث التي يبتلى بها في الدنيا: فلا يرى من عمره الخير والبركة.
ولفظ البركة هذا يستحقّ أن نغوص ونتعمّق في معناه. تأمّلوا حالة الناس في آخر الزمان, كيف يستخفّون بالصلاة ولا يبالون بها, فذهبت البركة من العمر والحياة.
ما معنى ذهاب البركة من العمر؟ ما معناه؟ ما معناه؟! هل يعني أنّ الإنسان لا يعود بإمكانه أن يتنزّه؟! أو أنّه لا يروّح عن نفسه؟! أو أنّه مثلاً لا يذهب إلى الأماكن ذات الهواء المعتدل والماء اللطيف؟! أو أنّه لا يدّخر المال الكثير؟! لا.. فذهاب البركة ليس بذلك, بل إنّنا نجد الإنسان يقوم بذلك أضعاف ما كان يقوم به فيما مضى بمئات المرات.. ولكنّ العمر كلّه خال من البركة, ولا فائدة فيه, العمر لا يقدّم للإنسان أيّة نتيجة فهو بلا فائدة, فالإنسان لا يحصل طوال عمره على أيّة مصلحة ومنفعة.
الذين يسعون وراء المادّيات وتحصيل علومها, يجب عليهم أن يقضوا أربعين إلى خمسين سنة من أعمارهم في الدراسة لينالوا شهادة الدكتوراه, وبعد ذلك يفتحون عيادة, وبعد ذلك وفي هذا السن, يريدون لتوّهم أن يتزوجوا!! وكم سنة سيعيشون بعد ذلك؟؟ مائة وعشرين سنة؟؟ مائة وأربعين سنة؟! لا يا سيدي..! بل لا يتجاوز السنة أو السنتين وإذا به قد مات! هذا مجرّد عنوان! فالإنسان يمشي ولا يحسب هذه الحسابات.. فقد مضت أعوام وأحقاب على الناس وهم لا زالوا يصرفون أعمارهم على تحصيل المقدّمات وجمعها وتأمينها, يخالون أنّهم سوف يستقرون بعد تحصيلها!!! لا.. فهم غافلون عن أنّ الموت سيداهمهم, و قد نسوا ذا المقدمة!! حتّى تأتيهم المنيّة ولم يدركوا ما أمّلوا بعد.. فذهبت البركة. هذا كلّه إذا كان الهدف الذي يتعبون لأجله صحيحاً! وأمّا ـ لا سمح الله ـ إذا كان الهدف المطلوب غير صحيح فهو له قصّة أخرى ونتائج مرعبة جداً!!
هكذا تذهب البركة من الأعمار, فتنقضي واليد خالية خاوية.. فتذهب البركة من أهله, وتذهب البركة من زوجته وأولاده.. تدرون ما معنى ذلك؟ يعني: تكون لديه زوجة إلا أنّها ليست له!! فهو متزوّج ولكن زوجته لا تحبّه, يعني هي زوجة بالاسم, الزوجة في غرفتها وهو في غرفته.. كذلك يكون لديه أولاد.. أولاده لا يحبّونه, فالولد يريد أباه لماله, ولا معنى للعاطفة بينهما إلا ذلك, فلا بركة فيه, فيؤخذ منه جميع ذلك. لقد ذاق العذاب في الدنيا وبذل جهداً كبيراً حتى صار ذا زوجة وأولاد, إلا أنّهم أصبحوا أعداء لروحه, يتربصون به ريب المنون ليستفيدوا ممّا تبقّى من أمواله.
و سيماء الصالحين من وجهه (التألّق والنورانيّة الباديان على وجوه المصلّين, فالله العليّ الأعلى ينزعهما منه) فوجوههم مكدّرة, أنتم لاحظوا كلّ شخص لا يصلّي فإنّ في وجهه ظلمة خاصّة, حتّى وإنْ كان أجمل مَن في الدنيا, فإنّ في وجهه ظلمة خاصّة وكدورة خاصّة, أمّا المصلّون فليسوا كذلك, ولو كانوا لا يتمتّعون بالجمال, بل حتى لو كانوا بلالاً الحبشيّ فإنّ لهم نورانيّة خاصّة بحيث أنّ الإنسان عندما يتحدّث معهم لا يشعر بالتعب والملل.
أما الخصال الثلاث التي تعطى لتارك الصلاة عند الموت:
فيموت جائعاً وعطشاً وذليلاً..
لقد طوى عمراً كاملاً, وراء أيّ شيء كان يلهث؟ وراء نواياه وآماله, وكلّما كان يتوغّل كان يزداد عطشاً, والآن يقال له: كلّ ما جمعته يجب أن تتركه, وأنت تحسّ بالعطش والجوع, هكذا يجب أن تمضيَ.. وأنت ذليل.. لا نصيب لك من شيء, ودّع بدون شعور بأيّة عزة.
أمّا الخصال الثلاث التي تعطى له في القبر : فيضيق قبرُه حتى يدخل أضلاعه بعضها في بعض ويسلّط عليه الحيات والعقارب ويفتح له باب من النار.
أي يصبح قبره ضيّقاً إلى حدّ أنّه تتداخل الأضلاع وعظام الكتف والأعضاء بعضها في بعض! وحتماً كلّ ذلك كناية عن ضيق عالم البرزخ والصورة لا هذا القبر الظاهريّ. هذه هي الخصلة الأولى.
الثانية: منكر و نكير يشدّدان عليه السؤال.
أما الخصال الثلاث التي يمنى بها عند الحشر والخروج من القبر :
فيخرج مسودّ الوجه ومكتوب في وجهه هذا آيس من رحمة الله تعالى ويؤتى الكتاب من وراء ظهره.
أي إذا خرج من القبر كان أسود الوجه ، وهذه هي الخصلة الأولى.
الثانية: يكتب على وجهه وجبينه أنّ هذا الرجل آيس من رحمة الله, لم يقم بعمل للّه.
الثالثة: يؤتى كتاب أعماله من وراء ظهره أي من ناحية الشقاء ومن جهة جهنّم.
وأما الخصال الثلاث عند لقاء الله:
فلا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكّيه وله عذاب أليم.
يقول الله: ليس بينك وبيننا أيّة علاقة ولا رابط, ولكَم دعوناك في الدنيا أن أقبل! فلم تعتن, بل قطعت صلتك, فاليوم لا صلة بيننا وبينك، و العذاب في الجحيم في غاية الصعوبة عليك, صعب جداً ! إنّه عذاب مؤذٍ للغاية!
والآن هذه هي نتيجة المصلّي وتلك أيضاً نتيجة تارك الصلاة!

    

الصلاة توجّه المصلّي نحو عالم التجرّد والعشق والإمام الحسين عليه السلام خير مثال

الصلاة تجرّ الإنسان إلى عالم الأزليّة والأبديّة, بينما ترك الصلاة يجرّ إلى الموجودات الفانية الفاسدة.
الإنسان المصلّي يتحوّل إلى إنسان متسامح, تارك الصلاة ضيّق الصدر.
تارك الصلاة بخيل وخسيس وهو إنسان ماديّ, بينما نجد المصلّي يتمتّع برحابة الصدر.. صدره منشرح بنور الإسلام, عفُوّ.. يرى كلّ العالم مرتبطاً ومتّصلاً بالله.. وهو يترك كلّ هذا العالم, فهذا العالم غير مهمّ بالنسبة إليه, عالم الدنيا غير مهمّ بالنسبة للمصلّي؛ لأنّه ارتبط مع موجود هو أعلى من العالم ألا وهو الله! ولذلك لا يعظم ما دون الله في عين المصلّي, فكلّ ما دون الله صغير...!
المجاهدون في سبيل الله الذين كانوا ضمن ركاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام في الحروب, كانوا يتخلّون عن كلّ شيء, لأنّهم كانوا مصلّين, لماذا كانوا يجاهدون؟ لأجل الله! لم يكن لهم هدف ومقصود سوى الله! وهذا لازم حال تلك الصلاة, فهي تشرح الصدر, تشرحه وتشرحه إلى حدّ لو وضعت في صدر المصلي وقلبه كلّ الدنيا وما فيها فلا تشبعه, ولكن ركعتان من الصلاة تهدئانه وتشبعانه, فقد صار غذاؤه وطعامه ورزقه شيئاً آخر, المادّة والماديّات لا تستطيع إشباعه, صار غذاؤه ملكوتيّاً, لذلك فإنّ الغذاء الماديّ لم يعد ينفعه.
لقد ركل سيّد الشهداء عليه السلام الدنيا وما فيها, وجمع خيَمَه ومضى إلى مكان آخر.. لقد كان ابنَ أمير المؤمنين عليه السلام, كان وليَّ المتقين, كان الرجلَ الأوحد في العالم من حيث الإمامة والولاية, كان رجلاً معروفاً, كان صاحب عشيرة في الدنيا.. كان ذا مقام واحترام.. كان صاحب علم.. فنصحه أخوه محمّد بن الحنفيّة: أنْ لا تَسِرْ نحوَ كربلاء.. اذهب إلى أي مكان من اليمن أو الحجاز, فإنّ لك شيعة فيها, وابق هناك عزيزاً صائناً ماء وجهك! لكنّ الإمام لم يكن همّه مجرّد الحفاظ على ماء وجهه وتأمين عيشه في الدنيا.. فهو يريد الحياة.. الحياة الحقيقيّة.. يريد الحياة لنفسه و كذلك لجميع المسلمين الذين كانوا قد اتجّهوا نحو الهلاك والضياع والظلام تحت حكم يزيد الخبيث. هذا ما كان يريده الإمام! فما قيمة أن يتنازل عن العيش عزيزاً في الحياة الظاهريّة الدنيويّة مقابل هذا الهدف العظيم؟! فالعزّة والفضيلة وماء الوجه والشرف كلّها غذاء للذين لم يحصلوا بعد على الاتصال بالله, أمّا الذين تشرّفوا بالارتباط بالله, فإنْ جاءتهم العزّة فبها ونعمت, وإن لم تأتِ فلا تأت!! لماذا؟ لأنّهم يريدون العزّة الإلهيّة لا العزّة المتأتّية من غير الله!
انظروا وتأمّلوا جيداً كيف تخلّى الإمام عن كلّ المظاهر!! وكيف أظهر للعالم حقيقة الإنسان المصلّي! وأبدى لهم حقيقة إقامة الصلاة على الأرض! تخلّى عن الأمور الدنيويّة.. ها..! تخلّى عن كلّ شيء.. تخلّى بشكل واضح وجليّ! تخلّى عن الزوجة والأولاد !! وهذا مهمّ جداً! تجاوز عن العرض في سبيل الله! هل تعرفون ما معنى ذلك؟
معناه أنّ ذاك الطريق الذي يسير فيه, والهدف الشامخ الذي يقصده, لا يمنعه من بلوغه شيء من العرض أو الزوجة أو الولد؛ لا سكينة, ولا أم كلثوم زينب... كلّ هؤلاء يجعلهم في يد العدوّ فليكن, فإنّ لهم إلهاً, وهو يجب أن يقوم بعمله.
فسيّد الشهداء هو الإنسان اللامتناهي الذي ليس لأهدافه العالية حدّ تقف عنده! فالمحرّك الباعث على حركته فقط وفقط هو رضا الله والتقرب إليه!
يروى أنّه في تلك اللحظة الأخيرة جاء للوداع الأخير فنادى:
يا أختاه! يا أختاه ائتني بثوب عتيق رثّ حتى لا يرغب فيه أحد:

لباس كهنه بپوشيد زير پيرهنش

                              كه بر نكند خسم بد منش ز تنش

لباس كهنه چه حاجت که زير سمّ ستور

                              تنى نماند كه پوشند جامه يا كفنش



والمعنى: لبس تحت القميص ثوبا عتيقاً كيلا يقتلعه عنه عدوّ لئيم الطبع, وما الحاجة إلى اللباس العتيق فإنّه لم يبق تحت حوافر الخيل جسم ليلبَس ثوباً أو كفناً.
(وهو من اختصاصات هذا الإمام ها! أنّه بعد القتل قطعوا إصبعه وأخذوا خاتمه ورضّوا بدنه وعظامه تحت حوافر الخيل!

شهيد عشق كه تنگ بر بدنش

                              تو خصم بين كه به غارت برند پيرهنش


(شهيد العشق هو الذي لا يسعه جلده ليغطي بدنه, فهو يريد أن يمزّق جلده ويطير منه إلى التحرّر!! فهو خصم أولئك القوم الذين أغاروا عليه ليسلبوه لباسه!!)
هؤلاء يغِيرون على قميصه ليأخذوه, وهو يقول الجلد ضيّق على بدني! فأين ما يرمون إليه مما يرمي إليه الإمام؟
يا أختاه ائتني بثوب عتيق حتى لا يرغب فيه أحد!
صاحت زينب أخي حسين! تريد ثوباً عتيقاً!؟ صاحت ثمّ وقعت على وجه الأرض!!
ترجّل الإمام عن جواده, و زينب مغمى عليها, يا زينب! ليس الوقت وقت الإغماء.. قومي! فأنا الحسين, وبعزم قاطع قال لها: أريد الذهاب أكاد أتأخّر! أبداً ، لا نتيجة! يا أختاه! انهضي انهضي! أبداً! رشّوا على وجه زينب الماء وزينب لم تفق! ولنعمَ ما يقول الشاعر هنا:

نيست زينب وقت بى هوشى تو

                              تنگدل شد شه ز خاموشى تو

بلبل عشقى, تو بر گل زنده اى

                              پيش گل بر صد نوا زيبنده اى

گل بدست آمد کجا شد جوش تو

                              يا زبوی گل زسر شد هوش تو

بر تو گريد ديده گل بی حساب

                              بهر بی هوشان روا باشد گلاب


يقول :
ليس الحين يا زينب حين الإغماء ضاق صدر المَلِك من هذا الإغماء
بلبل العشق أنت على الزهر تحيين وعلى الزهر أنت أجمل من مائة لحن
(أنت تقولين أنا زينب عاشقة الحسين, أنا البلبل عاشق الزهور, ها هو الزهر جاء إليك فلماذا أنت مغمى عليك؟!)
بلبل العشق, أنت على الزهر تحيين وعلى الزهرة أنت أجمل من مائة لحن, ها هي الزهرة عندك فأين نشاطك؟!
( أنت التي تقولين أنا بلبل, ومن الليل حتى الصباح تملئين الحدائق بصوتك وحنينك وصخبك على فراق الزهرة, ها هي الزهرة جاءت الآن فلماذا خفت صوتك؟!
ها هي الزهرة عندك فأين نشاطك؟! أم أنّك من فوح الزهرة أغمي عليك!!
(نعم جاءت الوردة, وأنت سكرى من رائحتها وسقطتي...)
بكتْ عليك عين الوردة بغير حساب وكم هو سائغ ماء الورد للمغمى عليهم..
بكى الإمام فتساقطت دموعه على وجه زينب, أفاقت زينب.. لقد كانت دموعه كماء ورد تساقط من قطرات ندى وردةِ وجهه المبارك على وجه زينب.
فتحت عينيها وقالت: يا حسين! إلى أين تذهب! أنا ماذا سأصنع وحدي بعيال النبيّ وسط الصحراء ومع هذا الجيش من الأعداء؟! قال الإمام :
يا زينب! يا أختاه! اصبري! لا يذهبنّ بحلمك الشيطان!
(اصبري فالله يلهمك الصبر, ولا يذهبنّ بصبرك الشيطان فانّ لك إلهاً)
فوضع الإمام يده على قلب زينب و قال:
يا أختاه اصبري وتعزي بعزاء الله!
( أوكلي نفسك إلى الله, اصبري)
قالت زينب عليها السلام:
يا أخي! لأصبرنّ صبراً بحيث أنّ الصبر سيبكي من صبري..

{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}


[1] ـ سورة هود (11) آية 114

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی