معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري > شرح حديث عنوان البصري - من المجلس رقم 101 إلى 200 > شرح حديث عنوان البصري - الجلسة رقم 185 : كيفية إحياء مجالس عزاء سيد الشهداء عليه السلام

_______________________________________________________________

هو العليم

كيفيّة إحياء مجالس عزاء سيّد الشهداء عليه السلام

شرح حديث عنوان البصري – المحاضرة رقم 185

ألقيت يوم 2 من صفر الحرام من عام 1432

سماحة آية الله

السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني
حفظه الله

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين

    

ضرورة التعقل في كل ما يعرض وعدم الاقتصار على التقليد

تمّ التعرّض في الجلسة الماضية إلى مطالب تتعلّق بمناسبة عزاء وحزن أهل البيت عليهم السلام في شهري محرّم وصفر، وقد اطلع الإخوة إلى حدّ ما على تلك المطالب التي سمعناها عن الأولياء العظام مما يتعلّق بهذا المجال، ولكن وربّما لقصور المتكلّم عن البيان في مسألة كيفيّة إقامة العزاء نشأت تساؤلات في أذهان بعض الإخوة، وينبغي أن يكون الأمر كذلك، فعلى الإنسان أن يختار مسيره عن معرفة وعقل، فما أطرحه من مطالب ليس وحياً منزلاً، وإنّما أضع هذه المطالب بين أيدي الإخوة وكذلك بين أيدي سائر الأفراد، على أساس رؤيتي للمباني والمعتقدات وما فهمته من مسير ومرام ومنهج الأولياء العظام. ولا بدّ أن تخضع المطالب للدراسة والتأمّل والتحقيق، ولا ينبغي القبول بالمسألة لصرف كون الحقير هو الذي يطرحها، وعلى الإخوة وعلى كلّ الأفراد وعلى أيّ إنسان يسمع هذه المطالب في أيّة بقعة من بقاع الدنيا أن يسمعها سماع المتدبّر الفهيم، كي يمكنه في مسيرة الحياة هذه والعمل ببرامج الأولياء أن يسير خطوة إلى الأمام وأن يطوي مرحلة من مراحل الطريق. إنّ الحركة عن تقليد هي حركة آسرة مقيّدة تجعل الإنسان يدور حول نفسه كالدابة التي تدير رحى الطاحون، نعم تقليد الإنسان الخبير البصير الذي هو المعصوم عليه السلام أو الفرد المتّصل بولاية المعصوم عليه السلام هو في حكم التحقيق لا التقليد، وهو عين الصلاح. أحياناً قد يصاب الإنسان بمرض، وعندها يكثر الأطبّاء من حوله من الطفل ذي السنوات العشر إلى المرأة العجوز ذات السنوات الأربع والتسعين، فكلّهم يتحوّلون إلى أطبّاء يصفون له الدواء، فإن أطاعهم كان مقلّداً، وهذا التقليد يودي بالإنسان إلى الهلاك والبوار، كما هو رائج في مجتمعنا ولا يزال يودي بحياة الكثيرين. إنّ المرض ظاهرة تقتضي مسيرة خاصّة بها، ولا بدّ للعلاج أن يكون منسجماً مع هذه المسيرة منطقياً وعقلانياً، وهؤلاء الذين يفتحون العيادات بغير أن يدرسوا ويتعلّموا، أو هؤلاء العطارين الذين يعطون لأنفسهم حقّ الطبابة لمجرّد ادّعاء كون الأعشاب والأدوية غير مؤلّفة من موادّ كيميائيّة فيصفون الأدويّة للناس، كلّ هؤلاء مسؤولون عن فعلهم هذا، لا بدّ أن تكون الطبابة على أساس المنطق والسيرة العقلائيّة، وقد ورد عن رسول الله أنّ من طبّب بغير علم لا بدّ أن يتحمّل العقوبة الأخرويّة فضلاً عن العذاب الدنيويّ والضمان، وهذا طريق منطقيّ وعقلائي، ولو أنّ رسول الله لم يقل ذلك لكان الأمر كما هو أيضاً، المطالب التي يتكرّم بها أولياء الله ترتكز إلى المنطق والفطرة والموازين والأصول الفطرية، فليس لأيّ امرئ أن يجيز لنفسه التلاعب بأرواح الناس بمجرّد دعوى كون الطبابة والعلاج بالأعشاب. عندما تشرّف المرحوم العلاّمة بالذهاب إلى النجف للتحصيل العلمي، كانت له ابنة تسمّى فاطمة وهي أكبر أولاده وكان كثيراً ما يتحدّث عن نباهتها، ولمّا بلغت من العمر ستة أشهر مرضت هذه الطفلة، فقالوا للمرحوم العلاّمة هناك طبيب معروف يقصده العلماء عادّة، والحال أنّه لم يكن متخصّصاً ولا خبيراً إلا أنّه وضع نفسه في هذا الموقع، ولم يكن هناك من يملأ الفراغ سواه، أو أنّه نال تلك الشهرة دون سواه، فأخذ المرحوم العلاّمة الطفلة إليه فوصف لها دواء فماتت، وفي أواخر حياة المرحوم العلاّمة وفي حادثة من الحوادث كان يحذّر من الرجوع إلى غير المتخصّص، ويؤكّد على ضرورة الرجوع إلى أفضل المتخصّصين، وكان بعض الناس يأتون إليه ويقترحون عليه اقتراحات من عند أنفسهم، فتأثّر تأثّراً بالغاً وزجر عن ذلك قائلاً: ما هذه الأعمال التي يقومون بها؟! ـ وهذه سنّة راجت بيننا نحن الإيرانيين، وهي سنّة خاطئة أن صرنا نتدخّل فيما لا علم لنا به ونظنّ أنّ ذلك فخر لنا ـ وكان يقول: لا زلت طوال هذه السنوات أتحسّر على فقد تلك الطفلة بسبب معالجتي لها على يد رجل غير متخصّص. وهذا كلام وليّ من أولياء الله، ولكن كم كان ثمن هذا باهظاً بحيث أنّه كان يذكره بهذا النحو!! لا بدّ أن يكون كلّ شيء في موضعه المناسب.
ومن المسائل التي نبتلى فيها بذلك مسألة البناء، فكلّ من يريد أن يبني بيتاً يأتيه الناس فيقولون: هنا اصنع كذا وهناك اصنع شيئاً آخر وهكذا... نأتي ونبدي وجهات النظر بدون تخصّص وبدون ملاحظة للعواقب، وهذا ليس بطريق "السلوك"، فطريق "السلوك" هو طريق الإتقان، فإذا جاءكم أحد وقال: رأسي يؤلمني، فلا تشرعوا بالقول فوراً: أنا رأسي آلمني وأخذت الدواء الفلاني، فإذا فعلت ذلك فقد ارتكبت محرّماً، نعم محرّم يا سيدي! فالحرام ليس فقط في القفز من فوق جدران الآخرين، فهذا حرام أيضاً، أفهل أنت متخصّص لكي تصف على الفور الدواء الذي أفدت منه أنت؟ فربّما كان هناك ألف مرض آخر، فمن أين عرفت أنّ المسألة ترجع إلى نفس السبب؟ نعم إذا كان الإنسان يعرف طبيباً متخصّصاً فيمكن أن يدلّ عليه ويقول أنا ذهبت إلى ذاك الطبيب ووجدت على يديه الشفاء فاذهب إليه، أما هو نفسه فلا يمكنه أن يشخّص، ولو قام بذلك فقد قام بعمل يخالف مباني السير والسلوك، أي عمل مخالف للطريق الذي عيّنه الله تعالى، والمراقبة التي يوصي بها أولياء الله العظام ليست مجرّد ترك الكذب والسباب والفحش، لا بل المراقبة هي في هذه المسائل، فعلى الإنسان أن يكفّ نفسه ويصونها ولا يطلق العنان للسانه ليقول ما يخطر بفكره، هذه هي المراقبة، وقد يلتزم الإنسان بهذه المراقبة فتتقدّم به أكثر مما يتقدّم به قيامه بصلاة الليل لمدّة عشر سنوات، فعلى الإنسان أن يصون نفسه عن الضياع والعبث، وعن التفلّت عن المحاسبة والمسؤوليّة، هذا ما يسمّى بالمراقبة.
بالنسبة للمطالب التي طرحت على الإخوة، فإنّي رأيت أن يضاف عليها بعض التوضيحات، كي يتبيّن ذلك المسير الواقعي والسنّة الحسنة والمنهج الذي قدّمه لنا أولياء الدين والأئمّة عليهم السلام، ولنعرف علّته ودليله، ولنعلم أنّ علينا المسير في هذا الطريق، وإلا فيمكن أن نصاب بالتوقّف في المراتب الدنيا، فلا أقول إنّ الذين لا يلتزمون بذلك سيضلّون، بل سيتوقّفون عند المراتب الدنيا، وستبقى حركتهم في المنازل الدانية، فلا يمكنهم بعد ذلك العبور عنها إلى ما وراءها، ولا يمكنهم إخراج أنفسهم إلى الآفاق الأعلى، فليس الأمر مقتصراً على هذا الحدّ، بل هناك مسائل أخرى ومراتب ودرجات، لا بدّ من أجل الوصول إليها أن يحرّك الإنسان نفسه، ولا يتصوّر بأنّ المسألة تقف عند هذا الحدّ.

    

عظم المصائب التي جرت على أهل البيت عليهم السلام

لا شكّ بأنّ المصائب التي وقعت على أهل البيت عليهم السلام وخصوصاً ما يتعلّق بمسألة كربلاء هي خارجة عن حدّ التصوّر، فهذه الجنايات التي قام بها أعداء الله على آل الرسول، والفجائع التي ارتكبت في حقّهم أيّ قلب يسمع بشيء يسير منها ولا يتأثّر؟!
وكنت اليوم أنقل لأحد الإخوة أنّ المرحوم العلاّمة كان يتحدّث يوماً ويقول: لا زلت أفكّر منذ مدّة مديدة في عطش سيّد الشهداء أنه كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى هذه النقطة وهذه النكتة، فقد كتب في التاريخ بأنّ سيّد الشهداء كان يرى أمام عينيه سحابة من الدخان من شدّة العطش ـ وطبعاً أطبّاء العيون يدركون ذلك بنحو أدقّ، ويحتمل أن ذلك ينشأ من قلّة المائع الزجاجي اللزج في القرنيّة نتيجةً للعطش الشديد ـ فقد كان المرحوم العلاّمة يقول: لقد قرأت ذلك ولكنّي لا يمكنني أن أدرك كيف حصل ذلك لسيّد الشهداء فصار يرى بينه وبين السماء سحابة من دخان؟ إلى أن اتفق لنا أن سافرنا إلى مكّة... وكان ذلك في رحلته الأولى، ويبدو أنّه أصيب بمرض، وكان عليه أن يذهب إلى مكان آخر بالسيّارة ولم يكن قد شرب الماء منذ وقت طويل، والخلاصة أنّه وقع في وضع صعب، إلى درجة أنّه كان يقول: لم يعد بي رمق، وخارت قواي عن الحركة، ولو أنّا لم نصل بعد نصف ساعة إلى استراحة وسط الطريق فشربت الماء فيها لكنت قد هلكت، يقول: قبل أن نصل إلى هذه الاستراحة بنصف ساعة كنت أرى أمام عينيّ سحابة من دخان، فأينما كنت أنظر كنت أراها، عندها تذكّرت عطش سيّد الشهداء عليه السلام، وأنّ المسألة كانت من هذا القبيل، فالإمام من شدّة العطش كان بدنه مصاباً بالجفاف فكان يرى هذه السحابة، وهذه إحدى المصائب والأحداث التي كان يعاني منها الإمام سيّد الشهداء عليه السلام.
والمسائل التي في شهر صفر من شهادة الإمام المجتبى.. شهادة رسول الله صلّى الله عليه وآله.. شهادة الإمام الرضا عليه السلام، أو شهادة الإمام السجّاد عليه السلام في شهر محرّم... ففي هذين الشهرين ـ محرّم وصفرـ ذكريات لشهادات عدد من الأئمّة عليهم السلام، شهادات كانت في أيّ الأحوال والأوضاع...؟!

    

اعتراض بعضهم على عدم قتال الإمام السجاد عليه السلام

وفي المجلس الأخير الذي عقد للنساء ذكرت أنّ بعض الكتّاب والمتحدّثين الذين لم يحصّلوا اطلاعاً كافياً على التاريخ وعلى المباني وعلى الإنصاف ـ أي أنّهم لم يسمعوا بالإنصاف ـ يتحدّثون بأيّ العبارات عن الإمام السجّاد؟ أن ليته كان من شهداء كربلاء! هل يقال هذا الكلام للإمام المعصوم؟ لماذا لم يستشهد مع شهداء كربلاء؟ لو كنتَ قرأتَ التاريخ لفهمت أنّ الإمام السجّاد على مرضه قام ليقاتل فوقع على الأرض، ونادى عمّته زينب أن ائتني بعصاي وسيفي، وتحرّك نحو الميدان ليدافع عن أبيه، إلا أنّه لم يستطع، ولم يكن بإمكانه أن يحرّك أقدامه، وفي المقابل نحن نأتي وننسج حول الأئمّة من عنديات أنفسنا، ننسج من أنفسنا.. نعم ننسج...

    

المحن والمصائب التي لاقاها الإمام زين العابدين عليه السلام

إنّ كلّ الأحداث التي جرت على الإمام الحسين عليه السلام لم تكن سوى ساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين تقريباً لا أكثر؛ فقد حارب وواجه الأعداء خلال هاتين الساعتين لا أكثر، ثمّ بعد ذلك كانت الأحداث بذلك النحو العجيب، في حين أنّ الإمام السجّاد كان كلُّ يوم بالنسبة إليه شهادة، أنتم تصوّروا أن يقيّد إنسان بزنجير بهذا الحجم الكبير، وقد رأيت في أحد المتاحف في العراق أو في سوريا زنجيراً مشابهاً لغلّ الجامعة الذي كان قد قيّد به الإمام السجّاد، فأدركت أنّا لا يمكننا أن نحتمله لدقيقة واحدة، حيث وضع هذا الحديد بهذا الحجم على رقبة الإمام، وغلّت الأيدي والأرجل بالزناجير، ثمّ أجلس على جمل بغير محمل، بحيث أنّ الدم كان يسيل من تحت هذه الزناجير مع كلّ خطوة يخطوها الجمل. فأيّ عذاب عاناه الإمام السجّاد عليه السلام في هذه المدّة؟! لقد كانت قضيّة الإمام الحسين عليه السلام خلال ساعتين وانتهت، فأيّهما كانت أشدّ؟! فلتجرّبوا! لا بأس! هل ستأنسون بذلك؟ أم لا بل سيكون الأمر مختلفاً؟ وكيف سيكون؟
ويأتي الإمام على هذه الحالة إلى الكوفة ويدخل مجلس ذاك اللعين، ثمّ إلى الشام إلى تلك الخرابة التي يقال أنّها في الليل تؤذي بصقيعها وفي النهار بحرارتها، وواقعاً عجيبة تلك القصّة التي يرويها المنهال حيث يروي أنّي عندما أتيت رأيت ظهر الإمام ينزف دماً من آثار الزناجير.. لقد كان الأئمة عليهم السلام بشراً، ولم يكونوا يستفيدون من الأدوية المسكّنة، لقد كان لهم أعصاب وكانوا يشعرون بالآلام. فكيف كانت تلك الجراح التي أصابت الإمام السجّاد عليه السلام بحيث بقيت آلامها مستمرّة إلى زمان شهادته ولم يكن الإمام يخبر أحداً، إلى أن استشهد، وبينما كان أصحابه يغسّلونه رأوا هذه الجروح والآثار على ظهره، فقال الإمام الباقر عليه السلام هي آثار تلك الأحداث، من الذي تحمّل كلّ ذلك بكلّ هذه المآسي؟
ثمّ بعد ذلك يأتون ويستشكلون على الإمام السجّاد لماذا بايع والي يزيد على المدينة، أفهل يبايع الإمام؟! لا يمكن لإمام أن يبايع، أي أنّ هناك من يستشكل على الإمام، فأفراد أمثال الشيخ عبّاس القمّي صاحب مفاتيح الجنان يأتون ويرفضون هذا الأمر، هل يمكن أن يبايع؟! كان على الإمام السجّاد أن لا يبايع والي يزيد!
يزيد ذلك الذي أباح نساء المدينة لجيش الشام ثلاثة أيام.. حيوان مفترس أحضر الإمام السجّاد وهدّده إن لم تبايع ضربت عنقك الآن، فماذا يصنع الإمام؟ نحن الآن نجلس هنا نفصّل وننسج ونقول: كان عليه أن لا يبايع، لقد كان في حال يقتل فيها لو لم يبايع، ولو لم يبايع لخلت الأرض من حجّة، ولما عاد هناك من وليّ للأمّة، أنتم تظنّون أنّ بيعة الإمام السجّاد لوالي يزيد كانت سهلة، أنا أقطع وأقطع أنّ تلك البيعة من الإمام السجّاد في ذلك اليوم كان يتمنّى الموت ألف مرّة دون وقوعها، إلا أنّها لا بدّ أن تقع، يمكن للإنسان أحياناً أن يجرّب هذه القضايا بنسبة معيّنة لا كما هي هي، وقد اتفق للحقير أن جرّب تطبيق ذلك، فأحياناً أريد أن أختبر نفسي أن ما هو موقفي وإحساسي من أمر ما، فأشعر بأنّ الموت أسهل بكثير من الإقدام عليه، إلا أنّه لا بدّ من الإقدام، فلو خيّرت بين أن أفعل هذا الفعل أو أن أموت لاخترت الموت. ولكن نحن نأتي ونطلق الكلام جزافاً دون أن نزِنه أن لماذا بايع الإمام السجّاد؟ فإذا أنتم وزنتم المصيبة التي أصابت الإمام السجّاد عليه السلام في تلك المدّة، والقضايا التي رآها الإمام بعينه في الكوفة.. فتمام أهل بيت سيّد الشهداء عليه السلام من أخواته ونسائه وبناته كنّ في عهدة ومسؤوليّة الإمام السجّاد، هل فهمتم ماذا أقصد؟! فهذه المصيبة التي وقعت على الإمام السجّاد عليه السلام في طول المسير هي ليست أقلّ من مصيبة كربلاء إن لم نقل أنّها كانت أكبر، بل هي قطعاً أكبر، فمصيبة كربلاء كانت ضرباً وقتلاً، ولكن بالنسبة للإمام السجّاد فقد كانت المصائب بنحو آخر.. هذا فضلاً عن كيفيّة تقييده؛ فقد ربطت أقدامه بالزناجير من تحت الناقة، وفي كلّ حركة منها تعمل كافّة هذه الزناجير على الضغط على بدن الإمام، ونحن لا يمكننا أن نحتمل ذلك للحظة واحدة، وأخبرتكم أنّي رأيت في المتحف تلك السلسلة، فالسيف يقضي على الإنسان بعد عشرة دقائق، وهذه نهايته أمّا في قيد هذه السلسلة ففي كلّ لحظة طعنة، وفي كلّ آن رمح، ولا ينقضي الأمر، يوم.. يومان.. ثلاثة أيام.. عشرة أيام.. عشرون يوماً.. حتّى يقال أنّها بقيت إلى شهر، هذا فضلاً عن المسائل والأحداث الأخرى...

    

المحب يشعر بآلام ومصائب أهل البيت عليهم السلام

جيّد؟! أفلا يقتضي كلّ ذلك أن يتأثّر الشيعيّ؟! طبعاً يقتضي قطعاً الأمر هو كذلك، فالإنسان في عزاء سيّد الشهداء والأئمة عليهم السلام يجبره إحساسه أن يكون حاضراً في تلك المصيبة ناظراً مدركاً لتلك الأحوال، وشاعراً بتلك الآلام، نعم يشعر بتلك الآلام، فعندما كان المرحوم الحاج ميرزا جواد الملكي التبريزي أعلى الله مقامه يقول في مناجاته مع الله: ليت ذلك العامود الذي أصاب فَرق عليّ الأكبر عبدك أصاب ابني، وليت السهم الذي أصاب عين عبدك أبي الفضل أصاب عيني! ليت وليت وليت... كلّ ذلك لم يكن منه كذباً، بل كان يقول صدقاً وكان يحسّ ويلمس واقعة عاشوراء، لأنّه من أولياء الله.. وليّ الله.. له معيّة.. له معيّة.. هو ليس مثلنا يمثّل فيلماً في ذلك، لا بل له وحدة ومعيّة مع وجود الإمام الحقيقيّ، وهو يدرك ذلك الوجود في مظاهره الجمالية والجلاليّة المختلفة، هو يدركها في كلّ موقع توجد فيه، لذا فهو يقول حقاً، وما دام الأمر كذلك فكيف يمكن للإنسان أن يظهر الفرح والسرور في هذه الأيام، فعندما يقول المرحوم العلاّمة: لا تشتروا في هذين الشهرين الحلوى والمكسّرات والأشياء التي تبعث على التفنّن، لم يكن ذلك مجرّد شعائر، بل هو إظهار لحالة الوحدة والمعيّة، وأنّي شريك معكم في هذه القضيّة، تماماً كما فعل جابر بن عبد الله الأنصاري حين جاء إلى قبر سيّد الشهداء عليه السلام حيث قال: أشهد أنّي معكم في كلّ موقف، لقد كنت معكم في كربلاء وفي الكوفة والشام، وكان يقول الحقّ، لأنّه كان يرى نفسه في تلك السلسلة، وكان يرى نفسه واحداً من أفراد هذه السلسلة، فقد كان يشعر بأنه واحد من أولئك الأفراد الذين يطوون المنازل ومراحل الكمال الواحدة تلو الأخرى خلف الإمام الحسين، فقد كان يرى نفسه واقعاً واحداً من أفرادها ولم يكن ذلك بمجرّد الكلام، لقد كان واضحاً أنّ كلامه كان نابعاً من القلب و أنّ ما قاله كان مصاحباً لليقين و الإحكام و الإتقان. حسناً، فعلى الإنسان أن يشكّل نفسه بهذه الكيفيّة و يضع نفسه على هذا الطريق.
إنّ هذه المسائل مما يجب بيانه للناس ... في الطريق عندما كنّا قادمين إلى هنا، مررنا بأحد الشوارع الكبيرة ، فلاحظت أنّه يوجد العديد من محلاّت الحلويات المفتوحة في ذلك الشارع، فبين كل مجموعة من الدكاكين يوجد محلّ للحلويات، والناس يدخلون إليها بكثرة ودون التفات، وكلّ منهم يطلب نوعاً من الحلوى، فكأنّ الناس يشتهون الحلوى في أيّام محرّم وصفر بشكل أكبر من باقي الأيّام! إذ إنّ محلّ الحلويّات كان مليئاً بشكل عجيب! عندئذٍ التفتّ إلى رفيقي وقلت له: ألا يستحي هؤلاء الناس؟ فلو أنّ والدهم توفّي أو لو مات أحد أقاربهم وأعزّائهم؛ أما كانوا سيقفلون محلّهم ويكتبون لوحة على المحلّ أن "بسبب ارتحال فلان من أعزائنا فإنّ المحلّ سيغلق من اليوم الفلاني إلى اليوم الفلاني"؟! كأنّنا ليس لدينا أيّ ثقافة! أو أنّ المادّيات قد أضحت هي العنصر المؤثّر في ثقافتنا! لماذا يقوم الشيعيّ ببيع الحلويّات في شهر محرّم الحرام ؟! فليبع شيئاً آخر كالكعك، أو أي شيء آخر لا يعتبره العرف من الأمور المبهجة ولا من مظاهر الفرح والسرور والترفيه. لماذا يحصل هذا منّا؟! إنّ هذه الأمور ينبغي بيانها للناس وتنبيههم إليها... طبعاً من المحتمل أنّ يكون تصرّف هؤلاء نابعاً من الجهل، وأنّهم ليسوا على اطّلاع على هذه المسائل، وأنّهم ليسوا معاندين، ولكن ينبغي تعليمهم وإفهامهم وتوضيح الأمر لهم.
جاء أحد الأفراد ذات يوم من أيّام محرّم وصفر، واتفاقاً فقد كان ذلك اليوم يوم شهادة أحد الأئمة عليهم السلام أيضاً، أو أنّه كان في غير أيّام محرّم وصفر ولكنه كان من أيّام شهادة أحد الأئمّة... أحضر هذا الشخص من أصفهان عدداً من علب "الگز" للسيّد الوالد، فأعطاها لأحد الأفراد كي يوصلها للسيّد الوالد، فلمّا أوصلها هذا الشخص للسيّد الوالد، قال له: هل غادر هذا الشخص أم ما يزال موجوداً؟ فقيل له إنّه ما يزال موجوداً، فقال: أرجعوا له هديّته وقولوا له: إنّني لن أقبل منه أيّة هديّة طوال عمري! فاليوم يوم شهادة الإمام، وأنت تحضر لي الحلوى؟!
(هكذا كان أسلوب الأولياء وهكذا كانت طريقتهم. إنّهم يعلّموننا.. يعلّموننا الأدب مع الأئمّة، ويوضحون لنا القواعد والمباني، ويبيّنون لنا القيَم الصحيحة)، قال له: لو أنّ والدك توفّي في هذا اليوم، فهل كنت ستحضر لي "الگز" والحلوى أيضاً؟ أم ستكون متأثّراً بسبب المصيبة النازلة بك؟ ستكون حزيناً و متأثراً، وهذا ما يجب أن يكون، إذ يجب أن يكون الحزن والأسى ظاهراً عليك، فهذا هو الوضع الطبيعي. هذه المسائل يجب أن توضَّح و تبيَّن تفاصيلها للناس.

    

ميزة واقعة عاشوراء بوجود الإمام المعصوم

أمّا بالنسبة لما ذكرته في المجلس السابق فهو أنّ مدرسة التوحيد و مدرسة الإمام عليه السلام هي مدرسة السير و العبور و التقدّم، لا مدرسة التوقّف والسكون؛ فالإمام عليه السلام عنده عزاء وعنده فرح أيضاً.. عنده المرض وكذلك عنده الصحّة أيضاً.. عنده الضيق وعنده الرفاهيّة أيضاً.. إنّ جميع هذه الأمور موجودة في حياة الإمام عليه السلام، ولكنّنا لم نأخذ من الأئمّة عليهم السلام إلاّ الحزن والبكاء، حتّى كأنّ الأئمّة عليهم السلام لم يأتوا إلاّ من أجل الحزن والبكاء! هذا غير صحيح أبداً! فهذا عبارة عن التوقّف عند المصيبة وليس هذا توقّفاً عند سيّد الشهداء عليه السلام! فسيّد الشهداء عليه السلام ـ كما ذكرت للأصدقاء مراراً ـ كان إماماً حتّى قبل واقعة كربلاء.. كان إماماً معصوماً! بل إنّ عصمة الإمام عليه السلام هي التي ميّزت واقعة كربلاء عن بقيّة الوقائع والأحداث، إذ لا يوجد واقعة في التاريخ ولن تأتي واقعة في المستقبل مثل واقعة كربلاء، وإطلاق اسم كربلاء على أيّة واقعة أخرى هو حرام! كما يعدّ توهيناً للمذهب الشيعيّ وإهانة لمقام العصمة والطهارة المطلقة للإمام عليه السلام وتصرّفاته في جميع المراتب. فالوقائع التي حدثت في التاريخ كثيرة جدّاً، كما أنّ الأفراد الذي كانوا فيها كانوا أفراداً جيّدين وهم من الشهداء والمؤمنين، وكلّهم مأجورون ومحمودون وكلّهم مورد للرضا الإلهي... هذا كلّه صحيح ومحفوظ في مكانه، ولكنّها مع ذلك ليست كربلاء؛ فكربلاء أمر آخر! تلك الوقائع مقامها محفوظ ولكنّ عاشوراء تختلف عنها جميعاً؛ فعاشوراء موضوع آخر ومطلب آخر! لأن عاشوراء كان سيّد الشهداء عليه السلام هو المدير المدبّر لها.. كان مديرها سيّد الشهداء.

    

اختصاص لقب سيد الشهداء بالإمام الحسين عليه السلام

كما أنّ لقب "سيّد الشهداء" مختصّ بشخص واحد لا غير هو الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. ولو فرضنا أن شخصاً قد قتل في إحدى الوقائع، فهل نطلق عليه لقب "سيّد الشهداء" أيضاً؟! ألأنّه قد قتل فقد صار "سيّد الشهداء"؟ كلاّ ، هذا غلط ! إنّ "سيّد الشهداء" لقب يجب على الشيعة أن يبذلوا قصارى جهدهم في المحافظة عليه وعلى قداسته، لا أن يكونوا هم السبب في التوهين بهذا المقام وإذهاب قداسته تدريجيّاً، فيطلقون على هذا "سيد الشهداء" وعلى ذلك أيضاً "سيّد الشهداء" وهكذا... حتّى يصير عندنا عدد كبير من الأشخاص الملقبين بهذا اللقب! ولكن من منهم كان مثل الإمام الحسين عليه السلام؟!
إنّ هذا الأمر يشابه تسمية أحد الأبنية الحديثة باسم "الكعبة"!! فالكعبة واحدة لا ثاني لها، واسم "الكعبة" إنّما يطلق على ذلك المبنى المخصوص، ولا يجوز استعمال هذا الاسم في أيّ بناء آخر، وهذا الفعل حرام لأنّ هذه الأسماء توقيفيّة، كما لا يجوز أن يستخدم الإنسان هذه الأسماء في مواضع أخرى، إذ كلّ واحد من هذه الأسماء يحمل معنى ويؤدّي مفهوماً خاصّاً به، ومسألة "سيّد الشهداء" عليه السلام من هذا القبيل.

    

كيفية إقامة مجالس العزاء ضرورة عدم التوقف عند المصيبة فقط

وأمّا ما ذكرته بالنسبة لكيفيّة إقامة مجالس العزاء، فإنّ مجالس العزاء ينبغي أن تقام بالشكل المتعارف دون إحداث ضجّة وجلبة، فما معنى الصراخ وإحداث الفوضى؟! إن ذلك لا يُعدّ عزاءً، بل هو ضرب من الجنون.. هذا ليس عزاءً، فالعزاء ينبغي أن يكون بشكل منظّم ومرتّب ورزين، حتّى يجلس الإنسان ويبكي، فهذا البكاء بنفسه رحمة وهو موجب لنزول البركة، وموجب لحضور نفس العصمة في ذلك المكان، وعندما تحضر حقيقة العصمة في مكان ما، فإن الأفراد الحاضرين هناك سيتأثّرون بطبيعة الحال وسينفعلون بها ويتلوّنون بلونها ويصطبغون بصبغتها، لتظهر تلك الصبغة على شكل دموع تنحدر على وجناتهم، كما يمكن أن تظهر بشكل آخر غير البكاء والدموع؛ كأن يجد الإنسان في نفسه حالاً من الانبساط والخفّة، ويرى أنّ تعلّقاته قد قلّت وضعفت.
حسناً، الآن افرضوا أنّ شخصاً بدلاً من ذلك تعلّق بالمصيبة، وجعلها همّه الأكبر؛ يعني هو إنّما يذهب من أجل المصيبة، وليس مهمّاً عنده إن كان صاحب المصيبة هو الإمام الحسين أم غيره، فلسان حاله يقول: نحن إنّما نريد أن نلطم صدورنا على كل حال، ونريد أن نضرب رؤوسنا ساعة من الزمان، ولو سُئل هذا الشخص: لماذا تلطم صدرك؟ فإنه سيجيب: ها.. نعم، من أجل الإمام الحسين!
ما هي هذه الحالة؟ إنّها حالة التوقّف عند المصيبة والجمود عليها، والإنسان ينبغي ألا يصبح محكوماً للمصيبة ومتوقّفاً عندها، بل عليه أن يكون غالباً على المصيبة وحاكماً عليها، ويجب على الإنسان ألاّ يضيّع نفسه أبداً.. ولا يفقد السيطرة على نفسه.. فهذا كلّه خطأ! فكم دعا سيّد الشهداء أخته السيّدة زينب وغيرها من الأفراد في ليلة عاشوراء إلى الصبر والثبات! ألم يصلنا قوله عليه السلام: «فلا يذهبنّ بحلمك الشيطان»، أي لا تجعلي الشيطان يسرق منك عقلك و اختيارك، يعني لا تصرخي ولا تولولي وتنوحي، بل ابقي مسيطرةً على نفسك.
نعم ، في بعض الأحيان تخرج المسألة عن اختيار الإنسان، وبحثنا ليس هنا فهذه لا إشكال فيها، ولكن حديثنا عن الشخص الذي يُقدِم باختياره ليرمي نفسه عامداً في هذا الوادي؛ فهو لا يستطيع أن يبكي بشكل طبيعي وتلقائي، فيبدأ بالصراخ والعويل وإحداث الجلبة! يا عزيزي، إذا لم تتمكن من البكاء، فاجلس صامتاً بهدوء، إنّ نفس الأئمّة عليهم السلام قالوا لنا ذلك، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنّة»، فهذا يشمل الشخص الذي يبكي بشكل طبيعي على مصيبتنا، والذي يُبكي الآخرين كالخطباء الذين يُبكون الناس وينقلون مصائبهم لنا، أو إذا لم يكن من هذين القسمين ولم تساعده حاله على البكاء، فليتباك وليضع نفسه في حالة من الحزن، ومعنى ذلك أن يضع الإنسان نفسه في هذا المسير، ويُلزم نفسه بالمضي في هذا التيّار العظيم، فهؤلاء الأصناف الثلاثة وجبت لهم الجنّة. ومن الطبيعي أن يستحقّوا الجنّة، لأنّ مثل هذا الشخص قد دخل تحت الرحمة، وصار في مجال الرحمة الواسعة للإمام عليه السلام.
هذا هو المقدار الذي طلبوه منّا وهذا المقدار كاف لتحقيق الهدف. ولا نجد أن تلك الأمور من ضمن المطلوب. فعندما يأتي وقت اللطم، يجب أن يكون اللطم بهدوء وسكينة، أمّا أن يقوم الإنسان باللطم بكلّ ما أوتي من قوّة... فإنّ ذلك سيسبّب له المرض والإصابة. فهل هذا العمل صحيح؟
وكذلك ينبغي أن يكون مقدار العزاء محدّداً ومعيّناً، فيأتي الإنسان ويجلس بهدوء وطمأنينة ليستفيد من أجواء المجلس ويستفيض من روحيّته، أمّا أن يطول اللطم ثلاث ساعات؟!! نجد أنّ بعض الأشخاص يدعو الناس إلى حضور مجلس عزاء مع وجبة طعام، إمّا على الغداء أو العشاء، ويتصوّر هذا الشخص أنّه بما أنّ هناك إطعاماً في المسألة فينبغي أن يطول المجلس والعزاء واللطم إلى آخر حدّ ممكن، فلا يتوقّف العزاء واللطم ما دام هناك رمق عند الناس، وذلك حتّى لا يذهب المال الذي أنفقه بدون فائدة تذكر!!
يا عزيزي، إنّك ستحصل على الثواب مقابل أوّل ربع ساعة فقط، وأما باقي الوقت الذي تعب الناس فيه وجاعوا حتّى صاروا يدعون عليك من صميم قلبهم فلن تحصل إلاّ على ما دعوا عليك به! إنّ الربع الأوّل كافٍ.. أو نصف ساعة بحدّ أقصى بحيث يُقرأ فيها المجلس ثم يلي ذلك مقدار بسيط من العزاء واللطم وينتهي الأمر.. ولا معنى أن يظلّ العزاء حتّى الواحدة بعد منتصف الليل، فلماذا نفعل هذا؟ حتّى يقال بأن المجلس كان حافلاً وصاخباً؟! لا، كلّ هذه الأمور تعني التوقّف في المصيبة والتعلّق بها.
وسيّد الشهداء لا يريد منّا أن نتوقّف عند المصيبة، فهو يقول لنا: لا تتوقّف في المصيبة من أجلي، فإنّك إن فعلت ذلك فإنّك ستخسرني.. ستخسرني أنا.. أنت خسرتني وتخلّيت عنّي! بدلاً من ذلك تعال إلى هذه المجالس لكي تبحث عن أي الطرق يقرّبك إليّ، ويدنيك من هدفي. فلنقرأ مجلس عزاء مختصر، ولنستمع إلى ذكر المصيبة لمدّة عشر دقائق أو ربع ساعة، وذلك بحالة من الهدوء و السكينة، ومن خلال صوت متعارف ومعتاد لا من خلال الصراخ الذي يكاد أن يهدم المجلس على رؤوسنا ولا بإطلاق الصيحات التي تكاد المرأة الحامل أن تسقط جنينها بسببه.. بدون هذه الأمور، ثمّ إذا فعلتم ذلك، فحينئذٍ انظروا إلى أثر هذا المجلس في أنفسكم، وقارنوا بينه وبين الأثر الذي يتركه حضور مجلس يستمرّ حتى الواحدة ليلاً وتقطّع نفسك فيه! (تجدهم يخرجون من المجلس وكأنهم مرضى من شدّة التعب والإرهاق!) أيّ المجلسين أثره أكبر؟ وأيّ المجلسين يوجِد في الإنسان خفّة وحياة ونشاطاً روحياً؟ أيّ منهما؟

    

الدين ليس بكاء فقط بل الدين هو المحبة

فأولئك الذين تصوّروا أن الدين يتمثّل بالبكاء فقط قد وقعوا في اشتباه كبير، فهم رأوا طرفاً واحداً من المسألة، إذ الدين ليس بكاء؛ الدين هو العشق والمحبّة والمودّة والاتّحاد والمعيّة، فهذا ما قالوه لنا: "وهل الدين إلاّ الحبّ والبغض"، البغض للأعداء، والحبّ للأولياء الذين اهتدوا إلى الطريق فهم يأخذون بأيدينا ليوصلونا، أفهل الدين شيء آخر؟ الدين المحبّة، ومودّة أهل البيت عليهم السلام هي أصل وأساس الدين، ولو نزعوا هذه المحبّة منّا فلن يبقى في أيدينا شيء أبداً، فلو أخذوا الآن منّا محبّة صاحب الزمان، فما الذي سيحصل؟ سنصير كالروبوت (الرجل الآلي)، فقط روبوت! هذه المحبّة هي التي تأخذ بأيدينا وتقرّبنا، وهذه المحبّة تجعلنا نحزن في أحزانهم ونشاركهم فيها، فنصير نحن أصحاب المصيبة ويتملّكنا الحزن والأسى لذلك، ونفس هذه المحبّة تجعلنا سعداء في مواليدهم وأفراحهم وتبعث فينا النشاط والحيويّة.
تجد بعض الأشخاص يقرؤون العزاء حتّى في أيّام ولادة الأئمّة عليهم السلام، وهذا تصرّف خاطئ، فميلاد الإمام لا يتناسب مع قراءة العزاء، والأعياد لا تتناسب مع قراءة العزاء، ونظير ذلك ما يفعله بعض الخطباء الذين يصعدون المنبر ويقرؤون أي شعر دون الالتفات إلى المضامين التي يحملها، فإذا قرؤوا شعراً ما ووجدوا أنّه لم يترك أثراً كبيراً في الحاضرين فلا يعجبهم ذلك، فما لم يبدأ الحاضرون بالعويل واللطم على الصدور و... لا يقنعون بذلك، ولهذا ينقلون الكلام ويغيرون مجرى الحديث نحو كربلاء فيحوّلون مجلس الفرح وعيد الأئمّة إلى مجلس عزاء ومصيبة! فالحمد لله أنّ عندنا كربلاء، وإلاّ لا ندري ماذا كانوا سيفعلون؟! ويستمرّ الأمر هكذا لأنّنا ليس لنا عيد ولا فرح كما يزعمون!
الأئمّة كان عندهم عيد وعزاء، وكان عندهم فرح وحزن، وكان عندهم سرور كما كان عندهم همّ وغمّ، فنحن لا نريد الإمام الحسين عليه السلام في الحزن والبكاء فقط، بل نريده بكلّ حالاته وأطواره. افرضوا لو أنّ الإمام الحسين عليه السلام جاء بنفسه، وكان ذلك اليوم من أيّام الفرح والمسرّة، و كان نفس الإمام الحسين عليه السلام فرحاً مستبشراً، فهل نبكي لأجله أيضاً؟! سيقول لنا: أنا نفسي ضاحك مسرور، فلأجل من تبكي؟ فأنا نفسي سعيد و مسرور!!
في مدرسة التوحيد، لا يوجد توقّف وانعدام حركة، ولا يوجد سكون وثبات، وليس من المقبول أن تكون الحركة على أساس محور واحد، بل هناك العديد من المحاور في مدرسة التوحيد يجب على الإنسان أن يجرّبها ويعبر عنها. وهكذا يمكن للإنسان أن يتحرّك ويعبر ويرتقي، لا أن يحبس نفسه عند هذه المسألة دون أن يتجاوزها.
إنّ الإمام عليه السلام هو حقيقة الربط بين الله والمخلوقات، وهذا المعنى هو الذي يجب أن نصل إليه، وهذه هي النكتة التي ينبغي أن نصل إليها، وإلاّ فإنْ نظَرنا إلى الإمام عليه السلام من نافذة الغمّ والحزن والمصائب التي حلّت عليه فقط، فلن نتمكّن من أن نجرّب بقيّة الجوانب.. لن نقدر على ذلك؛ لأنّنا حصرنا أنفسنا في جانب واحد.
لقد ذكرت سابقاً للإخوة الأعزّاء في إحدى مجالس شرح حديث عنوان البصري الماضية (ولا أدري إن كنتم تذكرون ذلك أم لا)، قلت لهم: لو أنّ سيّد الشهداء عليه السلام لم تحصل له واقعة كربلاء، ومضى من الدنيا بأحد أسباب الوفاة الطبيعيّة كالمرض أو السكتة القلبية أو نحو ذلك من العلل الظاهريّة، فماذا كنّا سنصنع؟ هل كان ذلك باعثاً على انقطاع الطريق بيننا وبين الله سبحانه؟ لا، لا ينبغي ذلك. فسيّد الشهداء قد ارتحل من الدنيا وانتهى الأمر، فماذا نفعل نحن في هذا الوضع؟ لنفرض أنّه مات بأحد هذه الأسباب الظاهرية.
نحن نعلم أنّ جميع الأئمّة عليهم السلام قد استشهدوا كلّهم إمّا بالسمّ أو قتلاً بالسيف، بل إنّ رسول الله نفسه قد مات شهيداً بالسمّ... لقد سمّتاه وقتلتاه؛ «والله لقد سمّتاه» كما قال الإمام الصادق عليه السلام، فحتّى رسول الله قتلوه، وقتلوا ابنته عليها السلام، ومن الذي قتلها؟ قتلها أولئك الذين يقال عنهم أنّهم من "مفاخر الإسلام"! يقتلون بنت رسول الله من أجل حفظ الإسلام! يا للروعة.

    

هل الموت الطبيعي منقصة للإمام

ولكن افرضوا أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا مثلنا من حيث طريقة الوفاة، فكما نتأثّر نحن بهذه العلل الظاهريّة التي يصيبنا الموت على إثرها، افرضوا أنّ الأئمّة عليهم السلام قد ارتحلوا من الدنيا بنفس الطريقة.. كيف توفّي السيّد الوالد؟ لقد توفّي بالسكتة القلبيّة كما هو معلوم، فهل كان ينبغي أن يموت شهيداً؟ من قال ذلك؟ وكيف ارتحل سماحة السيّد الحدّاد ـ رضوان الله عليه ـ من هذه الدنيا؟ ارتحل بواسطة هذه الأمراض والعلل الظاهرية؛ فقد كان في المستشفى ولم يسمحوا له بالخروج بسبب حالته، ثمّ في آخر الأمر طلب سماحته من الطبيب أن يسمح له بالخروج والذهاب إلى المنزل، فلم يقبل الطبيب بذلك، لكنّه قال له: أنا لن أعيش بعد هذه الليلة، فخذوني إلى منزلي إذ لا فائدة من بقائي هنا، فسمحوا له بذلك وأخذوه إلى المنزل... وكيف ارتحل سماحة السيّد القاضي ـ رضوان الله عليه ـ من الدنيا؟ لقد مات بمرض الاستسقاء أو الذي يسمّى هذه الأيّام بالتهاب الكبد الوبائي. حسناً، فهل يجب أن تكون وفاة الأشخاص ذوي المراتب العالية بطريقة غير عادية؟! نحن نسمع بعض التعبيرات غير اللائقة أحياناً، إذ تسمع بعضهم يقول: إنّ موت "فلان" على فراش المرض قليل بحقّه! لماذا تقول عنه أنّه قليل؟! و من الذي يدّعي أنّ الإنسان حتماً يجب أن يرتحل عن هذه الدنيا بطريق خاصّ؟! ألم يرتحل كلّ أولئك العظماء بهذه الكيفية العاديّة؟! بل إنّ نفس أولئك الذين قالوا هذا الكلام، ألم يموتوا بهذه العلل الظاهرية العاديّة ؟! فما الذي حصل حينئذٍ؟ لا شيء.. لم يحصل شيء، فالله سبحانه و تعالى هو الذي ينتخب هذا الطريق أو ذاك؛ فهذا الشخص ينبغي أن يرتحل بسبب هذا المرض أمّا الشخص الآخر فقد اختار الله له طريقاً آخر للموت، و شخص آخر مثلاً كُتب له أن يرتحل عن الدنيا في ميدان الحرب و القتال.

    

من أحب عمل قوم أشرك في عملهم

فبالنسبة للمرحوم العلاّمة الذي كان وليّاً إلهيّاً: هل يعني ارتحاله بالسكتة القلبيّة أنّه لن يعطى ثواب الجهاد والشهادة في سبيل الله؟! طبعاً سيعطى، بل إنّه سيحصل على أعلى درجاتهما! لماذا؟ لأنّ عنده وحدة ومعيّة؛ فهذا الشخص لو كان موجوداً في ليلة عاشوراء، ولو كان هذا الشخص من ضمن الحاضرين في ليلة عاشوراء، فهل كان سيهرب مع من هرب في ظلام الليل؟ أم أنّه كان سيبقى ويثبت حتّى النهاية، وسيصنع كما صنع زهير بن القين وبقيّة الأصحاب الأوفياء، عندما قالوا للإمام عليه السلام: لو قتلونا ثم أحرقونا ثم صنعوا ذلك بنا سبعين مرّة لما تركناك أبداً؟ إلى أيّ الفريقين كان سيميل؟ مثل هذا الشخص كان سيثبت قطعاً، وبالتالي فهو مع هؤلاء الأصحاب وهو منهم، ولا فرق بينهم إلاّ أنّه قد ولد بعد ألف ومائتين أو ألف وثلاثمائة عام، وهذا الأمر لم يكن بيده ولا اختيار له فيه. أوَهل وقت ولادتنا في هذه الدنيا كان باختيارنا؟ كلاّ. وبالتالي فلو قلنا للإمام الحسين عليه السلام يوم القيامة: ما هو ذنبنا إذ لم نكن حاضرين في يوم عاشوراء، مع أنّنا لو كنّا هناك لفعلنا كما فعل الأصحاب، فلماذا لا يعطينا الله من الثواب كما أعطاهم؟ لو سألناه هذا السؤال فماذا يمكن له أن يجيبنا؟ هل سيقول: لم تحصلوا على الثواب لأنّكم لم تكونوا هناك..؟ سنجيبه: وهل الوجود في ذلك الزمان بأيدينا وباختيارنا؟! لقد كان بإمكانك أن تمتحننا، فقد كان بإمكانك أن تجعلنا في ذلك الزمان معك وتختبرنا لترى: هل كنّا سنهرب مع الهاربين أم أنّنا كنّا سنبقى ونثبت مع أولئك الأصحاب الذين ثبتوا ورابطوا دون أن يحصل في قلبهم ذرّة واحدة من الاضطراب أو الشكّ أبداً؟! عندئذٍ سيقول الإمام عليه السلام: ها! لقد جلستُ مجلس الحقّ.. وأنا جالس في مجلس الإنصاف والعدل؛ فإن كنت ترى نفسك وتحسّ من نفسك أنّك في هذه الموقعيّة... (ها هنا يأتي قولهم: «من رضي بعمل قوم فهو منهم». )، إن كنت تحس نفسك في هذه الموقعيّة ...
إنّ هذا هو الإحساس الذي أدعو الإخوة إلى تحصيله في مجالس العزاء، لا أن نصرخ و نحدث جلبة كبيرة، فإحداث الجلبة لن يحصّل هذا الإحساس للإنسان. هل فهمتم ما هي القضيّة؟
أذكر عندما ذهبنا مع المرحوم الوالد ـ رضوان الله عليه ـ إلى الحجّ أوّل مرّة، كان معنا بعض الأشخاص المنتمين إلى بعض أهمّ الهيئات في طهران، كان هؤلاء الأشخاص من المؤسّسين و المدراء لتلك الهيئات، وكانوا معنا في نفس الحملة، وكان عمري آنذاك سبعة عشرة عاماً، و أذكر بنفسي أنّنا كنّا جالسين نتحدّث ذات ليلة فقال لي أحد هؤلاء الأشخاص (وكان يتحدّث عن مراسم الاحتفالات في النصف من شعبان، والمراسم الكبيرة التي أقاموها بهذه المناسبة، ولن أذكر مزيداً من التفصيل حتّى لا يتسبّب ذلك بالأذى لأحد، لأنّ قصدنا هو إيصال الفكرة فقط)، قال لي: يا فلان، إنّني في ذلك الوقت لم أنزع حذائي من رجلي لمدّة ثلاثة أيّام من أجل الإمام صاحب الزمان عليه السلام! فقلت له: ولكن يا رفيقي، كيف كنت تصلّي إذاً؟ فقال: الصلاة؟؟ لا صلاة هنا، هنا يوجد إمام الزمان وفقط، ضع الصلاة جانباً الآن! فالصلاة يمكن أداؤها في أي وقت.
أيُّ إمام زمان هذا الذي يضيّع لك صلاتك؟! وأيُّ إمام زمان هذا الذي جعلك تتخلّف عن أداء تكليف واجب؟! كان يقول: (أقسم بنفس الإمام أنني لم أنزع حذائي لمدّة ثلاثة أيّام!)، ولا أدري كيف كان ينام إن كان صادقاً فيما يقول.. إذ إنّه يلزم أن نفكّر في ما يقوله وكيفيّة فعله لذلك.. هو أدرى على كلّ حال.
حسناً، إمام الزمان هذا الذي يأتي ويسلب من الإنسان صلاته الواجبة: هل ينفعنا؟ أليس هذا خيالاً في خيال؟ ما هو هذا التصرّف؟ إنّه التوقّف عند إمام الزمان، ولكن إمام الزمان التخيّلي لا الواقعي، فإمام الزمان الواقعي يقول لنا: ليس من الضروري أن تلقي بنفسك في المشقّة والحرج من أجلي بهذا الشكل، بل ينبغي أن يكون عملك على أساس مدروس وبناء على الموازين، وبدون الصخب والجلبة، وبدون تمثيل وتنافس مع الآخرين، فإن أردت المشاركة والمساعدة فليكن ذلك بمقدار أربع أو خمس ساعات في اليوم بحيث لا يؤثّر ذلك على زوجتك وأولادك، فلا ينبغي أن تقصّر بحقّهم ولا بحقّ أصدقائك، كما ينبغي أن تتناول غذاءك وتحافظ بشكل عامّ على نظام حياتك، وبعد ذلك إن أردت أن تأتي من أجلي لمدّة أربع أو خمس ساعات للمساعدة في إقامة هذه الشعائر فلا بأس. فما معنى أن تبقى ثلاثة أيّام دون أن تضع رداءك أو تنزع حذاءك؟! ولأيّ شيء هذا؟!
هذا الأمر بعينه ينطبق علينا بالنسبة إلى مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، فذاك بتلك الطريقة ونحن بهذه الطريقة، نحن نتخيّل أنّه مهما طالت المشاركة وزادت فإنّ نصيبنا سيكون أكبر! بينما يقول لنا الإمام الحسين عليه السلام: ليس من الضروري أن تكونوا هناك.. ليس من الضروري أن تكونوا حاضرين في كربلاء، ولكنّ السؤال هو: هل عندك الشعور والإحساس بأنّك لو كنت معي لقدّمت نفسك فداءً لي؟ هنا ينبغي أن ألاّ نستعجل في الإجابة، بل ينبغي أن نطلب منه المهلة للتفكير في الأمر، فلا ينبغي أن نتحمّس ونقول: نعم يا بن رسول الله ! لا، لا تستعجل بالإجابة، بل اذهب وتفكّر، وقيّم حالتك وادرس موقعيّة سيّد الشهداء عليه السلام، وانظر إلى قيمة الدنيا واعتباريّاتها وما فيها من المجاز عندك، ادرس كلّ نقطة من هذه النقاط بالتفصيل، ورتّب الأمور بشكل صحيح.
أين ينبغي للإنسان أن يتعلّم هذه الأمور؟ ينبغي أن يتعلّمها في مجالس الإمام الحسين عليه السلام! أما الضرب على الرأس فلا ينفع في ذلك، لأنّ الضرب على الرأس لا يوجد هذه المسائل في رؤوسنا.

    

ضرورة التأمل أثناء المجالس والزيارة في الإمام وما يريده منا

زن اعتباريّة الدنيا، وفكّر في الأمراض التي قد تصيبك وتأمّل في آخرتك، ثمّ فكّر في عاقبتك وما يصلح لمآلك ولتحصيل الفلاح والنجاة، وادرس ما يؤدّي إلى سعادتك الأبديّة، وفكّر في العمر الذي أعطاك الله... بعد أن تفكّر في ذلك، استحضر النورانيّة التي يمكن أن تحصل للنفس، ثم تأمّل في ظلمات النفس و كدورتها و العواقب الناتجة عنها.. استحضر عالم البهجة .. استحضر ذلك الصفاء.. استحضر ذلك التوحيد .. استحضر جميع ذلك ثمّ اجلس و تفكّر في كلّ واحدة واحدة من هذه الأمور.. فكّر فيها .. تأمّل و تدبّر.
كثيراً ما أقول للإخوة إذا أرادوا الذهاب إلى الزيارة: عندما تذهبون إلى الزيارة اجلسوا وتفكّروا، فكثرة القراءة لا تفيد الإنسان كثيراً، اذهب واجلس في إحدى تلك الزوايا جلسة المتفكّر المتأمّل... اذهب واجلس في زاوية من مقام سيّد الشهداء.. مقابل ضريح موسى بن جعفر.. مقابل ضريح الإمام الرضا عليه السلام، وانقل نفسك إلى داخل الإمام الرضا إلى داخل الإمام موسى بن جعفر، وانظر إلى حالك في تلك الوضعيّة التي أنت فيها، هل يمكن أن تكون واقعاً من جملة أنصار الإمام أم لا؟ ولو كنّا في ذلك الزمان فهل سنقوم بهذا العمل أم لا؟ انظروا ماذا يريد الإمام منّا، يقول الإمام الحسين لنا: لا أريد أن تطلب منّي أن تكون في عاشوراء معي، بل عليك أن تنظر إلى الهدف الذي من أجله استشهدت، ولماذا ضحيت بأولادي وأهل بيتي؟ لأجل أن أقيم المبادئ والقيم الأخلاقيّة، وإحياء العدل والإنصاف، فاعمل أنت على إحياء العدل في حياتك, فكن عادلاً في علاقتك مع إخوانك، لا تتجاوز هذا الأمر بشكل أو بآخر، فعندما يصل الأمر إلى وجود منفعة لك فعليك أن تحسب المسألة، لا أن تغمض العين وتتساهل بالأمر وتمضيه، وتقول ذاك الرجل سيتفضل علينا ولن يقول شيئاً، بل اذهب وأدِّ الحقّ إليه. أو عندما يدرك ذهنك مطلباً ما فاتّبعه بسرعة ولا تتساهل به، فإن فعلت ذلك فأنت معي، وإلا فلا تدّعي النصرة من دون شيء، ولا تتعب نفسك في الطلب، فإنّا نعرف الطريق بشكل دقيق، وإذا أردنا أن نمتحن الأشخاص فعند ذلك يُعلم من الذي ينجح في هذا الامتحان. لذا على الإنسان أن يشعر بأنّه يحمل روحه على كفه ويبذلها في طاعة الإمام، فعندما يشعر أن روحه على كفّه، فهل يمكن أن يصدر منه أيّ عمل؟ والحال أنّه يحمل روحه في يده.. بهذا الشرط؟ لكن إذا لم يكن كذلك، بل كان هذا الأمر ادعاءً منه. فإن كان مستوفياً لهذا الشرط، عند ذلك يقال له توقّف هنا، وأقدم هناك وافعل هذا الفعل! ماذا كان لسلمان من مقام؟ لقد وصل وحصل على الوحدة مع أمير المؤمنين، وحصل على الوحدة مع الولاية وصار جزءاً منها، وصار «منّا أهل البيت»، فقد روي: «سلمان منّا أهل البيت»، فتارة يقال سلمان منّا فقط.. يقول المرحوم العلاّمة أنّه ورد في بعض العبارات عبارة منّا فقط، وورد في بعضها منّا أهل البيت، فعبارة منّا أهل البيت أعلى، فعبارة منّا تفيد أنّه في نفس المسار ونفس الخيمة، لكن منّا أهل البيت أعلى، فالإمام يقول: «سلمان منّا أهل البيت»، فهل استشهد سلمان حتى يصير من أهل البيت؟ لا! بل كان من المعمّرين، حيث نقل بعضهم أنّه عاش مائة وثمانين سنة، وبعضهم قال مائي سنة، ورأيت في بعض المصادر أنّه عاش ثلاثمائة وعشرين عاماً، لا أعلم إن كان ذلك صحيحاً أو أنه أضيفت نقطة أو خط.. يقال بأنّ أحد الأشخاص كان يكتب في التاريخ.. يكتب تاريخ عاشوراء، فقال له مساعده أين قتل سيّد الشهداء ثلاثين ألفاً؟ فكل من كان في كربلاء لم يبلغ ثلاثين ألفاً، فقال له: دعه يقتلهم جميعاً هؤلاء الملاعين...

    

التعقل يستدعي اتباع الإمام في كل أمر

المرحوم الميرزا الدربندي له كتاب في تاريخ كربلاء والأحداث التي جرت فيها، ويقال بأنّ العلماء لم يكونوا يولون هذا الكتاب أهميّة؛ لأنه كان يركز على مسألة المصيبة فقط، يعني أن مصيبة سيّد الشهداء غلبت عليه وصار جميع وجوده عبارة عن مصيبة، وينقل أنّه كان في حرم سيّد الشهداء عليه السلام يمسك بالقفص ويقسم على الإمام الحسين عليه السلام بحقّ أمّه الزهراء أن لا يشفع للشمر يوم القيامة، حسناً، إذا أراد سيّد الشهداء أن يشفع للشمر أو لا يشفع، فهل ينقص منك شيء، فمن أنت حتى تعيّن للإمام تكليفه، وقد أقسم عليه بحقّ أمّه الزهراء، ويقال بأنّ الذي يقسم على الأئمة بحقّ أمهم الزهراء لا يردّونه أبداً، فإذا أراد الإمام الحسين أن يشفع للشمر في يوم القيامة، فما الذي يحصل؟ نحن لا نقول بأنه سيقوم بذلك، فالمسألة لها حساب وكتاب مختلف، لكن لنفترض أنه أراد أن يشفع.. ما هذا؟ هذا ترجيح للمصيبة، فأنت لم تعد تقبل بالإمام الحسين، بل جميع وجودك غرق في المصيبة ولم تعد تريد أن تخرج منها، لماذا لا تريد أن ترى الإمام الحسين أعلى من المصيبة؟ لماذا لا ترى رحمة الإمام الحسين أعلى من أيّ شيء؟ لماذا لا تقترب أنت من ذاك الأفق وتنظر إلى الأحداث بتلك النظرة؟ لماذا؟ لقد غرقنا في المصيبة ولم نخرج منها.
هناك في الكثير من بلاد الهند وباكستان وغيرهما يعقدون المجالس لسيّد الشهداء، لكن جميع هؤلاء مبتلون فقط بمسألة المصيبة لا غير، فكلّ شخص يأتي ويكذب على الناس ويرفع من وتيرة المصيبة يكون محبوباً أكثر عند الناس، مهما كذب عليهم في ذلك. سمعت أن سيداً عالماً كان قبل مدّة في الهند ـ وكان سيداً عالماً ـ أو لعلّه كان في باكستان؟ الظاهر أنهّ في كان الهند، لقد أتى وقال إنّ سيّد الشهداء وأصحابه اغتسلوا ليلة عاشوراء، وتنظفوا... فقاموا إليه وطردوه من المجلس وأبعدوه، وقالوا له: بأيّ حقّ تتكلّم بهذا الكلام، والحال أنّه لم يكن لديهم قطرة ماء ليشربوها، فمن أين لهم ماء للغسل؟ فما هذا الكلام؟ أجاب: لقد قرأت التاريخ وهذا الأمر أخذته من الكتب وأبين لكم ما وجدته في الكتب، فقالوا له: أصلاً لا حقّ لك في ذلك. فإذا فرضنا أن شخصاً قال لهم: إنّ الحسين لم يشرب الماء منذ أن ولد، فسوف يقال له: أحسنت هذا صحيح، فتمام حياة الإمام الحسين التي تبلغ سبعة وخمسين عاماً كان في حالة من العطش، ما هذا؟ هذه تخيّلات وتوهّمات لا أكثر.
الإمام الحسين لم يرد منا في عاشوراء أن نغرق في التخيلات، بل أراد سيّد الشهداء أن يحرّكنا بفعله نحو العقلانيّة في عاشوراء، أراد أن يظهر المنطق والمظاهر الجماليّة للّه تعالى بشكلها الأتمّ على امتداد تاريخ الخلقة، في هذا الوادي أراد سيّد الشهداء أن يحرّكنا، لذا أوصى السيدة زينب وقال لها: «لا يذهبنّ بحلمك الشيطان» بل انظري دائماً إلى الله، واعتبري أنّك أنت الغالبة على ما يجري عليك، إذا انكسر قلبك فلا إشكال، وإن بكيت فلا إشكال، لكن عليك أن تبقي مسيطرة على حالاتك، فعندما أتت السيدة زينب إلى مجلس يزيد أو مجلس ابن زياد، ولعلّه ابن زياد فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك؟ فقالت: لا نراه إلا جميلاً، هذا الكلام من السيدة زينب لم يكن من باب إبراز التجلّد أمام العدو، لم تقله من باب عدم إظهار الضعف والإنكسار، كما نفعل نحن، لم تفعل ذلك حتى لا تزيد من شماتتهم بها، لا، هذه الأمور نعبّر نحن بها، نحن نقول مثل هذه العبارات في حالات مشابهة لهذه الأمور، فهي لم تكن ترى لهم أيّة قيمة حتى تتجلّد أمامهم، بل عملت السيدة زينب على إظهار إحساسها بصدق، السيّدة زينب ترى في هذه الأحداث الجمال الإلهيّ المطلق، فهل يمكن أن تتحدّث بغير هذا الكلام؟ أصلاً لسانها لا ينطق بغير هذا الكلام، لا تفكّر بغير ذلك، بل تخرج هذه الكلمات من قلبها وتلقيها، لأنها شعرت بذاك الجمال الإلهيّ بشكله الأتمّ، وهي على استعداد أن تتكرّر معها هذه القضيّة ألف مرّة بشرط أن لا تتخلّى عن ذاك الجمال الذي حصلت عليه، وواقعاً مستعدّة لتقديم المزيد، وأن تشارك في ألف واقعة كربلاء، فقد أذاقها الله تعالى مذاقاً لذيذاً ووضعها في أفق جعلها ترى الواقع كما هو، المصيبة التي جرت عليها هي في محلّها، فعندما ترى رأس الإمام يحصل لها تلك الأمور المذكورة وتبكي ذاك البكاء، وهذا طبيعي، فالسيّدة زينب إنسان. رسول الله عندما فقد ابنه إبراهيم بكى، وقال بحالة تسليم لله: إنّ القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الله، هذا الأمر بعينه يحصل له. لكن يأتي الثاني ويقول: دع هذه الأمور جانباً، ويعترض على رسول الله. لا إشكال في الحزن وانكسار القلب وجريان الدموع، لكن في نفس الوقت الذي تجري فيه الدموع، يأتي القلب من شدّة شغفه مما يجري، يرى كيف يمنّ الله على عباده بهذه الأمور، عندما يشعر الإنسان بهذه الأمور يشعر وكأنّ قلبه سينفجر، لذا هذه المسألة ينبغي أن تدرس جيداً. فأهل الحقيقة والتوحيد وأهل السير هم الذين يصلون إلى هذه المطالب، هم الذين يمكنهم أن يضعوا أيديهم على حقيقة هذه المسائل.

    

ينبغي أن تكون الطاعات لأجل الله لا فراراً من العذاب ولا رغبة بالثواب

ألم تروا أن بعض الأشخاص يصلّون صلاة الليل ـ وقد رأيت بعض هؤلاء ـ يصلّون صلاة الليل بالكفن، لماذا تصلّي بالكفن؟ يقول: حتى يرتفع عذاب القبر بذلك! فهل تصلّي صلاة الليل لرفع عذاب القبر؟ لا تصليها لأجل الله تعالى؟ أو الأشخاص الذين يقولون لقد قرأنا القرآن عدّة مرات حول القبر الذي سندفن فيه، وقد سمعت من بعضهم أنه ختم القرآن ثلاث مرّات بالجنب من قبره ليرفع عنه عذاب القبر. فهل يقرأ الإنسان القرآن لرفع عذاب القبر؟ بل ينبغي أن يقرأ القرآن لكي يصل إلى مطالبه وإلى نورانيّته ومفاهيمه، ينبغي التأمل في آيات القرآن، فآيات القرآن آيات أساسيّة ومصيريّة، على الإنسان أن يتأمل بها دائماً، لا أن يقرأها لأجل عذاب القبر فقط، وكذا لا يلبس الإنسان كفنه ويصلّي صلاة الليل لأجل عذاب القبر... كان أويس القرني يمرّ من مكان فرأى رجلاً يصلى في قبر، فقال ماذا تفعل؟ فقال له لرفع عذاب القبر عنّي، فقال منذ متى أنت يصلي هنا؟ قال: منذ عشرين سنة، فقال له أويس: منذ عشرين وأنت تبتعد عن الله، أويس كان قد فهم المطلب، وكان فطناً جداً، فهو يعلم أنه ينبغي أن ندع التفكير بعذاب القبر أثناء الصلاة جانباً، وندع التفكير في نكير ومنكر، ولا يدع غير الله يأتي إلى ذهنه عندما يقول الله أكبر، أما ذاك الذي يقول الله أكبر.. اشف وجع ظهري، الله أكبر.. اقض ديني، الله أكبر.. اشف فلاناً و... فجميع هذه الأمور من التوهّمات، تمام هذه الأمور تخيّلات، بعضهم يقول اكفنا عذاب القبر وبعضهم يقول اشفنا من الأوجاع، فهذه كلّها توهّمات.
أمير المؤمنين عليه السلام يعلّمنا ويبيّن لنا الطريق، يكشف لنا المعيار، فيقول أنا لا أصلّي كي أدخل الجنّة، فالصلاة التي يريد الإنسان أن يدخل بها إلى الجنّة ليست صلاة، هو يعلّمنا هذا، والكلام ليس كلامي، بل نفس الأئمة هم الذين قالوا ذلك، وكذلك لا أصلّي حتّى لا أدخل جهنّم، يعني إذا قيل لنا بأنّه لا يوجد جهنّم، فلا نعود نصلّي إذاً، قلت مرّة للإخوة: إذا فرضنا أنّه في هذه الليلة ليلة الجمعة، جاء توقيع من ناحية الإمام عجّل الله فرجه ـ لنفترض ذلك فالفرض لا إشكال فيه ـ بأنّ الصلاة من الآن فصاعداً سقطت، فنذهب ونشتري علبة حلوى ونوزعها ونقول لا صلاة بعد الآن، وباب جهنّم أغلق اليوم، لم يعد فيها وقود وانتهت جهنّم.. لنجلس مع أنفسنا ونفكّر، إذا حصل هذا الأمر واقعاً، فهل نفرح به أم لا؟ إذا رأينا أنّنا فرحنا بذلك، نعرف أننا سقطنا في الاختبار، لنفكّر فيما بيننا وبين أنفسنا، لقد أعطيتكم هذا المعيار، لنجلس ونفكر.. فإن قلنا لقد ارتحنا، كم هو جيّد هذا الإمام الذي أراحنا اليوم من الصلاة، وبعد أسبوع سيريحنا من الصوم وهكذا من سائر الواجبات. أما إذا كنا مثل المرحوم القاضي، أو غيره، حيث يقول: إذا قال الله تعالى يوم القيامة أو في البرزخ لقد رفعت عنكم الصلاة، فأي مصيبة ستحلّ بنا، هذا هو الذي فهم المسألة، فإذا أتى الله تعالى وقال لا أريد منكم بعد الآن صلاة، فماذا نفعل؟ هو الذي عرف ما هي الصلاة وماذا يوجد فيها، هو الذي فهم كلام أمير المؤمنين عندما يقول: «إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك»، فلا أتصور العقاب أثناء الصلاة أصلاً، ولا أتصور الجنّة أثناء الصلاة، فأنا لست كذلك. أما نحن فعندما نصلّي نقول: صلّ فإن لم تصلّ فهناك العذاب، اذهب سريعاً وصلّ، فهل جلسنا وفكّرنا في أنّ هناك سعادة تمرّ دون أن نستفيد منها، هناك فيض يأتي وينتظرنا هل نصلّي حتى يكون من نصيبنا أم لا؟ هل فكّرنا في ذلك، وهل أقمنا الصلاة بهذه النيّة وبهذا التوجّه؟ هل صلّينا صلاة الظهر.. صلاة العشاء.. صلاة الليل بهذه النيّة؟ أم لا... «بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»، عليّ أن أعبدك، وظيفتي العبوديّة تقتضي أن أعبدك، أن أتقدّم بين يديك وأشكوَ لك ضعفي وأعرض عليك فقري وحاجتي، أقف بين يديك وأعرض موقعيّتي أمامك وحالتي بين يديك، آنس بك في هذه العبادة، فأنت في مقام المعبودية وأنا في مقام العبودية والمسكنة، فعند ذلك تصير المسألة جميلة جداً ولذيذة، أولئك لم يتوقفوا أبداً.
يقال بأنّ معروف الكرخيّ الذي كان بوّاب الإمام الرضا عليه السلام، وإن كان بعض أصحاب التراجم يبينون موقعيّته بشكل مختلف حيث يشكّكون في هذا المقام له عند الإمام، وعليهم أن يتوقّعوا المساءلة حول ذلك، لقد كان بوّاب الإمام الرضا وكان مستجاب الدعوة، عندما كان الناس يأتون إليه كانوا يقولون له أعطنا دعاء للسفر، فيقول لهم: اسألوا الله برأس معروف الكرخي يستجاب لكم، فكانوا يتساءلون فيما بينهم: هل يصح ذلك؟ لعلّك ترى نفسك رجلاً مهماً يا معروف؟ وكان هناك شخص يريد السفر بالسفينة، فكتب معروف عبارة في ورقة وقدّمها له، وقال له: عندما ترى البحر قد هاج بكم فاحملها في يدك وادع الله بها يهدأ البحر. فذهب هذا الرجل وعندما هاج البحر وقاربت السفينة على الغرق، فما أن أخرج الورقة التي أخذها من معروف، هدأ البحر وانقضى الأمر وكأنّ شيئاً لم يكن، وعندما رجع هذا الرجل حدّث نفسه وقال أيّ اسم أعظم هذا الذي كان في الورقة؟ حيث لم يتأخّر الأمر ولو لثانية واحدة، فالدواء الذي يتناوله الإنسان أحياناً يتأخّر أثره إلى ساعتين، لكنّ أثر هذا الدواء كان مباشراً، فنظر فإذا مكتوب في الورقة: إلهي أقسم عليك برأس معروف أن ترفع عنّا هذه البليّة. ما هذا؟ هل هذا دعاء؟ وقال: عندما أراه سأعاتبه على هذا الدعاء، أيّ دعاء هذا؟ فعندما عاد إلى المدينة ـ وكان الإمام الرضا في ذلك الوقت في المدينة ـ جاءه، وما إن شاهده معروف حتى قال له: لقد هاج البحر بكم وعندما فتحت الورقة هدأ كلّ شيء، وبعد ذلك تعجّبت من الأمر.. وكأنه كان هناك معه، قال: هذا الرأس الذي التصق بساحة القدس الإلهي، أليس له مقام عند الله؟ هذا الرأس الذي قدّم كل شيء في خدمة الإمام الرضا، أليس له عند الله شأن؟ اذهب وعندما تنزل بك نازلة فاسأل الله بهذا الرأس.. يصلح الله لك الأمور، والظاهر أنّه مات ـ كما ينقل ـ نتيجة الازدحام الشديد للناس عند دخولهم إلى الإمام في مرو وأدى إلى أن تتكسر بعض أضلاعه بعد أن التصق بالحائط، وهذا ما جعل بعضهم يتردّد في هذا الأمر، لأنّ الإمام كان في مرو وقبر معروف في بغداد، وأعتقد بأنّ علة وفاته هي هذه، لكنه لم يمت في الحال، إذ بعد ذلك قد يكون أتى إلى بغداد وطال الأمر إلى حين وصوله إلى بغداد واشتدت عليه تلك الحالة التي حصلت له في مرو ومات في بغداد نتيجة ذلك، يمكن الجمع بهذا النحو. فالسبب الذي كان وراء ارتحال معروف إلى بغداد هو هذه الحادثة، وقد ذهبنا وزرنا قبره في بغداد ومكانه معروف..
والقصّة هي أنه عندما كان يمرّ في مكان رأى سقاءً يبيع الماء، وكان يقول من يأتي ويشتري من هذا الماء أدعو له، وأقول رحم الله من شرب من هذا الماء، فقال له معروف: أعطني قربة منه، فأخذها ودعا له السقاء، فقيل له ألم تكن صائماً يا معروف؟ فقال: بلى، فقيل له: لمَ شربت الماء إذاً؟ قال: هذا الرجل يدعو، وقلت في نفسي دعاؤه أقرب إلى الله.. فلأذهب وأشرب الماء منه ويدعو لي، كان صائماً، وحتماً لم يكن صوماً واجباً، بل مستحباً، لماذا فعل معروف هذا الأمر؟ لأنه لم يكن أسير العمل، لأجل ذلك، هذا العمل هو عمل الموحّد، ألم تروا بعض من يضرّه الوضوء يذهب ويتوضأ عمداً، ويقول لا يمكن الصلاة بدون وضوء، هذا من ذاك، ألم تروا أن بعضهم لديه جرح في المعدة وتقرّح، يقال له الصوم عليك محرّم، فيقول: أريد أن أصوم شهر رمضان، هذا بسبب كونه أسير العمل, الله تعالى قال: الصوم واجب على من كان سالماً، أما من كان مريضاً فلا يجب عليه الصوم، فأنا الذي شرّعت وجوب الصوم، أليس كذلك؟ نعم، لماذا تأتي وتصوم مع وجود النهي؟! فأنا ـ نفس من قال بأنّ الصوم واجب ـ أقول هنا بأنه لا يجب عليك. بل يمكن أن نفرض المسألة أيضاً في رجلين سالمين، لا أنّ أحدهما مريض، فيقول الله تعالى لأحدهما صم وللآخر لا تصم، بل اجلس في شهر رمضان وكل ما شئت، لا اعتراض هنا، فأنا الذي وضعت الصوم وأوجبته، أنت صم وأنت لا تصم. أنا أريد منك هذا الأمر، والمسألة من هذا القبيل. على الإنسان أن لا يتوقّف عند نفس العمل، بل عليه أن يتوقف عند رضا الله تعالى، ماذا يريد الله منّي أفعل، عند ذلك إذا راعى الإنسان هذا الأمر تكون نورانية صلاته مع التيمم أكثر من نورانيتها مع الوضوء، لأنّ النفس في هذه الصلاة تنحّت جانباً، ذهبت الخيالات في هذه الصلاة جانباً، فهو يريد ذلك ويحبّ ذلك، وبما أنه يحبّ ذلك والله طلب منه أمراً آخر ترك ما يحبّ وعمل بما أمره الله، وهذا العمل يكون أثره أكبر، وهنا تكون المراقبة، وهنا تفيد المراقبة, يعني أنّ على الإنسان أن يكون متّبعاً للأوامر بنحو دقيق، دون أن يضيف أو ينقص من نفسه شيئاً، عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة تصير نفسه نفساً مطيعة وتصير كالعجين في يده يجعلها كيفما يشاء، بينما نحن الآن عبارة عن حجر صلب، (شعر: حيران از دلم كه آن سنگ خالص) أي: عجبت من قلبي الذي هو بمثابة الحجر الصلب، فما لم تصر هذه النفس كالعجين والشمع لا يمكن أن يجعل منها مجسمة معينة، يجب أن تكون ناعمة وطرية، ولو كانت قاسية لانكسرت، كيف يمكن أن تصير طرية؟ عندما يكون القلب في رضا الله، وعندما يودع القلب فيه كلّ ما يرضي الله، أن يحصل لديه تسليم، إن قيل له توضّأ! يتوضأ، وإن قيل له لا تتوضأ! لا يتوضأ، صم يصوم، لا تصم لا يصوم، وهنا يوجد الكثير من الأسرار التي ينبغي أن يصل الإنسان إليها ويفهمها جيداً.

    

ذكر المصيبة آلة للوصول إلى الولاية

وعلى أساس ذلك، فالنتيجة هي أنّ هدف هذه المجالس ليس التوقّف عند المصيبة فقط، بل هو عبارة عن الاستفادة الآليّة من هذه المصيبة للوصول إلى الولاية، أن يصل الإنسان إلى الولاية، أما إذا أراد الإنسان أن يدخِل نفسَه في المصيبة ويغرق فيها، فسيبتعد عن الهدف الأساسي، وهذا لا فائدة منه، بل عليه أن يأتي ويفكّر فيما يقال عن سيّد الشهداء، فعند ذلك يتغيّر حاله شاء أم أبى، النفس تتحرّك، كلّ شخص يتحرّك بحسب فضائه الخاصّ به، ويصير قلبه مطمئناً لا تلاطم فيه ولا اضطراب... كنّا في أحد المجالس وتمّت قراءة الشعر والعزاء واللطم، وشعرت في هذا المجلس أنّ الأفضل هو أن يكون اختيار الشعر الذي يقرأ فيه أو العبارات التي تلقى أكثر تعبيراً عن هذه الحالة، فمجلس سيّد الشهداء يحتوي الكثير من الأمور التي ينبغي تسليط الضوء عليها، فلماذا نأسر أنفسنا ونطوّقها بهذه العبارات فقط؟ بل هناك الكثير من المعاني الموجودة في أحداث كربلاء، ففي كلّ مشهد وكلّ مفصل منها درس وتعليم، على الإنسان أن يأتي بهذه المفاصل والمشاهد التي يمكن أن يتعلّم منها، حتّى يخشع قلبه ويتحرّك، ويحلّق إلى ذاك الفضاء.
إنشاء الله يكون مراد الحقير من طرحه لهذه المسائل تسليط الضوء على المسائل والأمور التي أشار إليها الأولياء وتحصيلها في أنفسنا، وأما إطالة العزاء والكلام والإسهاب في ذلك فلا يمكن به أن نحصل على هذه الأمور، بل بالعمل طبق ما أمروا به وبيّنوا لنا من أمور وعلّمونا من أن سيّد الشهداء عبارة عن وسيلة للوصول إلى التوحيد، فمن لنا وسيلة غير سيّد الشهداء؟ فهل بمثل هذه المجالس يصل إلى هذه الأمور؟ لا أعتقد ذلك.. لا أعتقد أنه يصل، فاعتبار سيّد الشهداء وسيلة، لا أن نعتبر سيّد الشهداء شخصاً كان موجوداً منذ ألف وأربعمائة سنة، بل نعتبره شخصاً موجوداً الآن بيننا، ما الذي يريده منّي في تعاملي في المجتمع وفي تعاملي مع الإخوة وتعاملي مع نفسي في الأمور العباديّة وغير العباديّة، وفي المعاملات.. ماذا يريد منّي في المعاملات، ألم يقل الإمام لعمر بن سعد إذا سلب ابن زياد ضياعك ومزارعك فأنا أعوّضك خيراً منها في المدينة؟ هذه معاملة، هذا ظاهر المسألة، ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا إذا شعرنا بضيق في بعض المعاملات ورأينا أنّ في هذه المعاملة إشكال، علينا أن لا نقدم عليها، علينا أن لا نرجّح الدنيا على الآخرة فيها، لكن للأسف في هذه الأيام غلبت الثقافة الماديّة على جميع معاملاتنا، وعلى أفعالنا، والحال أنّ الواجب هو تغيير هذه الثقافة إلى ثقافة عاشورائية ثقافة كربلائية، وهي الثقافة التي يتعرّف فيها على روح ونفس سيّد الشهداء.
اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی