معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات العلامة الطهراني > كتاب رسالة المودة > رسالة المودة – المجلس الثامن: أوّل القرابين: حضرة الزهراء وابنها المحسن عليهما السلام

_______________________________________________________________

هو العليم

رسالة في مودّة ذوي القربى

تفسير آية:
{قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى}

والقربان الأوّل: حضرة الزهراء وابنها المحسن سلام الله عليهما


المجلس الثامن
خلاصة محاضرة يوم الجمعة 7 جمادى الثانية
سنة 1391 هجريّة قمريّة

من مؤلفّات العلاّمة الراحل

آية الله الحاجّ السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكيّة

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف                                          

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم

قال الله الحكيم في كتابه الكريم:
{قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * وَ هُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ * وَ يَسْتَجيبُ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ}.(الآيات الثالثة والعشرون إلى الآية السادسة والعشرين من سورة الشورى السورة الثانية والأربعين من القرآن الكريم).
روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب «قرب الإسناد» بإسناده، عن هارون بن مسلم، قال: حدّثني مسعدة بن صدقة، قال:حدّثني جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام: «لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه و آله:{قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}، قام رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقال: أيّها الناس، إنّ الله تبارك و تعالى قد فرض لي عليكم فرضاً، فهل أنتم مؤدّوه؟ قال: فلم يجبه أحدٌ منهم، فانصرف. فلمّا كان من الغد قام فيهم فقال مثل ذلك، ثمّ قام عنهم.ثمّ قال مثل ذلك في اليوم الثالث، فلم يتكلّم أحد. فقال: أيها الناس، إنّه ليس من ذهبٍ و لا فضّةٍ و لا مطعمٍ و لا مشربٍ. قالوا: فألقه إذن. قال: إنّ الله تبارك و تعالى أنزل علي:{قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}‏ قالوا: أمّا هذه فنعم».
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «فو الله ما وفَّى بها إلاّ سبعة نفرٍ: سلمان وأبو ذر وعمّار والمقداد بن الأسود الكندي وجابر بن عبد الله الأنصاري ومولى لرسول الله صلّى الله عليه وآله يُقال له: الثّبيت وزيد بن أرقم».[1]
وروى أيضاً أحمد بن محمّد بن خالد البرقي في كتاب «المحاسن» بإسناده عن عبد الله بن عجْلان أنّه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏}، قال: «هم الأئمّة الذين لا يأكلون الصدقة، و لا تحلّ لهم».[2]

    

المراد من الحسنة في الآية

ثمّ إنّ الله تعالى يقول: {وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}.[3] وعليه فالمراد من الاقتراف نفس الاكتساب، كما أنّ المراد من الحسنة مايكون مورد قبولٍ عند الله فيستحقّ الثواب عليه. ومن المعلوم أنّ حسن الفعل عبارةٌ عن تناسب ذلك الفعل مع سعادة الإنسان وهدفه الغائي. وفي المقابل فسوء الفعل عبارةٌعن عدم تناسب ذلك الفعل مع كمال الإنسان وتنافيه مع الوصول إلى المقصد.
ولأجل هذا التناسب فُسّرت الحسنة في أخبار الأئمّة عليهم السلام بالولاية؛ وذلك لأنّ معنى الولاية يبتني على أنّ كلّ قولٍ وفعلٍ وخُلقٍ وعلمٍ وشهودٍ وحالةٍ.. فهو في طريق القصد والوصول إلى الكمال الذي هو عين مقام التوحيد، وتخلّي العبد عن جميع مراتب النفس، وبقائها ببقاء الحقّ تعالى. وعلى هذا الأساس فولاية الأئمّة الطاهرين موجبةٌ لحصول هذا الرقي، وهو السير من ذروة البهيميّة إلى أوج الإنسانيّة والوصول إلى أُفق التوحيد وإدراك المعارف الإلهيّة, ولذا فسّرت المحبّة والمودّة والتسليم المحض لأوامرهم بالولاية التي هي عين ولاية الله سبحانه فعلاً وقولاً واعتقاداً.
ومن هنا يمكن في ضوء هذا المعنى تشخيص الحسن والقبح أو الحسنة والسيّئة أو الشقاوة والسعادة. فالحسنة عبارةٌ عن كلّ فعل يقرّب الإنسان إلى مقصوده, والسيّئة عبارةٌ عن كلّ فعلٍ أو قولٍ أو شهودٍ أو حالةٍ تبعد الإنسان عن مقصده الواقعي ومطلوبه الحقيقي.
وقد تقدّم سابقاً أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خطب في مسجد الكوفة بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام, فقال: المراد من اقتراف الحسنة هو مودّتنا أهل البيت.
كما أنّنا نقلنا عن الزمخشري والفخر الرازي أنّهما قالا: لمّا كانت هذه الآية قد وردت عقيب آية المودّة,كانت الحسنة بالنحو الأعلى والأكمل لها ما كان شاملاً لمودّة أهل البيت عليهم السلام.

    

آثار المودّة على الفرد المسلم

والمراد من ازدياد الحسن هو الترقّي والتقدّم في طريق الولاية وتقوية الإيمان وكشف الحجب الظلمانيّة والنورانيّة، فكلّما زادت المودّة زاد بالملازمة أثرها الذي هو عبارة عن انشراح الصدر وسعة الوجود وإدراك المعارف. وحصول هذه الآثار يورد المرء في مرحلة أعلى من المحبّة والمودّة؛ وذلك لتبعيّة المحبّة للمعرفة. وهذه المحبّة الأعلى توجد آثاراً أشدّ في الشخص، فتجعل صدره أكثر رحابةً, وقلبه أشدّ نوراً, وتجعله أكثر تجرّداً من وجود نفسه ومتحققاً أكثر في وجود الحقّ. وظهور هذه الآثار في الإنسان موجبة لتجلّي المحبّة أزيد من درجات المحبّة السابقة.
وبالجملة فكلّ درجةٍ من المحبّة توجد أثراً خاصّاً في الإنسان, وكلّ رتبةٍ من حصول هذه الآثار توجد محبةً أزيد في الإنسان. فالمحبّة والمعرفة يتأثّران ببعضهما البعض، فكلّ من المحبّة وإدراك المعارف والحقائق مؤيّدة ومقوّية للأُخرى، وبذلك تصبح هذه موجبةً لتكامل تلك، وتلك موجبةً لزيادة هذه, حتّى يخرج الإنسان من تمام مراتب الغرور وهوى النفس والاستكبار والأنا والتفويض للذات وسائر الصفات المحدودة المقيّدة, إلى أن يرد إلى حبّ الله وعبادته والتفويض له، والترفّع عن جميع مراتب الوجود والاندكاك في الحقّ والفناء في الأسماء والصفات الحسنى. وهذه الدرجة أكمل من الولاية؛ باعتبار أنّ حصولها مترتّبٌ على حصول الدرجات والمراتب التي ما دونها.
والخلاصة: أنّ حصول الكمالات النفسانيّة متوقّفٌ على طيّ طريق المحبّة والفناء في المحبوب، وهذا ما يمكن أن يحصل بالاقتداء بالنفوس المطهّرة الطاهرة والاتّصال الروحي بأرواحهم, وهذا هو بعينه سرّ لزوم ولاية أهل البيت الطاهرين عليهم السلام.
روى الثعلبي في تفسير هذه الآية عن أُمّ سلمة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال لفاطمة عليها السلام: «إيتني بزوجك وابنيك! فأتت بهم، فألقى عليهم كساءً، ثمّ رفع يده عليهم, فقال: اللهمّ هؤلاء آل محمّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد؛ فإنّك حميدٌ مجيدٌ. قالت أُمّ سلمة: فرفعت الكساء؛ لأدخل بينهم, فاجتذبه وقال: إنّك على خيرٍ».[4]
وقال تعالى في تتمّة الآيات: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}.

    

خطورة الموقف آنذاك ودور المنافقين فيه

كان لنزول آية المودّة ـ التي عملت في الحقيقة على إرجاع الناس إلى أهل بيت الرسالة بصلابة وجدٍّ، فجعلت هذه المودّة عبارةً أخرى عن أجر الرسالة، والمتخلّف عنها ناقضٌ لعهد رسول الله وممتنعٌ عن أداء حقّه ـ وقع كبير على الكثير من المنافقين وقساة القلوب.
فأُولئك الأفراد الذين لم يتنازلوا عن آرائهم الشخصيّة وأهوائهم النفسيّة، ولم يمتنعوا عن إبراز طبيعتهم ورأيهم قبال رسول الله وأوامر الله سبحانه، وكانوا يتوقّعون في كثير من الأمور أن يأخذ النبي بآرائهم ويتّبع نهجهم وطريقهم.. لم يستطيعوا أن يوطّنوا أنفسهم أبداً بأن يطيعوا وينقادوا لمن نصبه الرسول بعد رحيله, ولم يتمكّنوا من جعل أفكارهم مندكّةً في رأي وأمر ذاك الوصيّ، وأن يسلّموا له ويرجعوا في أُمورهم إليه،فيجعلوه المحامي عنهم ليحلّ مشاكلهم، ويلجؤوا إليه من كلّ مشقّةٍ وضررٍ.
ولذلك بعدما نزلت آية المودّة، قالوا بأنّ محمداً افترى على ربّه،وهو الذي فرض علينا وجوب المودّة لأهل بيته.
روى في الكافي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في ضمن تفسير قوله تعالى : {وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أنّه قال: «فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعضٍ: أما يكفي محمّداً أن يكون قهرنا عشرين سنةً حتّى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا. ولئن قُتل محمّدٌ أو مات لننزعنّها من أهل بيته، لا نعيدها فيهم أبداً».[5]
وفي هذه الأثناء أعلم الله عز وجلّ نبيه صلّى الله عليه و آلهبما انطوى عليه المنافقون وقالوه في نجواهم وأنّهم يقولون: إنّ محمّداً قد افترى الكذب على الله سبحانه, فقال: يا محمّد! هذه الآية نزلت من الله، وهو الذي أمرك أن تتلوها على الناس وتبيّن فضائل ومناقب أهل البيت، وتدعو الناس إلى محبّتهم ومودّتهم, فهذا الأمر لم يكن منك، وليس بيدك, فلو شاء الله لختم على قلبك، فلا ينزل عليك الوحي، ولا تشاهد الأنوار الملكوتيّة, ولا تستطيع الاتّصال بحقيقة عالم الغيب وسماع كلام جبرائيل الأمين. ولو شاء الله لحجب قلبك عن إدراك الحقائق، وكفّ لسانك عن فضائل أهل البيت، وسدّ عليك طريق الوحي حتّى لا يتكلّم أحد بعد عن لزوم محبتّهم ومودّتهم، ولكنّ الله قد شاء هذا الأمر.
واعلم: أنّ الله يمحو ويمحق الباطل, ويبدّل حركته سكوناً وحرارته برداً وجموداً, ويثبّت الحقّ ويجعله حيّاً مؤثّراً دائماً، فحافظ على الكلمات الإلهيّة التي هي عبارة عن الوجود المقدّس والذوات الطاهرة للمعصومين حيّة وقيّمة ومؤثّرةً إلى الأبد.

    

حول شأن نزول الآية الكريمة

روى في «الكافي» عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «يقول: لو شئت حبست عنك الوحي، فلم تكلّم بفضل أهل بيتك ولا بمودّتهم، وقد قال الله عزّ و جلّ:{وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ} يقول: الحق لأهل بيتك الولاية {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}. يقول: بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك و الظلم بعدك».[6]
وأورد القمّي في تفسيره عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «جاءت الأنصار إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقالوا: إنّا قد آوينا و نصرنا، فخذ طائفةً من أموالنا، استعن بها على ما نابك. فأنزل الله: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} يعني: على النبوّة {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏} أي: في أهل بيته».
ثمّ قال: «ألا ترى أنّ الرجل يكون له صديقٌ، و في [نفس‏] ذلك [الرجل‏] شيءٌ على أهل بيته، فلم يُسلّم صدره، فأراد الله أن لا يكون في نفس رسول الله صلّى الله عليه و آله شيءٌ على أُمّته، ففرض عليهم المودّة [في القربى‏]. فإن أخذوا أخذوا مفروضاً، و إن تركوا تركوا مفروضاً».
قال: «فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا، فقال: قاتلوا عن أهل بيتي [من بعدي‏]. وقالت طائفةٌ: ما قال هذا رسول الله وجحدوه، وقالوا كما حكى الله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً}. فقال الله: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ قَلْبِكَ} قال: لو افتريت {وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ} يعني: يبطله {وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ} يعني: بالأئمّة والقائم من آل محمّد صلوات الله عليهم».[7]
وفي رواية أوردها ابن بابويه أنّ الرضا عليه السلام حضر مجلس المأمون بمرو، وذكر عليه السلام آيات الاصطفاء ـ وهي اثنتا عشرة ـ فذكر عليه السلام رواية عن آبائه عن سيّد الشهداء عليهم السلام: أنّ المهاجرين والأنصار جاؤوا عند رسول الله وقالوا: هذه أموالنا ودماؤنا، فاحكم فيها مأجوراً: أعط منها ما شئت من غير حرجٍ. فنزلت آية المودّة في هذا الحال. وعندماخرج الصحابة من عنده, قال المنافقون: ما حمل رسول الله صلّى الله عليه وآله على ترك ما عرضنا عليه إلاّ ليحثّنا على قرابته من بعده. إن هو إلاّ شيءٌ افتراه في مجلسه. وكان ذلك من قولهم عظيماً، فأنزل الله عزّ و جلّ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً... }. فبعث إليهم النبي... وتلا عليهم آية الافتراء هذه. فبكوا واشتدّ بكاؤهم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَ هُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ}[8].
وقد روى هذه الرواية أيضاً في تفسير «الصافي» عن «عيون أخبار الرضا» عن سيّد الشهداء عليه السلام.[9]
ثمّ قال الله سبحانه: {وَ يَسْتَجيبُ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَديد}.[10]
يعني: أنّ الله بشّر كلّ من رضي بهذا الحكم وأدخل مودّة أهل البيت في قلبه وروحه, فهؤلاء هم من أحضر الإيمان الواقعي لله سبحانه, وهم الذين يُفيض الله عليهم بشكل دائم من فضله ورحمته؛ وذلك بواسطة عملهم الصالح وانقيادهم لأوامر الله وتبعيّتهم لمقام ولاية أهل البيت، وقد أدخل الله عليهم السرور أكثر مما يستحقّون من كأس محبّتهم وولايتهم لأهل البيت. فالله رضي عنهم وأعطى الجواب الثابت لندائهم وإيمانهم، وكان يستجيب دعاءهم ويقضي حوائجهم. وأمّا أُولئك الذين وقفوا قبال الحقّ ولم يكونوا مستعدّين للتسليم بها في ظلّ هذه التصريحات.. فعذابهم سيكون شديداً ومؤلماً جدّاً.
وفي مجمع البيان عن ابن عبّاس روى ذيل هذه الآية الشريفة أنّ النبي أرسل في طلب تلك الجماعة وبشّرهم وقال: {وَيَسْتَجيبُ الَّذينَ آمَنُوا} وهم الذين سلّموا لقوله.[11]
كما روى أيضاً في «مجمع البيان» عن الرسول الأكرم أنّه قال في شأن قوله تعالى: {وَ يَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} قال: «الشفاعة لمن وجب له النار ممّن أحسن إليهم في الدنيا».[12]
إنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام صريحةٌ في أنّ هذه الآيات الأربع ـ أي: آية المودّة والآيات الثلاث التالية لها ـ قد نزلت في حقّ أهل البيت عليهم السلام. وقد ذكرنا بعض تلك الروايات في كلامنا عن تفسير هذه الآيات المباركة، والتي نقلت عن الرسول الأكرم وأمير المؤمنين وعن الإمام الحسن والإمام الحسين والإمام السجّاد والإمام الباقر والإمام الصادق والإمام عليّ بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
كما نقلنا أيضاً روايات كثيرة في تفسير آية المودّة عن أئمة أهل السنّة: كالثعلبي والبغوي والكشّاف والفخر الرازي ومحيي الدين ابن عربي، عن صحاحهم ومسانيدهم ومجامعهم الحديثيّة: كالصواعق المحرقة التي نقلها عن الطبراني والبزار وكمستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل وصحيحي البخاري ومسلم, إلى الحدّ الذي صار مقطوعاً ومتيّقناً أنّ المراد من القربى هم آل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, فجعل الله سبحانه وتعالى مودّتهم فرضاً واجباً تحت عنوان أداء أجر الرسالة التي تعّد من أوجب الواجبات على المسلمين تجاه النبي صلّى الله عليه وآله.
وهذه المنزلة العالية والمقام السامي إنّما أعطاهم الله إيّاه بسبب طهارة جميع مراتب وجودهم، وعلى أساس سعة روحهم والأسرار الإلهيّة التي قد أُودعت فيهم، وبذلك جعلهم خلفاء خاتم المراتب على هذه الأرض. فهؤلاء خلفاء الله على وجه الأرض وأولياؤه في البسط والقبض, وهم الحجج البالغة وأمناء الرسول الأكرم وسفراء الوحي في أمره ونهيه، وعلى أساس هذا المعنى كان مُحبّهم مُحبّاً لله ومُبغضهم مُبغضاً لله أيضاً.
قال الفرزدق:
من معشر حبّهم دينٌ وبغضهم
                             كفرٌ وقربهم منجى ومعتصم‏


إن عدّ أهل التقى كانوا أئمّتهم
                             أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم[13]

    

نقد الإشكالات الواردة في أهل البيت عليهم السلام

ولكنّ المعاندين لأهل البيت حاولوا إطفاء نورهم وستر فضائلهم بكلّ ما أُوتوا من قوّةٍ, كما قاموا بتحريف الروايات الواردة عن رسول الله الواردة في مناقبهم، وأوّلوا الآيات النازلة في حقّهم وفسّروها على خلاف معناها. لكنّهم غفلوا عن قوله تعالى: {إِنّ َاللَّهَ بالِغُ أَمْرِه}[14] ‏وقوله تعالى: {وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى ‏أَمْرِه}.[15]
فقد لاحظنا مثلاً أنّ بعضهم فسّر الآية قائلاً: أيّها النبي! قل إنّني لا أُريد منكم أجر الرسالة إلاّ أن تحفظوا مودّتي ووصلتي معكم بسبب القربى التي بيننا.
لكننّا بحثنا آنفاً في الروايات الواردة في هذا الموضوع وتقدّم الجواب عن هذا الكلام, وبما أنّنا ذكرنا الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة من طرق الشيعة والسنّة بشكلٍ مفصّلٍ، فلنختصر الجواب هنا في ضمن نقاطٍ:
الأولى: قيل بأنّ آية المودّة نزلت في المدينة, كما نقلنا ذلك فيما سبق عن تفسير الثعلبي والبغوي وغيرهم, ومع أنّ مشركي قريش الذين كانوا أرحام رسول الله لم يكونوا في المدينة ليقول لهم النبي: بما أنّكم لم تُؤمنوا بي، فلا أقلّ راعوا القربى والمودّة فيما بيننا, ولا تؤذوني, بل تودّدوا إليّ.
الثانية: أنّ سبب نزول هذه الآية ـ كما تقدّم سابقاً ـ هو أنّ الأنصار عرضوا أموالهم على رسول الله, أو أنّهم تفاخروا على بني هاشم، فأنزل الله هذه الآية بأنّ رسول الله لا يحتاج إلى أموالكم, بل عليكم أن تودّوا قرابة هذا النبي. وعليه فالخطاب كان موجهّاً إلى الأنصار أو الأنصار والمهاجرين، لا إلى كفّار قريش.
الثالثة: أنّ من الخطأ أن يكون الخطاب موجّهاً لمشركي قريش؛ لأنّ من القبيح أن يطلب الحكيم الأُجرة ممّن لم يكن قد عمل لأجله شيئاً، بل طلب أجر الرسالة من المشركين الذين لم يؤمنوا بعد ـ بل وصلوا إلى أشدّ ما يمكن عليه من إنكار النبي وتكذيبه ـ ليس له أيّ أساس من الصحّة. وطلب الأُجرة إنّما يكون صحيحاً فيما إذا كان من الأشخاص الذين آمنوا وانتفعوا من مزايا الإسلام والإيمان به, فعند ذلك يُقال لهم: أعطوا الأُجرة.. والأجرة هي المودّة لذوي القربى.
الرابعة: أنّ هذا القول مخالفٌ للكثير من النصوص التي وردت في شأن نزول هذه الآية، والتي تشير إلى أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والسيّدة فاطمة والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام. وقد ذكرنا هذه النصوص في طيّات البحوث السابقة.
الخامسة: أنّ هذا القول من كلام عكرمة، وذلك أنّ مجموعة من عمّال بني أُميّة ووضّاعي حديثهم من أعداء أهل البيت قد اقتدوا به في ذلك، مع أنّه لا مجال للترديد في عداوة وخصومة عكرمة ومقاتل بن سليمان لأهل البيت، فضلاً عن بغضهم وعداوتهم لأمير المؤمنين؛ ذلك أنّ عكرمة كان من الخوارج ومن المنتمين طائفة الحروريّة والأباضيّة؛ وقد سافر إلى مصر، ومن هناك رحل إلى بلاد المغرب, وقام بدعوتهم إلى بغض أمير المؤمنين. وانتشار الخوارج في المغرب إنّما كان بسبب الدعوات السيّئة لعكرمة. علاوة على أنّه قد كان رجلاً كذّاباً وضاعاً تاركاً للصلاة، وكان يميل للغناء. كان عكرمة يضع الأحاديث بنفسه وينسبها إلى عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن مسعود, حتّى أنّ علي بن عبد الله بن عبّاس وعلي بن عبد الله بن مسعود قاموا بتنبيهه وتعزيره بسبب الأكاذيب التي نسبها إلى آبائهما. كما نقل المرحوم السيّد شرف الدين عن كتاب «ميزان الاعتدال» للذهبي الكثير من فضائحه وفضائح مقاتل.[16]
أمّا الخبر الذي ورد في صحيح البخاري ونُسب هذا القول إلى ابن عبّاس فقد ورد عن طريق محمّد بن بشّار عن محمّد بن جعفر, ومع أنّ من المتّفق عليه بين الإماميّة ضعف هذين الراويين, بل ورد في «ميزان الاعتدال» أنّ يحيى بن معين صرّح بضعف محمّد بن بشّار، وعدّه فلاّساً من الكذّابين.
وعلى كلّ حالٍ لم يُنقل عن ابن عبّاس حديث صحيح في تفسير آية المودّة غير تفسيرها بذوي القربى وأهل بيت رسول الله, وما ورد عنه بأسناد صحيحةٍ هو تفسير ذوي القربى بعلي بن أبي طالب وفاطمة وابنيهما, كما فسّر الحسنة في الآية الشريفة بمودّتهم[17].
وبالرجوع إلى آية المودّة يُلاحظ أنهّ قد اعترض بعض أهل السنّة باعتراضين آخرين:
الأوّل: إذا كان المراد من القربى هم أهل بيت رسول الله, للزم القول:(إِلاَّ الْمَوَدَّةَ للْقُرْبى), أو القول: (إِلاَّ مَوَدَّةَ الْقُرْبى) ؛ أي: مودّة ذوي أقربائي أو المودّة المتعلّقة بذوي قرابتي، مع أنّ ما ورد في الآية هو {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} يعني: المودّة في حقّ القربى والرحم.
وقد أوردنا الجواب عن هذا الإشكال في أوائل البحث، ونقلنا عن الزمخشري في الكشّاف ـ والذي يعد أُستاذاً في البلاغة ـ بأنّ لفظة (في) بمعنى الظرفيّة, وهذه اللفظة من وجهة نظر بلاغيّة وأدبيّة تحتوي على معان رفيعةٍ وعاليةٍ، بحيث لا يمكن أن تصل إلى تلك المعاني لفظة (لام) الاختصاص أو بإضافة كلمة مودّة إلى القربى.
فـ {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} تفيد بأنّ تلك النفوس القدسيّة هي ظرفٌ ووعاء للمحبّة، وأنّها يجب أن تكون موضعاً وموقعاً للمحبّة والمودّة, وعلى الأُمّة أن تعلّق محبّتها فيهم وأن تجعلهم محلاً لمحبّتهم. والحق أنّ الزمخشري بيّن هنا نكتةً دقيقةً في غاية اللطف تعكس تضلّعه وتبحّره في علم البلاغة.

    

بحث علمي حول السور المكّيّة والمدنيّة

الثاني: أنّ هذه الآية من سورة الشورى، وسورة الشورى إنّي نزلت في مكّة المعظّمة، ومن المعلوم أنّ الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام ولدا في المدينة المنوّرة, فلا يمكن أن تكون مودّتهم هي المقصودة من هذه الآية.[18]
والجواب: أنّ هذه الآية وما بعدها إلى آخر ثلاث آيات مدنيّة قطعاً بحكم الأخبار المتظافرة من طريق العترة الطاهرة، وقد روى ذلك صاحب مجمع البيان عن ابن عبّاس وقتادة، ويدل عليه ما سمعته قريباً عن أبي حمزة الثمالي وتفسيري الثعلبي والبغوي يفيد بشكل قطعي أنّها قد نزلت في المدينة، ولا سيّما الأخبار الكثيرة بطرقها المختلفة التي تبيّن أنّ شأن نزول هذه الآية هو حضور الأنصار عند الرسول وعرضهم أموالهم أمامه، وهذاأصدق شاهد ودليل على كون هذه الآية مدنية؛ إذا كان الأنصار أو المهاجرون والأنصار هم المخاطبين بهذه الآية, ومع أنّه لم يكن في مكّة المعظّمة قبل الهجرة أحدٌ من الأنصار.
فلا منافاة في أن تكون سورة الشورى قد نزلت في مكّة, ولكن أُدرجت فيها هذه الآيات الأربع التي نزلت في المدينة؛ ولوضوح أنّ جمع القرآن الكريم وتدوينه لم يكن على ترتيب نزول الآيات, ولا خلاف بين الشيعة والسنّة في هذه المسألة. فكم من السور المكيّة التي تحتوي على آيات قد نزلت في المدينة، وكم من السور المدنيّة التي فيها آيات مكيّة أيضاً.
إنّ أغلب السور الموجودة في أواخر القرآن المجيد مكيّة، بينما أغلب السور الموجودة في أوائل القرآن مدنيّة. وبناءً على ذلك فإذا كان جمع القرآن وتدوينه على أساس ترتيب النزول, فلا بدّ أن تُجعل سور آخر القرآن في أوّله، وأن تدرج سورة العلق ـ التي هي أول ما نزل على رسول الله ـ في أوّل القرآن, وأن تُدرج سورة براءة ـ بناءً على نقل البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة, و على رواية مسلم عن بندار عن غندر عن شعبة من أنّها كانت آخر سورة نزلت على رسول الله ـ في آخر القرآن، أو أن تُجعل سورة المائدة ـ التي هي بناءً على روايات أهل البيت آخر سورة نزلت على الرسول الأكرم ـ في آخر القرآن.
ومن يريد الوصول إلى حقيقة هذا الموضوع, فليرجع إلى بحث أوائل السور في تفسير مجمع البيان وتفسير الطبري والرازي والكشّاف، أو إلى أوائل السور من قسم تفسير كتاب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري؛ ليعلم أنّه لا مجال لأيّ خلاف أوترديد في هذا المعنى بين كبار المتقدّمين والمتأخّرين.
وبناءً على هذا ومع ملاحظة أنّ هناك آيات مدنيّة وردت في بعض السور المكّيّة وبالعكس, وأنّ وصف السور بأنّها مكّيّة أو مدنيّة تابع لكون أكثر الآيات كذلك، لا جميعها. فما هو المُستبعد في أن تكون سورة الشورى سورةً مكّيّةً، ولكن جُعل ضمن آياتها المكّيّة تلك الآيات الأربع التي نزلت في المدينة المنوّرة على رسول الله والنازلة في شأن مودّة أهل البيت.
وبعد هذا الوضوح لنا أن نسأل: بأيّ وجه يستطيع المعترضون أن يردّوا هذه الأخبار المتظافرة ـ بل المتواترة ـ التي رُويت عن رسول الله في تفسير هذه الآية بمودّة أهل البيت, وأن يصرفوا هذه الآية عنهم لمجرّد كون سورة الشورى مكّيّةً؟ ومن الذي قد أوحى إليهم بأنّ هذه السورة ليست كأغلب السور المكّيّة الموصوفة بكونها مكّيّةً باعتبار أغلب آياتها؟ {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى‏}.
وعلى فرض أنّنا صرفنا النظر عن كلّ هذه المطالب وقلنا بأنّ آية المودّة قد نزلت في مكّة, فما هو المانع من شمولها للحسنين عليهما السلام, حتّى لو كانا قد ولدا فيما بعد في المدينة؛ وذلك لأنّ مودّة ذوي القربي غير منحصرةٍ في خصوص الأفراد الذين كانوا في زمان نزول الآية, بل الآية تشمل كلّ فردٍ ينطبق عليه هذا العنوان.
وعليه يكون مصداق آية المودّة عندما كان رسول الله في مكّة هو أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء عليهما السلام، ثم أُضيف إليه الحسنان عليهما السلام في المدينة المنوّرة، ليكون كلّ واحد من الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام مصداقاً لهذا العنوان فيما بعد. ومن لديه اطّلاع بلغة القرآن يعلم بأنّ مطالب القرآن كّليّة, وأيّ مصداق من هذا الكلّي يتحقق في الخارج, كان هذا الكلّي منطبقاً عليه. فقد قرأ رسول الله في مكّة المكرّمة على الأُمّة وجوب مودّة ذوي القربى من قبل الله سبحانه وتعالى: سواء ذوُ القربى الموجودون فعلاً ومن سيأتي فيما بعد، نظير قوله تعالى: {يُوصيكُمُ اللَّهُ في‏ أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن}[19]. فهذه الآية غير مختصّة بالأبناء والبنات الموجودين في زمان نزول الآية فقط, بل تشمل كل الأبناء والبنات ممّن سيولد بعد قرونٍ عدّةٍ من نزول الآية.
فما الفارق بين هذه الآية وآية المودّة، مع أنّ كليهما على السياق نفسه وعندما يتحقّق موضوعه انطبق ذلك الحكم عليه؟
وأمّا الروايات التي نُقلت عن رسول الله التي فسّرت المودّة في القربى بمودّة الحسنين عليهما السلام, فقد يكون هذا البيان من رسول الله بعد ولادتهم في المدينة, أو قد يكون النبي قد فسّر هذه الآية في مكّة قبل ولادتهم, وذلك من طريق علم الغيب الذي كان من علامات النبوّة، فيكون قد أخبر بأنّ ولادتهما ستحصل في المدينة وأوجب مودّتهم وهو في مكّة.

    

طرف من إخبار النبي الأكرم بالغيب

فكم من الإخبارات التي حدّث بها الرسول كانت من علم الغيب، والتي كان يُطلع فيها الأُمّة على الحوادث المستقبليّة, والتي حدثت فعلاً: من قبيل قوله: (خلفائي اثنا عشر شخصاً)، وإخباره عن حادثة الجمل ونبح كلاب الحوأب. وإخباره بمقتل عمّار بن ياسر واستشهاده على يد الفئة الباغية، وإخباره بالناكثين والقاسطين والمارقين, وهي الفرق الثلاث التي خرجت بعد رسول الله على أمير المؤمنين: فئة نقضت العهد وقامت بحرب الجمل, وفئة انحرفت عن الحقّ وقامت ظلماً وعدواناً بحرب صفّين, وفئة خرجت من الدّين كما يخرج السهم من قوسه ـ التي سمّيت باسم الخوارج ـ وقامت بحرب النهروان.[20]
وكذا إخبارات الرسول الأكرم بالحقد والحسد والبغض تجاه أمير المؤمنين بعد وفاته، وإخباره بأنّ أشقى الآخرين سيضرب عليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين عليه السلام على هامة رأسه، وبأنّ شيبة لحيته المباركة ستخضب من دم رأسه, وإخباره عن حال ابنته وفلذة كبده بأنّها ستكون أوّل اللاّحقين به بعد وفاته. وإخباره عن الشدائد والمصائب التي ستلحق الإمام الحسن وعن سمّه, وإخباره عن مصائب سيّد الشهداء في أرض كربلاء، وما سيلحق أهل بيته من بلاء وقتل وأسر وعطش, وإخباره عن استلام حكّام الجور الحكم على الناس بعده, وإخباره عن فضائع بني أُميّة وبني مروان، وأنّهم سيحكمون الناس مدّة ألف شهر, وإخباره عن أعمال بني العبّاس وملكهم, وعن فتنة نجد وطلوع قرن الشيطان منها.
بالإضافة إلى مئات الأخبار الغيبيّة الأُخرى التي بيّنها رسول الله، واتّضح فيما بعد صحّتها, الواحدة تلو الأخرى كاتّضاح طلوع الصبح.
وعليه فالله سبحانه الذي منح علمه الأزلي بحقائق هذه الأُمور وهذه الأحداث لرسوله الكريم وكشف له عنها..لم يكن في علمه قصور أو جهل بأنّ الحسنين عليهما السلام سيولدان في المدينة، وأن يُطلع رسوله بذلك ويوجب مودّتهم على أُمّته في مكّة، وبما أنّ مقامهم ومنزلتهم كبيرة عنده فقد فرض هذا الأمر المهمّ على الأُمّة, كما أنّه لأجل شرف ومنزلة رسول الله أطلع الله سبحانه آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين بظهوره وألهمهم جلالة قدر وعظم شأنه, حتّى آمنوا به وكانوا خاضعين وخاشعين أمام مقام فضله وشرفه.[21]
والحاصل أنّه مع وجود هذه الأخبار المتواترة التي وصلت إلينا والآمرة بمودّة علي بن أبي طالب وفاطمة والحسنين عليهم السلام والأخبار المتواترة الوردة في العترة والتي دلّت على أنّهم أحد الثقلين العظيمين لا تكون هذه الإشكالات إلاّ إنكاراً للحقّ وإصراراً على الجهل وإبرازاً لسوء النيّة وخبث السريرة.
{فَمَنْ حَاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبين}.[22]

    

آخر الدواء الكي

نعم, هنا تصل النوبة إلى المباهلة؛ لأنّ المنطق والكلام الحقّ والاستدلال والبيّنة إنّما يكون مفيداً ومؤثّرّاً لمن يكون مستعدّاً لتلقّي الحقّ وقبوله وإدراك الواقع, أمّا الذين كلّما تبيّن لهم الحقّ أكثر ازداد إصرارهم وإنكارهم .. فما الفائدة من محاورتهم؟
روى محمّد بن يعقوب الكليني, بإسناده عن أبي مسروق، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: قلت: إنّا نكلّم الناس, فنحتجّ عليهم بقول الله عزّ و جلّ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، فيقولون: نزلت في أمراء السرايا. فنحتج عليهم بقوله عز و جل: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ} إلى آخر الآية، فيقولون: نزلت في المؤمنين. و نحتجّ عليهم بقول الله عزّ و جلّ: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}‏، فيقولون: نزلت في قربى المسلمين. قال: فلم أدع شيئاً ممّا حضرني ذكره من هذا و شبهه إلاّ ذكرته. فقال لي: «إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة».
قلت: وكيف أصنع؟ قال: «أصلح نفسك ثلاثاً» و أظنّه قال: «و صم و اغتسل و ابرز أنت و هو إلى الجبّان، فشبّك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، ثمّ أنصفه، و أبدأ بنفسك، و قل: اللهمّ ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، إن كان أبو مسروق جحد حقّاً و ادّعى باطلاً, فأنزل عليه حسباناً من السماء و عذاباً أليماً. ثم رد الدعوة عليه، فقل: و إن كان فلان جحد حقاً و ادعى باطلاً، فأنزل عليه حسباناً من السماء و عذاباً أليماً». [ثم‏] قال لي: «فإنّك لا تلبث أن ترى ذلك [فيه‏]». فوالله ما وجدت خلقاً يجيبني إليه.[23]
أجل, عندما لا يكون الطرف المقابل مستعّداً لسماع أيّ نحو من الكلام الحقّ ولا لإدراك الحقّ بشكل جيّد، أو لا يكون مستعداً للتسليم بالحقّ واتّباعه بعد معرفته, بل يريد بأيّ وسيلة ممكنة أن يفرّ عن تحمّل أعباء الحقّ، ويطرح كلامه طبقاً لخيالاته الباطلة ونفسه الأمّارة.. فلا علاج لمثل هؤلاء إلاّ بالمباهلة.

    

دعوى نسخ الآية والجواب عنها

ومن الغريب ما نُقل عن بعض منكري ولاية الأئمّة الطاهرين من قولهم: إنّ آية المودّة منسوخةٌ بما نزل في سورة سبأ: {قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم} [24].
وهذا القول غريب جدّاً؛ وذلك لأنّ الكلّ يقول بأنّ وجوب المودّة بأيّ معنى كان باقٍ إلى يوم القيامة، وهذا من أحكام الإسلام الضروريّة, وعليه فما معنى النسخ في هذه الحالة؟
مع أنّه لا يوجد تنافٍ بين هاتين الآيتين حتّى تكون الأُولى منسوخةً بالثانية؛ لأنّ آية المودّة تقول: قل : لا أُريد أيّ أجرٍ على الرسالة غير مودّة ذوي القربى، بينما الآية الواردة في سورة سبأ تقول: ذاك الأجر الذي أردته منكم في سورة الشورى كأجر للرسالة ـ وهو أني أوجبت عليكم مودّة أهل البيت ـ ستعود منافعه عليكم وستصل فوائده إليكم.
كلّ ذلك لأنّهم حجج الله البالغة فيما بينكم والنعم التامّة الكاملة التي قد نعّمكم الله بها. فهم أمان الله على الأرض، وهم بمثابة باب بني إسرائيل الذي قد كان سبب غفران الذنوب، ومثلهم كمثل سفينة نوح ، فمن ركبها لم يُدركه الغرق. ومثلهم كمثل القرآن الكريم الموجب لرشدكم وترقّيكم.
وعليه فالفائدة من مودّتهم سترجع إليكم أنفسكم. فكيف يمكن أن تكون الآية الثانية ناسخةً للآية الأُولى؟ إذ الآية الثانية ناظرةٌ إلى الآية الأولى ومُثبتة لها, وهي تبيّن أنّ الأجر الذي أراده النبي يعود بالمنفعة عليكم.
وعلى كلّ حال فكلّ من يضع هاتين الآيتين: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} و {قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم} أمامه, لن يرى أيّ تنافٍ بين مدلول الآيتين أبداً, بل سيجد الآية الثانية مؤكدّةً ومثبّتة لمفهوم الآية الأُولى. وكم هو لطيف ما ذكره في «تفسير بيان السعادة» في ذيل آية المودّة, حيث يقول:
الاستثناء متّصلٌ, والمودّة في القربى و إن كانت نافعةً لهم و تكميلاً لنفوسهم و لكن باستكمالهم ينتفع النبي صلّى الله عليه وآله؛ لكونهم أجزاءً له وسعةً لوجوده. فقوله تعالى: {قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} إشارةٌ إلى كلا الانتفاعين؛ حيث جعله أجراً له من حيث انتفاعه بمودّتهم لاستكمالهم بها، وسعته صلّى الله عليه وآله باستكمالهم‏.[25]
وعلى كلّ حالٍ فمن المعلوم أنّ إصرار بعض أهل السنّة إلى هذا الحّد إنّما هو لأجل صرف أذهان العامّة عن معنى مودّة ذوي القربى، وما تأويلهم الآية الشريفة إلاّ من أجل تحسين صورة أسلافهم بسبب القساوة والجفاء الذي مارسوه، ويريدون بهذه التكلّفات والتعسّفات العجيبة أن يُنكروا وجوب مودّة ذوي القربى, حتّى يرمّموا انحرافاتهم على الأقلّ ويحملوا أفعالهم على الصحّة وعلى أنهّ اجتهاد, غافلين عن وجوب المودّة، وصارفين النظر عن أنّ آية المودّة والأخبار المتواترة ـ التي وردت عن رسول الله في وقائع مختلفة ـ هي من الأحكام المسلّمة ومن ضروريّات الإسلام, وأنّ الجهود والتمحّلات التي ارتُكبت لا يُمكن لها أن تُخفي وجه الحقّ.
ولكن إذا أعمل الإنسان نظره بإنصاف في أفعال الصحابة، وقاس تصرّفاتهم على أساس كتاب الله وسنّة رسوله، ومّيز الحسن من القبيح منها دون الإغماض عنها, لكان ذلك أفضل بكثير من حمل أفعالهم على الصحّة كيفما كان، وأن ينسب الرجل إلى العصمة وعدم الذنب لمجرّد أن يصدق عليه صحبة رسول الله.
ففي الصورة الأُولى يتجلّى الإسلام الحقيقي بصورته الواقعيّة على الإنسان؛ لأنّ الإسلام عبارة عن روح النبي وأقواله وأفعاله والوحي المنزل إليه من جانب الحقّ تعالى, لا أنّ الإسلام كتاب الله وسنّة رسوله بالإضافة إلى سنن وآداب الخلفاء اللاّحقين.
أمّا في الصورة الثانية فقد اختفى الإسلام تحت أُفق التصوّرات الظلمانيّة؛ حيث عملت مجموعة من أفكار وآراء أشخاص باسم الصحابة على تكوين برنامج حياة الإنسان. ومن المعلوم أنّ اتبّاع هذه الأفكار والآراء لا يختلف في حدّ نفسه عن تبعيّة أفكار وآراء عبدة الأصنام والنجوم أو عبدة العجل؛ وذلك لأنّه عندما يتجاوز الحاكم في أُمور الإنسان المادّيّة والمعنويّة الله ورسوله.. فعند ذلك أيّ فرق بين أن يكون الحاكم صحابة رسول الله أو رؤساء المشركين وعبدة الأصنام؟!

    

طرف من مصائب أهل البيت وظلامة فاطمة الزهراء

وفي الرواية عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال: «بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ التفت إليّ فبكى. فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي من ضربتك على القرن, ولطم فاطمة خدّها, وطعن الحسن في فخذه والسمّ الذي يُسقاه, وقتل الحسين».[26]
لم يتمّ في هذه الرواية بيان شيءٍ عن كيفيّة استشهاد فاطمة عليها السلام، ولا عن كيفيّة ضربة أمير المؤمنين أو عن ضرب الحسن المجتبى على فخذه وشقّها وسمّه، ولا عن كيفيّة استشهاد سيّد الشهداء عليه السلام.
وفي دلائل الإمامة عندما رجع رسول أبي بكر قادماً من أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر وقال له بأنّ عليّاً امتنع عن المجيء والبيعة, أصرّ عمر على أبي بكر بأن يرسل غلامه قنفذ ـ الذي كان غلام أبي بكر ومن أولاد بني كعب بن عديّ ومن طُلقاء مكّة ـ لإحضار أمير المؤمنين. فأرسل أبو بكر قنفذ مع جماعة إلى منزل فاطمة حتّى يحضروا أمير المؤمنين.
ولّما لم يؤذن لهم في الدخول إلى المنزل, رجع القوم إلاّ قنفذ, بقي واقفا ًبالباب ولم يرجع. وعندما سمع عمر بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يأذن لهم في الدخول امتلأ غضباً، وأسرع مع جماعة، وأمر بإحضار مقدار من الحطب, ووضعها أمام الباب، ثم أخذ يصيح بصوت عال يسمعه أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام ويقول: يا علي، اخرج للبيعة! وإِنْ لَمْ تخْرُجْ جِئْتُ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ وَأَضْرَمْتُهَا نَاراً عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ.
فَصرخت فَاطِمَةُ: مَا تَشَاءُ يَاعُمَرُ ؟! فقال عمر: لن نذهب حتّى تفتحوا لنا باب المنزل. وعندما رأى أنّ أحداً لم يستجب له بفتح باب المنزل قام بإضرام النار فيه.
فَضَرَبَتْ فَاطِمَةُ يَدَيْهَا مِنَ الْبَابِ تَمْنَعُنه مِنْ فَتْحِهِ, فَرُمْتُهُ فَتَصَعَّب َعَلَيه, فَضَرَب كَفَّيْهَا بِالسَّوْطِ فَأَلَّمَهَا. يقول عمر: فَسَمِعْت لَهَا زَفِيراً وَبُكَاءً، فَكِدْتُ أَنْ أَلِينَ وَأَنْقَلِبَ عَنِ الْبَابِ، فَذَكَرْتُ أَحْقَادَ عَلِيٍّ وَوُلُوعَهُ فِي دِمَاء ِصَنَادِيدِ الْعَرَبِ، وَكَيْدَ مُحَمَّدٍ وَسِحْرَهُ، فَرَكَلْتُ الْبَابَ, وَقَدْ أَلْصَقَتْ أَحْشَاءهَا بِالْبَابِ تَتْرُسُهُ، وَسَمِعْتُهَا وَقَدْ صَرَخَت ْصَرْخَةً حَسِبْتُهَا قَدْ جَعَلَتْ أَعْلَى الْمَدِينَةِ أَسْفَلَهَا، وَقَالَتْ: واأَبَتَاهْ! هَكَذَا يُفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ؟ واستغاثت بفضّة خادمتها، وقالت: لقد قتل ما في بطني من الحمل.[27]
والذي يظهر من كِتَاب سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ أنّ قنفذ ضرب السيّدة الزهراء بالسوط على يدها,يقول سُلَيْمٌ: كَتَبَ أَبُو الْمُخْتَار ِبْنُ أَبِي الصَّعِقِ إِلَى عُمَرَ أبياتاً من الشعر وذكّره فيها بخيانات حكّامه وعمّاله في بيت المال:ٍقَال َسُلَيْمٌ: فَأَغْرَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تِلْكَ السَّنَةَ جَمِيعَ عُمَّالِهِ أَنْصَافَ أَمْوَالِهِمْ لِشِعْرِ أَبِي الْمُخْتَارِ، وَلَمْ يُغْرِمْ قُنْفُذَ الْعَدَوِيِّ شَيْئاً وَقَدْ كَانَ مِنْ عُمَّالِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَهُوَ عِشْرُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عُشْرَهُ وَلا نِصْفَ عُشْرِهِ. وَكَانَ مِنْ عُمَّالِهِ الَّذِينَ أُغْرِمُوا أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَأَحْصَى مَالَهُ، فَبَلَغَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفاً، فَأَغْرَمَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً.
يقول سُلَيْمٌ: فَلَقِيتُ عَلِيّاً صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا صَنَعَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ كَفَّ عَنْ قُنْفُذٍ وَلَمْ يُغْرِمْهُ شَيْئاً؟! قُلْتُ: لا. قَالَ: لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ فَاطِمَةَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا بِالسَّوْطِ حِينَ جَاءَتْ لِتَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَمَاتَتْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّ أَثَرَ السَّوْطِ لَفِي عَضُدِهَا مِثْلُ الدُّمْلُجِ.
كما يروي أبان عن سليم أنّه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ هَاشِمِيٌّ غَيْرَ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَال َالْعَبَّاسُ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا تَرَى عُمَرَ مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يُغَرِّمَ قُنْفُذاً كَمَا غَرَّمَ جَمِيعَ عُمَّالِهِ؟ فَنَظَرَ عَلِيٌّ عَلَيْه ِالسَّلامُ إِلَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: شَكَرَ لَهُ ضَرْبَةً ضَرَبَهَا فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ بِالسَّوْطِ، فَمَاتَتْ وَفِي عَضُدِهَا أَثَرُهُ كَأَنَّهُ الدُّمْلُجُ.[28]

    

طرف من حالات الخليفة الثاني وسيرته مع نساء رسول الله

وقد يشكل الاعتقاد عند البعض بأنّ عمر ضرب السيّدة فاطمة بالسوط, ولكن بالرجوع إلى حالات الرجل وسيرة حياته يتبيّن أنّه كان رجلاً غليظاً قاسي القلب، وأنّه عند الغضب لم يكن هناك شيء يمكن أن يطفئ غضبه إلاّ الانتقام من الطرف المقابل.
لقد قام عمر بضرب نساء بني هاشم على رؤوسهم بالسوط في زمان الرسول وتحت أنظاره، أثناء تشييع جنازة ابنته. فنهاه رسول الله عن هذا الفعل وقال له: مهلاً يا عمر! إنّ البكاء على الميّت من الرحمة، ولا ينافي الرضا.
ينقل المرحوم الأميني قدّس سرّه عن مسند أحمد بن حنبل وعن مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، كما نقل كلّ من تلخيص المستدرك ومسند أبي داود الطيالسي والاستيعاب عن ابن عبّاس أنّه قال: لما ماتت زينب[29] بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ألحقوها بسلفنا الخير عثمان بن مظعون». فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يده وقال: «مهلاً يا عمر! دعهن يبكين، وإيّاكن ونعيق الشيطان» ـ إلى أن قال: ـ وقعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمةً لها.[30]
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى عن ابن عبّاس قال: بكت النساء على رقيّة[31] (بنت رسول الله) رضي الله عنها، فجعل عمر رضي الله عنه ينهاهنّ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مه يا عمر!». قال: ثمّ قال: «إيّاكنّ ونعيق الشيطان؛ فإنّه مهما يكن من العين والقلب فمن الرحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان». قال: وجعلت فاطمة رضي الله عنها تبكى على شفير قبر رقيّة، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح الدموع على وجهها باليد، أو قال: بالثوب.[32]
وأخرج النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أنّه قال: مات ميّتٌ في آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دعهن يا عمر؛ فإنّ العين دامعةٌ، والقلب مصابٌ، والعهد قريبٌ».[33]
لقد تجرّأ عمر بهذا الشكل أمام رسول الله ـ صاحب الشريعة النبي المرسل من عند الله ـ وذلك من دون أخذ إجازة منه، وبدون الاستفسار عن المسألة, بل قام باعتراض نساء بني هاشم وأرحام رسول الله الذين كانوا قد اجتمعوا في جنازة عزيز لهم فقدوه, وضربهم بالسوط على رؤوسهم، إلى حدّ أنّ رسول الله منعه من ذلك وأمره بالتروّي والتوقّف عن هذا العمل. فعمر لم يستح من رسول الله ولم يتوان عن مدّ يده في هذا الموقع الحساس لضرب النساء المفجوعات بدون أيّ جُرم ارتكبنه, وكان يعتبر أن البكاء الذي هو علامة الرحمة بناءً على كلام الرسول دليلٌ على الشكوى، فكان يضرب أقارب وأرحام الرسول وبناته بكلّ قسوة ويؤذي النساء بفعله. فما الذي سيمنعه ـ بعد وفاة رسول الله للوصول إلى مآربه ومعاقبة المتخلّفين عن البيعة واعتقال أمير المؤمنين عليه السلام، حيث إنّه طبقاً لما نقلته التواريخ والأخبار كان قد ربّى الحقد في قلبه طوال تلك المدّة ـ من أن يُضرم النار في باب منزله ويتصاعد الدخان منه، وأن يلطم فاطمة سلام الله عليها بضعة رسول الله، وأن يضربها بالسوط على يديها، ويعصرها بين الباب والحائط عالماً عامداً حتّى تُسقط جنينها.
لقد وصلت فضيحة هذا العمل إلى درجة أنّها لم تكن خافيةً على أحد, وفهم الجميع آلام ومصائب الصدّيقة الطاهرة ومظلوميّتها وجنايات أبي بكر وعمر في حقّها، وكلّما أراد الآخرون أن يُخفوا ذلك ذهبت محاولاتهم أدراج الرياح.
عندما شارف أبو بكر على الموت كان يقول: إنّني لا آسي على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت أنّي تركتهن: فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي تركتها فوددت أنّي لم أكن فتّشت بيت فاطمة, وذكر في ذلك كلاماً كثيراً.[34] وورد في عبارةٍ أُخرى: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غلقوه على الحرب[35]. وورد أيضاً في عبارةٍ أُخرى: وإن أُغلق على الحرب.[36]
لقد كانت هذه الأذيّة والمظلوميّة التي لحقت بتلك المظلومة المقهورة النتيجة الأُولى لحكومة هؤلاء، وكان ذلك خير معرّفٍ لأُسلوبهم ونهجهم فيما بعد.

    

أشعار فاطمة الزهراء عليها السلام في حقّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله

روى ابن شهر آشوب هذه الأشعار عن بضعة رسول الله:
قلّ للمغيّب تحت أطباق الثرى
                             إن كنت تسمع صرختي وندائيا


صُبّت عليّ مصائب لو أنّها
                             صُبّت على الأيّام صرن لياليا


قد كنت ذات حمى بظلّ محمّد
                             لم أخش من ضيم وكان جماليا


فاليوم أخشع للذليل وأتّقي
                             ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا


فإذا بكت قُمريّة في ليلها
                             شجناً على غصن بكيت صباحيا


فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسي
                             ولأجعلنّ الدمع فيك وشاحيا


ماذا على من شمّ تربة أحمد
                             أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا[37]



نعم، لقد كانت السيّدة فاطمة الزهراء بعد وفاة أبيها ـ بعد المصائب التي لحقتها من الأعداء ـ تذهب إلى قبر رسول الله، وتضع خدّها على التراب، وتناجي أباها بهذه الأشعار.


[1] ـ تفسير البرهان الطبع الحجرية، ج 2, ص 972, ومن طبعة (بنياد بعثت) ج 4, ص 820, وتفسير الصافي، ج 2, ص 512.

[2] ـ تفسير البرهان، ج 2, ص 972.

[3] ـ لقد ورد في تفسير هذه الآية والآيات التي بعدها في روضة الكافي ص 379، رواية مفصّلة عالية المضمون عن الإمام أبي جعفر عليه السلام.

[4] ـ تفسير البرهان، ج 2, ص 973.

[5] ـ تفسير البرهان، ج 2, ص 970.

[6] ـ تفسير البرهان الطبعة الحجريّة، ج 2, ص 971, ومن طبعة (بنياد بعثت).

[7] ـ تفسير الصافي، ج 2, ص 514, وتفسير البرهان، ج 2, ص 972.

[8] ـ تفسير البرهان, ج 2, ص 971.

[9] ـ تفسير الصافي، ج 2، ص 515.

[10] ـ الآية 26, من سورة الشورى.

[11] ـ مجمع البيان، ج 5, ص 29.

[12] ـ نفس المصدر، ص 30.

[13] ـ الفصول المهمة، ص 220.

[14] ـ جزء من الآية الثالثة, من سورة الطلاق (65).

[15] ـ جزء من الآية 21, من سورة يوسف (12)

[16] ـ الفصول المهمّة، ص 209، إلى ص 211

[17] ـ المصدر السابق، ص 224.

[18] ـ الفصول المهمّة، ص 226.

[19] ـ من الآية 23 من سورة النجم (53).

[20] ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد, طبع بيروت, ج 1، ص 201, قوله عليه السلام: «ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين». وهذا الخبر من دلائل نبوّته صلوات الله عليه؛ لأنّه إخبارٌ صريحٌ بالغيب لا يحتمل التمويه والتدليس.. إلى أخر ما ذكره.

[21] ـ الفصول المهمّة، من ص 225 إلى ص 229 بتصرف.

[22] ـ الآية 61, من السورة 3, سورة آل عمران.

[23] ـ تفسير البرهان، الطبعة الحجريّة، ج 2، ص 970, ومن طبعة (بنياد بعثت)، ج 4, ص 818.

[24] ـ صدر الآية 47، من السورة 34: سورة سبأ.

[25] ـ تفسير بيان السعادة، ج 4, ص 46.

[26] ـ مناقب ابن شهر آشوب, طبع سربي, ج 1, ص 383.

[27] ـ بحار الأنوار من طبع الكمباني, ج 8, ص 231, ومن الطبعة الحروفيّة, ج 30, ص 294, نقلاً عن الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة.

[28] ـ بحار الأنوار من طبع الكمباني, ج 8, ص 233, ومن الطبعة الحروفيّة, ج 30, ص 303, نقلاً عن كتاب سليم بن قيس الهلالي, ص 134.

[29] ـ زينب بنت رسول الله توفيّت في السنة الثامنة من الهجرة, وكان النبي محزوناً وقت وفاتها.

[30] ـ الغدير، ج 6, ص 159.

[31] ـ رقيّة بنت رسول الله، وكانت تحت عثمان, وبناءً على نقل التواريخ فقد توفيّت إئر ضرب عثمان المبرح وأذيّته لها.

[32] ـ الغدير، ج 6, ص 160. ويروي آية الله السيّد شرف الدين العاملي في كتاب الفصول المهمّة، ص 76: ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس (في صفحة 335 من الجزء الأوّل من مسنده) من جملة حديث ذُكر فيه موت رقيّة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبكاء النساء عليها قال: فجعل عمر يضربهنّ بسوطه فقال النبي: «دعهنّ يبكين». وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي. قال: فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها. انتهى.

[33] ـ الغدير، ج 6, ص 160. ويروي آية الله السيّد شرف الدين العاملي في كتاب الفصول المهمّة ص 76 و 77: وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة (في ص 333 من الجزء الثاني من مسنده) حديثاً جاء فيه أنّه: مرّ على رسول الله جنازة معها بواك، فنهرهنّ عمر، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «دعهنّ؛ فإنّ النفس مصابةٌ والعين دامعةٌ».

[34] ـ مروج الذهب، ج 2, ص 308.

[35] ـ الغدير، ج 7, ص 170.

[36] ـ المعجم الكبير للطبراني طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت, ج 1, ص 62, وورد في الإمامة والسياسة, ج 1,ص 18: فليتني تركت بيت عليّ وإن كان أعلن عليّ الحرب. وورد أيضاً في العقد الفريد الطبعة الثانية, ج 4, ص 268: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على الحرب. ومن الأشياء التي تأسّف أبو بكر عليها إحراق فجاءة السلمي. ولقد ورد في كامل التواريخ للجزري: بأنّ أياس بن عبد ياليل السلمي أتى إلى أبي بكر وطلب السلاح لمحاربة أهل الردّة, فقام أبو بكر بإعطائه السلاح وأمّره على ذلك. ولكن أياس خالف أمر أبي بكر ونهض لمحاربة المسلمين. فأرسل أبو بكر طريفة بن حاجز إليه فأسره وأتى به إلى أبي بكر. فأمر أبو بكر أن يُضرموا النار في مصلّى المدينة، وأوثقوا يديه ورجليه كما يفعل بالطفل، ورموه في النار حيّاً. وكان أبو بكر يقول عند موته: وددت أنّي لم أحرقه، بل إمّا كنت قتلته بالسيف أو أطلقت سراحه.

[37] ـ مناقب ابن شهر آشوب, ج 1, ص 168. وفي كتاب السيرة النبويّة للسيّد أحمد زيني دحلان المطبوع في هامش السيرة الحلبيّة: أنّ السيّدة الزهراء عليها السلام أنشدت البيت الثاني والأخير فقط وهي تبكي على قبر رسول الله. وقد نُقلت هذه الأبيات في مفاتيح الجنان ضمن أحداث اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر, ص 294 مع اختلاف يسير في اللفظ عن كتاب الدّر النظيم للشيخ يوسف الشامي. وذكر أيضاً بأنّ فاطمة عليها السلام بعد دفن أبيها بكت وقالت: يا أبتاه! أجاب ربّاً دعاه. يا أبتاه! من ربّه ما أدناه.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی