معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ق > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ـ الجلسة 11 ـ واقعيّة حالات الإمام عليه السلام عند الدعاء

____________________________________________________

هو العليم

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ

الجلسة الحادية عشرة:
واقعيّة حالات الإمام عليه السلام عند الدعاء

ألقيت في الليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان المبارك لعام 1436 هجري قمري

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني
حفظه اللـه

 

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلَّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
وعلى آله الطيِّبين الطاهرين واللعنة على أعدائِهم أجمعينَ إلى يوم الدين

"هَبْنِي بَفَضْلِكَ وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ؛ أَيْ رَبِّ، جَلِّلْنِي (وغطني) بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي (وعتابي) بِكَرَمِ وَجْهِكَ"
تحدّثنا الليلة الماضية عن أنَّ الإمام عليه السلام قد بيّن لنا في هذه العبارات موضوعين، وهذان الموضوعان يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطًا وثيقًا، وعلى كلّ واحد منّا أن يجعلهما نصب عينيه بصورةٍ دائمةٍ وفي كافّة تصرّفاته وحركاته وسكناته، ولا يغفل عنهما أبدًا؛ فهذان الموضوعان هما من المواضيع الأساسيّة، وقد كان جميع أهل المعرفة والعرفاء وأولياء الله يؤكّدون عليهما كثيرًا؛ ولم يذكروهما في أحاديثهم لمرّة أو مرتين، بل كانوا يكرّرونهما دائمًا. فكلّ من تقابله من أهل المعرفة والعرفان، تجد كلامه يتمحور حول هذين الأمرين؛ فما من قصّة يذكرها أو موضوع يطرحه، أو نصيحة يوجّهها، أو مسألة أخلاقيّة يُلقيها إلى الآخرين، إلاّ وهي تتمحور حول هذين الأمرين.

    

قراءة الإمام عليه السلام للدعاء لأجل نفسه وليس للآخرين

وقد أشرت فيما سبق بأنَّه يتوجّب علينا قبل هذا أن نؤمن بأنَّ ما يطرحه الأئمّة يمثل واقع حالهم، وهو نابع من أعماق قلوبهم وحاقّ ضمائرهم ونفوسهم؛ فهم يبيِّنون لنا الحقائق وواقع الأمر في تلك الأدعية والزيارات التي هي بين أيدينا الآن.
فكما ذكرت لكم الليلة الماضية، فقد كان الإمام يطرح هذه المواضيع على مرأى ومسمعٍ من الحاضرين، حيث كان يعقد الإمام الصادق عليه السلام مجالس في المدينة في المسجد النبويّ أو في بيته أحيانًا؛ فكان الإمام يجلس ومن حوله أصحابه، كما كان يأتي آخرون ليحضروا هذه المجالس سواء من المدينة أو من الكوفة أو الريّ أو قمّ أو خراسان أو من بقيّة البلدان الأخرى؛ فكانوا يجلبون معهم طوامير تتضمّن أسئلتهم عن الأحكام والمسائل التي تحصل لهم، على غرار الاستفتاءات التي تجري هذه الأيام؛ فقد كانوا يكتبون ما يريدون السؤال عنه، ويحضرونه للإمام الصادق، ويسألونه عنه الواحد تلو الآخر. وكان الإمام يجيبهم حينئذٍ عن تلك الأسئلة إمّا بشكل مختصر ووفقًا لما تمّ السؤال عنه، وإمّا بشكل مفصّل، حتّى أنه في بعض الأحيان يضيف كلامًا من عنده، ويحتفظ القوم بهذه الأجوبة كوثائق وروايات وأحاديث يضعونها بين أيدي الآخرين عند عودتهم إلى بلدانهم لمعرفة حكم المسائل التي قد يُبتلى الناس بنظائرها، كتلك المسائل المتعلّقة بالزواج، والصلاة، والصيام، والحجّ، وبقية المعاملات، وحتّى المسائل الأخلاقية أيضًا.
فيوجد في كتبنا مثلاً أنَّ أهالي قمّ والريّ جاءوا وهم يحملون طوامير من الأسئلة عن أحكام بعض المسائل كانوا يريدون اختبار الإمام الجواد بها؛ وكان ذلك بعدما عجز عن الإجابة عليها من كان قد ادّعى مقام الإمامة، فعرفوا عندها بأنَّه ليس هو الرجل الذي يبحثون عنه؛ حتّى جاء الإمام الجواد عليه السلام وأجابهم عن جميع أسئلتهم بالتفصيل، فعرفوا عندها بأنَّه هو الإمام بعد الإمام الرضا عليه السلام، فانصرفوا عمّن سواه.
فعندما كان الإمام يطرح هذه المطالب، أو كان يقرأ دعاءً بين جمع من الناس، وكان الناس يردّدونه وراءه بهدوء، فقد كان هنالك من هو مكلّف بكتابة هذا الدعاء أو تلك الزيارة التي يقرأها الإمام؛ لأنّ هذا الكلام صادر عن إمام، ولا بدّ من نشره في جميع أنحاء العالم لكي يقرأه الآخرون، بل كان هنالك عدد من بين أصحاب الإمام من يحمل معه دائمًا وعند حضوره لدى الإمام حقيبة تحتوي على قلم ودواة وقرطاس أو ما كان يُكتب عليه في تلك الأيام؛ وكان هؤلاء الأشخاص معروفين بين الآخرين على أنَّهم من الكتّاب؛ وكانوا يراعون الدقّة في عملهم، كما يمتازون بجودة السمع وبسرعة الكتابة حتّى لا يسقط عنهم شيء ممّا يسمعونه ما أمكنهم ذلك، على أنَّه في بعض الأحيان كان يفوتهم كتابة بعض الأمور، فعلى المتخّصصين في هذا المجال تشخيص ذلك.
فهذه مسائل كان الإمام يبيّنها للناس؛ بمعنى أنّه عمل على قراءة هذا الدعاء على مرأى ومسمع من عامّة الناس؛ وقد كان بشرٌ وبشيرٌ كاتبين، وكانا يقفان إلى جنب الإمام الحسين في يوم عرفة لكي يتمكنّا من سماع كلامه جيّدًا، وتسجيل تلك المطالب؛ فكانا يتناوبان على الكتابة، بحيث إن تعب أحدهما، قام الآخر بإكمال المهمّة؛ لأنّه لا يمكن لرجل واحد أن يكتب بمفرده دعاء عرفة هذا الذي بين أيدينا الآن، فكيف يمكن له أن يحفظه؟ اللهمّ إلاّ إن كانت له ذاكرة كذاكرة "ابن سينا"! حيث يُقال بأنَّه ذاكرة ابن سينا كانت تشبه جهاز تسجيل الصوت، بحيث إنَّه كان يحفظ كلّ ما تسمعه أذناه، لكن، في ذلك الوقت، لم يكن هناك رجل بهذه المواصفات؛ وحينئذ، كيف يمكن للإنسان أن يحفظ دعاء عرفة أو دعاء أبي حمزة الثمالي؟! وهل يمكن أن يحصل شيء كهذا؟ فيأتي الإمام ويقرأ الدعاء، ويقوم أحدهم بحفظه في نفس الوقت.. هذا مما لا يمكن حصوله بالطبع! كما قد يحصل أن يتّفق عدد من الحاضرين فيما بينهم على أن يكتب أحدهم مقدارًا من الكلام، حتّى إذا ما تعب، يقوم الآخر بمواصلة الكتابة وهكذا، حتّى ختام الحديث.
وليعلم الإخوة بأنَّه لا ينبغي عند قراءة الدعاء النظر في كتاب المفاتيح[1] أو النظر في الدعاء، بل عليهم الاستماع وترديد الصوت الصادر من القارئ والداعي في أنفسهم وداخل ضمائرهم؛ لأنّ النظر إلى شيء آخر أثناء قراءة الدعاء يمنع المستمع من الوصول إلى عمق المعنى؛ ممّا يعمل على التقليل من تأثير الدعاء في النفس. فلو كان المستمع سيستفيد من الدعاء بنسبة مائة بالمائة، فستقّل نسبة استفادته إلى الأربعين أو الخمسين أو الستين بالمائة؛ ولقد رأيت بنفسي في بعض الأماكن وفي بعض المجالس، في يوم عرفة أو غيره كيف أنَّ البعض كان ينظر في الكتاب أثناء قراءة الدعاء.. لا، لا ينبغي عليكم النظر في كتاب المفاتيح، بل دعوه جانبًا، وتوجّهوا إلى قارئ الدعاء، وقوموا بترديد كلمات الدعاء معه في أنفسكم إخفاتًا وبدون صوت؛ لأنّ لذلك تأثير أكبر وأعمق في نفس المستمع؛ فهذه المسألة ممّا ينبغي مراعاتها في هذا المجال.
وعليه، لو كان الإمام عليه السلام يهدف إلى طرح هذه الأمور على الناس، فلماذا كان يقرؤها هو بنفسه؟ حيث كان الإمام السجّاد عليه السلام يقرأ دعاء أبي حمزة كلّ ليلة؛ فلو كان هدفه من ذلك هو تعليم الآخرين، لقرأه عليهم مرّة واحدة وانتهى الأمر؛ فقد قرأه عليهم وتعلّموه! فها أنت قد جمعتَ الأصحاب في مسجد النبيّ [يا سيّدي] ــ فمسجد النبيّ هو محلّ اجتماع المسلمين ــ وقرأت لهم الدعاء وتعلّموه؛ فإن كانت تلك القراءة هي من أجل تعليم الآخرين، فقراءة واحدة تكفي، ولا يحتاج الأمر إلى التكرار مرتين وثلاثة وعشرة ومائة مرة، وإلاّ سيكون هنالك أمر آخر من وراء ذلك، فما هو ذلك الأمر؟ وما هي حقيقة ما نراه من الأئمّة عندما كانوا يقرءون تلك الأدعية لوحدهم في جوف الليل وفي الظلام الدامس؟
يقول الراوي: كنت مارًّا فسمعت صوتًا يأتي من مكان ما، فاقتربت ووقفت جانبًا (أو جلست) لأستمع إلى مناجاة الإمام، فحفظت بعضه (أو كتبته). ثمّ يقوم بنقل ذلك إلى الآخرين، ويقول: هذا ما سمعته عن الإمام. فلو كان الإمام يريد أن يعلّم الآخرين، لما فعل ذلك في ظلمة الليل، ولما قرأه عليهم في بيته أو غرفته؛ فالإمام كان يفعل ذلك فيما بينه وبين ربّه.
وعندما كان أمير المؤمنين يناجي الله في محراب مسجد الكوفة قائلاً: إلهي أنت الغنيُّ وأنا الفقيرُ، وهل يَرحمُ الفقيرَ إلاّ الغنيُّ[2]، فإنّه لم يكن يقل ذلك للناس، بل كان يناجي بتلك المناجاة في المحراب، وهو في الصلاة، وفي حال الابتهال والبكاء؛ وكان الناس يرونه في ليالي شهر رمضان يأتي، ويجلس، ويشرع في قراءة هذه الأدعية؛ حسنًا، فحينما يقول الإمام: أنا الفقير، فأيّ فقرٍ هذا الذي يقصده الإمام؟

    

عدم صحّة نسبة الفقرات الأخيرة من دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

بالمناسبة، في يوم من الأيّام، كنت أتحدّث مع أحد الإخوة عن ذلك المقطع الذي تمّت إضافته إلى دعاء عرفة، والذي نقله الشيخ عبّاس القمّي حيث قال بأنَّ السيِّد ابن طاووس قد أضافه في بعض النسخ، لكن، لا يخفى أنَّ السيِّد لم يكن هو الذي أضافه، بل كان ذلك من فعل النسّاخ؛ ولذا، فنحن نرى خلوّ جميع النسخ القديمة من كتاب "الإقبال للسيد" من هذه الزيادة في دعاء عرفة. ففي إحدى الفقرات [الزائدة] من الدعاء، هناك: إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري، لكنّني لم أفهم المقصود من كلمة الفقر هنا، فهل يتحدّث الإمام عن الفقر الظاهري؟ لا يُمكن أن يكون الفقر الظاهري مقصودًا للإمام؛ فما هو إذن معنى أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيرًا في فقري؟!
إنَّ هذا يدلّ على عدم إمكانيّة أن يكون هذا المقطع من كلام الإمام؛ لأنّه إن كان المقصود من هذا الفقر هو الفقر الظاهري، فالأئمّة لا يعيرون لهذا الفقر أيّ اهتمام؛ على أنَّ الإمام الحسين لم يكن فقيرًا من هذا الجانب، بل على العكس، فقد كان غنيًّا جدًّا، وكان من الأئمّة الأثرياء، حيث إنّ بعض الأئمّة لم يكونوا يملكون شيئًا؛ نظير أمير المؤمنين، بينما كان الوضع المالي لبعضهم الآخر جيّدًا، وكان بعض الأئمّة يعيشون في ضائقة كبيرة [مثل الإمام الهادي] في عهد المتوكل. أمّا الإمام الحسين، فقد كان يمتلك الكثير من الأموال، وكان كثير البذل والعطاء، وكان يتوافد عليه الناس من كافّة أطراف وأكناف البلاد؛ فلقد كان وضعه مختلفًا.
فالإمام الحسين لم يكن فقيرًا، حتّى يأتي ويقول: أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري. كلاّ، فلم يكن الإمام فقيرًا، بل على العكس من ذلك، فقد كان غنيًّا، هذا أوّلاً؛ وثانيًا: أنّ الأئمة لا يتحدّثون عن الفقر الظاهري في كلامهم وأدعيتهم، بل كان كلّ حديثهم يتمحور حول الفقر الباطني كعبارة: الفقر فخري[3] . فهذا الفقر هو الفقر الذاتي الذي يفصح عن تلك العلاقة الربطيّة القائمة بين العبد وخالقه؛ إذ لا وجود إلاّ لتلك الحقيقة الربطيّة بين العبد والمعبود؛ لأنّ كلّ الوجود له، وجميع الموجودات ناشئة من ذاته؛ فهو الغنيّ بالذات ونحن الفقراء بالذات؛ أي أنَّ ذاتنا هي عبارة عن تلك الهيولى المحضة والبسيطة، ولا تعيّن ولا تشخّص لها سوى نفس تلك الماهية ومفهومها التي لا وجود لها إلاّ في عالم الذهن ووعائه [ولا وجود لها مستقلّ من نفسها]؛ وذلك لأن التحقّق الخارجي للهيولى والماهيات المقيّدة والممكنة مستحيل من دون الوجود؛ ولهذا، أنا لم أفهم كيف يمكن أن تكون هذه الفقرة من الإمام عليه السلام، وأنّه هو الذي ذكرها؛ هذا مع أنّ هناك الكثير مثلها.
ومن هنا، نرى بأنَّ المرحوم العلاّمة ــ رضوان الله عليه ــ كان يقول بأنَّنا لا نستطيع نسبة هذه الكلمات إلى الإمام؛ ولا يخفى أنَّني أقوم في الوقت الحاضر بالتحقيق في هذا الموضوع، حيث راسلت بعض الجهات من أجل الاطّلاع إذا أمكن على نسخ أخرى، لغرض الوصول إلى نتيجة معيّنة، حتّى أقوم بعدها إن حالفني التوفيق بكتابة مقالة حول هذا الموضوع؛ وهذا على غرار مسألة النوروز، فعندما حقّقت في الأمر، وجدت بأنَّ الرواية التي تعتمد عليها مكذوبة من الأساس ولا سند لها بالمرّة؛ أي أنَّها واهية ولا أساس لها، وأنّ رواية المعلى بن خنيس لا سند لها بالمرّة، ولقد ذكرت ذلك هناك.

    

عدم جواز العمل بقاعدة التسامح في أدلّة السنن من دون ضوابط

وكم هو عجيب أن يحصل شيء كهذا! وكم هي جسيمة تلك المسؤوليّة الملقاة على عاتق أصحاب الاختصاص وأهل الخبرة، بحيث يأتي هؤلاء، ويبقون الناس في الجهل طوال هذه السنوات، متّبعين سنّةً خاطئة بتوهّم كونها جزءًا من الشريعة، دون أن يعترض أحدٌ على ذلك!
وتراهم يتحجّجون بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، أيّ تسامح هذا؟! فهل يجوز التسامح [في أدلة السنن]حتّى وإن كان ذلك الأمر واهيًا ولا أساس له! فالدين ليس بذلك الأمر الواهي، بحيث يقوم أيٌّ كان بنسبة أيّ شيء يشاء إليه، وإلى الله وإلى رسوله. فلو أنَّ أحدهم أراد أن ينسب أمر ما إلى زوجتك أو ابنك أو جارك أو صديقك أو شريكك في العمل، أفكنت ستتهاون معه؟ أم كنت ستضربه وتمزّق بطنه وتقول له: ما هذا الشيء الذي تتفوّه به، انتبه لما تقول؟ لماذا؟ لأنَّ الأمر يمسّ شرفك! فهل وصل بنا الحدّ إلى أن نكون غير أباليّين بما يتعلّق بأمور الدين؟! فترى أحدهم ينسب رواية ما إلى الإمام وهو يقول: لا يجب التدقيق بشأنها بناءً على قاعدة التسامح في أدلة السنن! أيّ تسامح هذا الذي تتحدّث عنه؟! فحياة الناس وأفكارهم ومسيرهم مرتبط بهذا الأمر!
لقد ذكرت في رسالة النوروز التي قدمتها للإخوة بأنَّه لا يمكن لأيّ أحدٍ أن يتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام من دون اتّباع سنّة النبيّ والشريعة المقدّسة؛ فانظروا حاليًّا في العالم كم يصرفون من الأوقات والأموال لأجل البحث والتحقيق في مطلب علمي أو طبّي، وكم من الأموال الطائلة تُبذل على مراكز الأبحاث العلميّة والأكاديميّة والمختبرات لكي يروا: هل إنّ الفرضيّة الكذائيّة صحيحة أم لا؟ وهل إنّ تلك المسألة صائبة أم لا؟ وهل إنّ ذلك المطلب المتعلّق بهذا المرض وذاك الدواء صحيح أم لا؟ فكم من الأموال تُصرف لأجل الابتكارات والقضايا العلميّة الجديدة، وكم من الدراسات تُنجز، لأجل أن يقولوا بعدها بأنّ ما فرضناه لا يصحّ في جميع الحالات، بل في بعضها فقط، ولا يمكننا أن نحكم بصحّته بشكل كلي، إلى أن يصلوا إلى نتيجة كلّية وعامّة، فيعمدوا إلى نشرها والدعاية لها، بينما ترانا نحن نأخذ الأمر بكلّ بساطة لنقول: لا مشكلة في البين، فهذه المسألة من السنن! وهي أمر مستحبّ، فلا ينبغي التشدّد بشأن المستحبّات! تساهلوا! لا تتشدّدوا كثيرًا! دعوا الناس يقومون بها! ما معنى: تساهلوا ولا تتشدّدوا؟!! فهل يستطيع المرء فعل كلّ ما يحلو له؟!
إنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن تستخدم في تلك المسائل المسندة، والتي تمّ التحقيق بشأنها، وبُذل فيها الجهد ليلاً ونهارًا، وتمّ جمع كافة المعلومات المتعلّقة بها، ثمّ لم يتمّ التوصّل بشأنها إلى رأي يقيني؛ فيُقال في مثل هذه الحالات: بما أنَّك قد وصلت إلى هذا الحدّ، فتستطيع عندها وبالتوكّل على الله من أن تعمل بموجبها؛ ففي مثل هذه الحالة يمكن الاستفادة من قاعدة التسامح في أدلّة السنن، وليس في الحالة التي تكون معتمدة على رواية لا سند لها ولا أثر لها في الكتب الروائيّة الأصيلة، بل ووردت في مقابلها تلك الرواية الصحيحة عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام؛ فهذا ليس هو المكان المناسب للاستفادة من تلك القاعدة! هذا، مع أنّ المجتهد يستطيع من النظرة الأولى أن يعرف بأنَّ الرواية المروية عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام هي رواية صادرة عن الإمام حقًّا.

    

بطلان عيد النيروز في الإسلام

لا بدّ وأنَّ الإخوة قد قرؤوا ما كتبت عن هذا الموضوع وكيف أثبتُّ وهن تلك الرواية التي استُدِلّ بها؛ فعندما يطلب المنصور الدوانيقي من الإمام موسى بن جعفر الجلوسَ للتهنئة في عيد النيروز وقبض ما يُحمل إليه، قال الإمام عليه السلام: إنّي قد فتّشتُ الأخبار عن جدّي رسولِ الله صلى الله عليه وآله فلم أجد لهذا العيد خبرًا وإنَّه سنّةٌ للفرس، ومحاها الإسلام، ومعاذَ الله أن نُحيي ما محاه الإسلام. [4]
فعندما يتمعّن المجتهد في كلمات هذه الرواية يقول: لا بدّ وأن تكون هذه الرواية صادرةً عن الإمام، فهذا الكلام هو من كلام الإمام؛ أي أنَّك عندما تنظر إلى هذه العبارة: إنّي قد فتّشتُ الأخبار عن جدّي رسولِ الله صلى الله عليه وآله فلم أجد ... تقول: لا بدّ وأن يكون هذا الكلام من الإمام عليه السلام! فعندما نقوم بالتفتيش في سنّة النبيّ، فما الذي سنجده فيها؟ سنجد بأنَّ النبيّ قد قال: لقد رفعت هذين العيدين،[5] واستبدلتهما بعيد الفطر وعيد الأضحى. وصحيح أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال فيما بعد: أفضل أعياد أمّتي عيد غدير خم[6]، إلاّ أنّ هذا الحديث يختصّ بما بعد عيد الغدير، ولا يمكن للنبيّ أن يذكره وعيد الغدير لم يحصل بعد.
فلو أنَّ فقيهًا لديه شيئًا من فقه الحديث وشمّ الفقاهة، لقال على الفور: نعم، هذا الكلام من النبيّ! أي أنَّ هذا الكلام يتلاءم مع كونه صادرًا عن النبيّ، فهو من كلام الوحي، وهذا الأمر لا بدّ وأن يكون صادرًا من المبدأ الأعلى.
أو نظير ما ذُكر عن جلب الحلوى (الفالوذج) لأمير المؤمنين في أحد أيّام الربيع ... ولا يخفى أنَّني شكّكت عند ذكر هذه المسألة، بل أثبتُّ بأنَّه لو كان هنالك عيدًا باسم النوروز، فهو لم يقع في بداية برج الحمل (أي الأوّل من فروردين[7])، بل وقع في ذلك الزمان في الثاني عشر من شهر خرداد[8] أو ربّما في يوم آخر من أيّامه، ثمّ جرى تقديمه وتأخيره بعد ذلك، ليقع في الأخير على عهد السلطان ملك شاه في بداية برج الحمل، وذلك عند تنظيم التقويم المسمّى بالتقويم الجلالي؛ فتم تقديم الحلوى لأمير المؤمنين في ذلك اليوم قائلين له: هذا بمناسبة النوروز! فقال لهم أمير المؤمنين: كلّ يوم من أيّامنا نوروز![9] حسنًا، فما الذي تفهمونه أنتم من هذه الجملة؟ إنَّه عليه السلام يقول لهم بهذه الجملة: دعوا عنكم هذا اللعب، فكلّ يوم من أيّام حياتنا هو نوروز!
فلو تمعنّتم جيّدًا في سنّة النبيّ والأئمّة المعصومين وسيرتهم، لوجدتم بأنّهم لم يتكلّموا بشأن هذه القضيّة أبدًا، بل كانوا ساكتين عنها، ولم يتحدّثوا مع أصحابهم عنها بشيء ـ هذا على فرض أنّهم لم ينهوا عنها ـ فكيف يمكن للإمام الصادق عليه السلام أن يمجّد النوروز كل ذلك التمجيد؟! فنحن لم نرَ النبيّ طوال الثلاثة والعشرين سنة التي قضاها في مكّة والمدينة، ولا أمير المؤمنين طيلة الخمسة والعشرين سنة التي قضاها في فترة أولئك الخلفاء أو الأربع سنوات التي كان فيها خليفة للمسلمين، ولا الإمام الحسن، ولا الإمام الحسين، وهكذا إلى عهد إمام الزمان.. لم نر أيّ أحدٍ منهم قال: يا عباد الله، لدينا عيد باسم عيد النوروز! فهل يمكن أن يحصل شيء كهذا؟! فماذا كانت مهمّتكم تجاه هذه الأمّة يا أئمّتنا؟! فكيف تخبرونا بكلّ تلك التفاصيل عن ليلة القدر وعن عيد الفطر وعيد الأضحى؟ وكيف يكون لدينا كلّ هذا العدد من الروايات عن فضيلة ليلة الجمعة، وعن دعاء كميل ، ودعاء الصباح الذي يُقرأ في صباح كلّ يوم، بينما لا يوجد بين أيدينا أيّ شيء عن النوروز الذي ذكر عنه المعلّى كلّ ذلك الكلام؟ هذا، مع أنّ ذلك لم يكن صادرًا عن المعلّى؛ لأنّه لم يكن ليتحدّث بمثل هذا الكلام.
لقد كان المعلّى بن خنيس من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، واعتقله حاكم المدينة داود بن علي بعد ذلك، ثمّ قتله، حيث كان يتكلّم ببعض الكلام الذي ما كان ينبغي أن يتكلّم به، وكان الإمام قد نهاه عن ذلك، غير أنَّه لم يُصغ إلى كلامه، حتّى انتهى به الأمر إلى الاعتقال والقتل. لقد كان يعمل في بيت الإمام، حيث كان خادمًا، وكان يتردّد على هناك، والظاهر أنّه كان محاسبًا، وخلاصة القول أنّه كان على علاقة ببيت الإمام.
حسنًا، إنّ هذه المسألة توضّح لنا بأنَّه على الإنسان أن يزيد من إتقانه ومراجعة نفسه فيما يواجهه؛ فلا يمكن التغاضي عن كلّ ما يواجه المرء من ترّهات.. فهل هذا هو معنى الدين؟ فهل من الدين حقًّا أن يُغضّ النظر عن هذا الأمر، ويتمّ التساهل بشأنه، ويُقال: وما الضير في ذلك؟ فيمكن لأحدنا استغلاله من أجل زيارة الآخرين وصلة الرحم، فلا ينبغي التشدّد في هذا الأمر! أو يُقال: لا تتشدّد كثيرًا في هذه المسألة يا عزيزي! لقد تركت معالجة كلّ هذه المشاكل الكبيرة التي تواجهنا، وركّزت اهتمامك على موضوع النوروز فقط!
لو كان الأمر متعلّقًا بأولئك المتساهلين واللاعبين، فليس هناك إشكال، ولا حديث لنا مع هؤلاء، بل خطابنا موجّه لأولئك الذين لا يريدون أن يلطموا رؤوسهم يوم القيامة [حسرة وندامة] ويقولون: يا ليتنا لم نقض أعمارنا سعيًا وراء الأمور التافهة! نعم، خطابنا موجّه لأولئك الذين يريدون الاستفادة من كلّ دقيقة وكلّ لحظة من لحظات حياتهم في الوصول إلى ما يُرضي الله وإمام الزمان؛ فمثل هذا الشخص لا يأتي ويقول: دع عنك هذا الأمر، وذلك الأمر، ولا تتشدّد كثيرًا هنا، ولا هناك! بل ذلك هو شأن عامّة الناس من الذين لا يعيرون لهذه القضايا اهتمامًا.

    

كلمات أولياء الله ومؤلّفاتهم تستند لرؤيتهم الباطنيّة

عندما قام المرحوم العلاّمة بتأليف كتاب وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام، اعتُرض عليه كثيرًا، بل مارس عليه بعض أصدقائه ضغوطًا من أجل عدم نشر الكتاب وتوزيعه؛ فلقد كانوا يرسلون إليه بانتظام الرسائل من هنا وهناك بأن لا تقم بنشر هذا الكتاب، حتّى أنّهم كانوا يتّصلون بي هاتفيًّا قائلين: اذهب إلى أبيك ـ جزاك الله خيرًا كثيرًا في الدنيا وأمثالها في الآخرة، والتي لم أحصل على شيء منها حتى الآن!! ــ وتحدّث معه لكي ينصرف عن نشر الكتاب. فقلت لهم: وهل هو طفل يا سادتي الأعزّاء؟! فيبدو بأنَّكم قد أخطأتم في تقديراتكم، وخلطتم بين مقام ذلك الرجل الذي كتب هذا الكتاب، وبين طفل بعمر العشرة أو الخمسة عشر عامًا! إنّ هذا الرجل قد تتلمذ لمدّة سبع سنوات على يد العلاّمة الطباطبائي، وتتلمذ لمدّة سبع سنوات أخرى في النجف الأشرف على يد علماء من الطراز الأوّل، وهو أعلم علماء زمانه؛ هذا من جانب، ومن جانب آخر، فقد كان من الناحية الباطنيّة تلميذًا للعظماء من أهل المعرفة، فكيف تأتون وتقولون هذا الكلام؟! فهل كان هذا الرجل الذي كتب هذا الكتاب والذي كان قد ألقى تلك المحاضرات، هل كان يتكلّم عن غير دراية؟! أم أنَّه كان قد رأى منامًا في الليل، ثمّ جاء صباحًا ليطرح هذا الأمر على الآخرين؟! فهل كان الأمر بهذا الشكل؟
فهل كان أولئك العظماء على شاكلتنا، بحيث ما أن يخطر على بال أحدنا شيء، حتّى يُمسك بيده القلم، ويبدأ على بركة الله؟! كلاّ، لم يكونوا كذلك، ولم تكن أفعالهم وأحوالهم بهذا النحو؛ لأنّ هؤلاء لديهم إشراف على الباطن، وعملهم مبنيّ على أساس المصلحة الواقعيّة التي يدركونها بوجدانهم ورؤيتهم الباطنيّة؛ فكلّ ما يقولون أو يشرحون أو يؤلّفون أو يُقدمون عليه من عمل، فهو مبنيّ على تلك الرؤية الباطنيّة، وعندما يمسكون بالقلم ويشرعون في الكتابة، فعليك أن تعرف بأنَّ هنالك أمر كامن وراء ذلك.
فعندما بدأ المرحوم العلاّمة بكتابة الرسالة النكاحيّة، فقد كان يرى في ذلك الزمان أيّ بلاءٍ ستُبتلى به دولة المسلمين هذه، ولقد قال لي في ذلك الوقت ــ وأقسم بالله العظيم بأنَّه قال لي ذلك ــ: سأرحل أنا عن هذه الدنيا، وسترى بنفسك أيّة فاجعة ستحلّ ببلاد الشيعة جرّاء مسألة تحديد النسل، وسدّ الأنابيب، وتحديد الزواج. وها أنا أكشف عن هذا الموضوع للمرّة الأولى، ويبدو بأنَّ مسؤولي الدولة قد انتبهوا إلى أهميّة هذا الأمر، لا سيّما في السنوات الأخيرة، حيث تصل أسماعنا بعض الأخبار التي نرجو من الله تعالى أن يختمها بخير. وحقيقةً، ما هي المسائل والقضايا التي سيؤول إليها أمر الشيعة مع وجود كلّ هؤلاء الأعداء الذين يتربّصون بهم حاليًّا من كلّ ناحية؟
لقد أدرك هؤلاء الأعداء الخطر، وعرفوا بأنّ الشيعة يُشكّلون مصدرًا للخطر الحقيقي؛ ولذا، تراهم قد وظّفوا جميع إمكانيّاتهم الإعلاميّة، ومواقعهم الالكترونيّة، ودعاياتهم، وقاموا بصرف أموال كثيرة هنا وهناك من أجل محاربة الشيعة؛ هذا، مع أنّ المرحوم العلاّمة قد قال منذ ذلك الوقت وقبل عدّة سنوات ــ متى كان تاريخ نشر ذلك الكتاب[10]؟ ــ: سأرحل أنا عن الدنيا، وسترى يا سيِّد محسن بنفسك ما الذي سيحلّ بهذه البلاد!
أنا أتذكّر جيّدًا كيف أنَّ البعض كان يقول في ذلك الوقت: أيّ كتاب هذا الذي ألّفه؟ وما هذا الكلام الذي يطرحه؟ يا عزيزي، إنّ مؤلّف هذا الكتاب وليّ إلهي، ومن العرفاء! فهو ليس مثلي أنا الذي قد تجد في كلامه ألف خطأ وخطأ، بل هو يحسب لكلّ كلمة يكتبها حسابًا، وهو لم يكن ينم لعدّة ليالي حتّى الصباح ــ وأنا شاهد على ذلك ــ نتيجة لعلمه بما يُخطَّط له في تلك الأيام من أجل تنفيذ مشروع تحديد النسل؛ ولقد كنت أقيس ضغط دمه عندها، فكان ضغط دمه يرتفع جرّاء ما كان يسمع عن هذا الموضوع، ليصل إلى إحدى وعشرين على ثلاثة عشرة أو أربعة عشر. فكنت أقول له: يا سيّدي العزيز، لماذا تؤذي نفسك إلى هذا الحدّ؟ فكان يقول لي: وما الذي أفعله، ذلك ليس بيدي، فأنا أرى وألمس بنفسي ما الذي يحصل! فماذا أفعل؟ لا أستطيع، فذلك خارج عن إرادتي! ولقد كنّا نرى ونلمس ذلك في تلك الأيام؛ فتفضّلوا الآن وشاهدوا ما الذي حصل! فكلام وليّ الله ليس بالكلام العادي، ولا ينبغي التعامل معه بنفس الكيفيّة التي نتعامل بها مع بقيّة الأمور والقضايا الأخرى، بل يجب أن نحسب له حسابًا.. هل التفتم؟!
في يوم من الأيّام، كنت ذاهبًا مع المرحوم العلاّمة ــ رضوان الله عليه ــ إلى مستشفى الإمام الرضا من أجل الفحص عن عينه، حيث كان الدكتور سجّادي قد أوصى أحد تلامذته الذي كان في ذلك المستشفى بفحص عين المرحوم العلاّمة؛ لأنّه كان في طهران حينها، ولم يكن يستطيع القدوم إلى مشهد. فقال لي المرحوم العلاّمة: أريد أن أتحدّث معك بشأن موضوع ما: ما هو رأيك بتلك الرسالة التي كتبتها بخصوص وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام؟ فقد جرى الكثير من اللغط بشأنها، وكان البعض يقول: لا تنشروا هذه الرسالة وما شابه هذا الكلام.. يا إلهي! ماذا قال مولانا في أشعاره؟
اين چه مى گويم به قدر فهم توست
                             مُردم اندر حسرت فهم درست[11]

[يقول: ما أقوله، إنَّما هو بمقدار فهمك وإدراكك، وها أنا أموتُ حسرةً في العثور على من يمتلك فهمًا قويمًا].
ما الذي أفعله؟! فأنا في موقف حرج، ولا أستطيع أن أتكلّم بحرف واحد! وهذا ما كان يقوله هو، لا أنا؛ فهذا ليس من كلامي أنا، فحاشى لهذا العبد أن يمتلك تلك الجرأة لكي يتجاسر ويتكلّم بكلام كهذا؛ وهل يمكن للإنسان أن يتجاسر بهذا النحو؟!
فقلت له: يا سيّدي العزيز! إنَّ كتابكم هذا ــ شئتم أم أبيتم ــ سيتسبّب في حصول طوفان، وهذا ممّا لا شكّ فيه، ولكن ما الذي يجب عمله والحال هذه؟ فهل يُفترض بقاء هذا الماء ساكنًا دائمًا، بحيث لا يعلم أحد ما الذي تحته؟! وهل يُفترض تجنّب القيام بأيّ عمل من شأنه التسبّب في اضطراب هذا الماء؟ أي: هل يجب أن يبقى الماء ساكنًا، ولا يتمّ تحريكه أبدًا حتّى ظهور إمام الزمان عليه السلام وأوان يوم القيامة؟! والحال أنّ هذا الأمر غير ممكن الحصول، فكيف يمكن لأولئك الذين لديهم الاستعداد لإدراك الحقائق، والراغبين في السير والحركة نحو الهدف المطلوب من أن يصلوا إلى الحقيقة لو لم يصل هذا الكتاب وأمثاله إلى أيديهم؟ فعن أيّ طريق سيتمكّنون من الوصول إلى حقيقة الأمر؟

    

وجوب إظهار الحقائق رغم الاعتراضات

في أحد الأيّام، كنت أتحدّث في أحد المجالس التي تمّت إقامتها في منزل المرحوم العلاّمة، وكان حديثي عاديًّا، حيث لم أتطرق فيه إلى أمر غير عادي، وكان جدّي لأمّي المرحوم الحاج السيِّد معين الشيرازي ــ رحمة الله عليه ــ حاضرًا في ذلك المجلس، وكم كان رجلاً صالحًا ونقيًّا وصادقًا! كان قد قدم إلى مشهد، وحضر المجلس في ذلك اليوم، وبعد انتهاء المجلس، دخلنا إلى البيت معًا، فأتيت لتقديم الفاكهة والشاي لهم، فما إن رآني حتّى قال لي: تعال يا سيِّد محسن واجلس هنا، فأنا أريد أن أتحدّث معك بشيء. فجلست هناك، فالتفت إليّ قائلاً: لدي اعتراض على خطبتك في المجلس هذا اليوم، فقلت له: تفضّلوا، فأنا رهن إشارتك! فهو جدّي على أيّة حال، ولا يمكنني أن أواجهه بشيء، وقد كان يحبّني كثيرًا رحمة الله عليه.
فقال لي: إنَّ ما تحدّثت عنه اليوم كان صحيحًا بأكمله.. رحمه الله فقد كان شخصًا منصفًا، فهو لم يقل لي: إنَّ كلامك كان خاطئًا من أوّله وحتّى آخره! لأنّك تجد البعض يقول هذا الآن، فهم يقولون بأنَّ جميع كلامك خاطئ وباطل، وهذا نوع من أنوع الحكم! أمّا هو، فقال لي: إنَّ كلامك كان صحيحًا، غير أنَّ هذا المكان لم يكن هو المكان المناسب لطرحه. فقلت له: ولماذا لم يكن ذلك المكان هو المكان المناسب لطرحه يا جدّي؟ فإن لم أقله في مثل هذه المناسبة، فمتى سأقوله؟ وهل يتوجّب عليّ الاحتفاظ به في صدري، أم عليّ أن أجهر به ما دام هنالك من يريد أن يعرف الحقيقة؟ فلو لم أصرّح به اليوم، لقيل لي في الغد [ولِمَ لم تصرّح به في وقته؟] مثلما يحصل ذلك اليوم.
فترى البعض يعترض اليوم على المرحوم العلاّمة قائلين: لِمَ لم نشاهد له أيّ نشاط بعد الثورة عندما كان في مسجد القائم؟ فقلت لهم: لقد قام بالكثير بعد الثورة، فكان يتحدّث إلى الناس، وكان في نيته عمل الكثير، وأنا على علم بكلّ ذلك، حيث كان ينوي تشكيل لجان، والقيام بعدّة مشاريع منها: أنَّه كان ينوي بناء مدرسة علميّة جنب المسجد؛ لأنّه كان هنالك مكان تابع لجمعيّة "الأسد والشمس الحمراء"[12]، وكان مكانًا مهجورًا لا يتواجد فيه غير خادم وزوجته وأطفاله وكلب لهم؛ فلم نشاهد فيها شيئًا آخرًا، ولقد كنت مطّلعًا على ما يجري، فذهبت بمعيّة رجل آخر كان مكلّفًا بمتابعة هذا الموضوع من أجل ضمّ تلك الأرض إلى المسجد لغرض الاستفادة منها، غير أنَّ جهودنا لم تُثمر عن أيّة نتيجة.
ثمّ هاجر المرحوم العلاّمة بعد ذلك إلى مدينة مشهد؛ وخلاصة القول، أنّه كان يُشارك هناك في نشاطات متعدّدة، فكان يحضر في صلاة الجمعة، وكذلك الأمر بالنسبة للانتخابات، حيث كان أحد المرشّحين العشرة لعضويّة مجلس الخبراء الذين سيُصبحون أعضاء به بعد أن تتمّ الموافقة عليهم، غير أنَّه حصلت بعض العوائق، ممّا أدّى إلى انصرافه عن هذا الموضوع.. رحم الله تعالى المرحوم آية الله السيّد عبد الحسين دستغيب؛ فكنت قد أتيت من مدينة قمّ، فوجدته قد جاء من شيراز إلى منزلنا في طهران، حيث كان من أصدقاء المرحوم العلاّمة القدامى؛ لأنّه كان تلميذًا أيضًا للمرحوم الشيخ الأنصاري، وأتذكّر جيّدًا كيف كان يُصرّ في ذلك اليوم على المرحوم العلاّمة لكي يحلّ محلّه في المجلس المذكور، فكان يقول له: خذ مكاني يا سيِّد محمّد حسين، فأنا أتنازل لك عن مقعدي النيابي! فقال له المرحوم العلاّمة: إنَّ هذا غير ممكن يا سيِّد، فأنت مرشّح عن مدينة شيراز، وأنا مرشّح عن مدينة طهران. فقال [المرحوم دستغيب]: لا عليك من ذلك، امنحني موافقتك فقط، وأنا سأتولّى القيام ببقية المهمّة. وفي نهاية المطاف، عندما أصرّ عليه بما فيه الكفاية، ضحك المرحوم العلاّمة مقهقهًا وقال له: يا سيِّد عبد الحسين! إن كنت ترى بأنَّ هذا الأمر من الممكن أن يحصل، فافعل ما تريد. فقال: حسنًا إذًا! فقال له المرحوم العلاّمة: قم بما تريد القيام به، فأنا على استعداد لتنفيذ ما تطلب.
ومن الجدير بالذكر أنّني كنت حاضرًا هذه المرّة، لكنّني لم أكن هناك عندما جاء في المرّة اللاحقة إلى منزل السيّد الوالد، حيث قال له بلهجته الشيرازية: يا سيِّد محمّد حسين، لقد صدقت! إذ كلّما حاولت أن أجعلك مكاني، لم أستطع ذلك. فضحك المرحوم العلاّمة، وقال له: لقد قلتُ لك يا سيِّد عبد الحسين بأنَّ ذلك ليس بممكن، ليس بممكن، ولا تدعني أوضّح لك أكثر من هذا! ولقد انتهى الأمر، ولا أريد أنا بدوري أن أفتح هذا الموضوع أكثر من ذلك.
حسنًا، فلو أنّ المرحوم العلاّمة لم يُقدِم على ما كان قد أقدم عليه، ولو لم يفعل ما كان قد فعل، لكان الآن هذا الإشكال متوجّهًا إليه، ولقيل له: لماذا تنحّيت جانبًا؟ ولماذا لم تقم بأيّ فعل؟ غير أنَّني أُعلن الآن باعتباري كنتُ شاهدًا وحاضرًا، وكنت ألمس عن قرب ما كان يعمل، وكيف كان يتصرّف، وما هي الأعمال التي أراد أن يقوم بها؛ فباعتباري شاهدًا على جميع تلك المسائل، أستطيع أن أقول بأنَّه لم يتوانَ عن فعل أيّ شيء لأجل أن يكون له حضور إيجابي ومفيد في رفعة الإسلام على مستوى هذه القضايا وفيما يخصّ الثورة، وأنا أشهد على ذلك، وأُشهد الله أنّني اعترضت على بعض ما كان يقوم به، أي أنّني تجاوزت حدّي، وأبديت حرصًا على سلامته أكثر ممّا هو حريص عليها، فقلت له: إنَّ هذا الذي تقوم به هو أكثر ممّا ينبغي عليك القيام به، فقد قمتَ بما عليك، وأدّيتَ واجبك بما فيه الكفاية، فالحرّ تكفيه الإشارة. فقال لي: لا يا سيِّد محسن! بل علينا أن نسعى لترسيخ الأمور المفيدة والإيجابيّة، وتأييدها بحدّ المقدور، وهذا هو واجبنا؛ وآثاره المكتوبة تحكي عن ذلك.
ومن هنا، فلو أنّ المرحوم العلاّمة لم يكن قد ألّف ذلك الكتاب، ولم يكن قد بيّن تلك المطالب، أفلا ترون بأنّه كان سيُشكل عليه الآن؟ فبعد حدوث الكثير من المستجدّات الآن، واحتماليّة تغيّر الكثير من الأمور، وتطوّر فهم الناس وإدراكهم، وتغيّر رؤيتهم وتقييمهم لما يجري من حولهم؛ فقد نضجت الأمور على أيّة حال،.. أما كان الناس [قد اعترضوا عليه الآن؟!] فها هم الكثيرون الآن يقولون لي معترضين على المرحوم العلاّمة: لا يُتوقّع من العالم أن يسكت عمّا يجري من حوله، ويعتزل الناس ويكتفي بالمراقبة. فأقول لهم: أنا لا أتّفق معكم! فها هي كتبه، فتعالوا وانظروا، فقد تحدّث عن كلّ هذه الأمور. وقد كانت حياته مليئة بالبركة حقًّا؛ فتجدني إلى الآن، وبعد مرور ستّين سنة من عمري لازلت أتأمّل في كلّ كلمة تحدّث بها إلينا، وأستعرضها في ذهني واحدة واحدة، وأعمل بموجبها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.. أتلاحظون؟!
فقلت له: هل يُفترض أن يبقى هذا البحر هادئًا وساكنًا، أم يجب أن تتلاطم أمواجه؟ فإن كان لا بدَّ وأن يزداد فهم الناس وبصيرتهم، وإن كان لا بدَّ وأن يحصل تبدّلٌ في نظرة الناس للمسائل الاعتقاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والمبنائيّة، فبواسطة مَنْ سيحصل ذلك؟ فلم يكن هنالك وجود لمن ينبس ببنت شفة! فلا بدّ والحال هذه أن يقوم العلاّمة السيِّد محمّد حسين الطهراني بهذا الأمر؛ نعم، صحيح أنّه من المتوقّع ألاّ يروق ذلك للبعض ولا يتحمّلونه؛ حسنًا، إن كان البعض لا يستطيع تحمّله، فلا شأن لنا بذلك؛ فماذا عسانا أن نفعل؟! فهذه هي حقيقة الأمر، والمسألة هي بهذا النحو!
قلت: إنَّ الاعتراض سيحصل شئتم أم أبيتم. فقال: أجل! ثمّ قلت له: يا سيّدي العزيز! لأجل من تُؤلّفون هذا الكتاب؟ هل تُؤلّفونه لمن يستهزئ بكم؟ فنفس أولئك الذين ينادون الآن بتحقيق العدالة وبسلوك نهج الاعتدال وما شابه ذلك، نفسهم كانوا قد اعترضوا على كتاب المرحوم العلاّمة آنذاك، فيا للعجب! إنَّ أمور هذه الدنيا لعجيبة حقًّا! فالله تعالى يأتي في نفس هذه الدنيا، ويُري الإنسان حقيقة الأمور، ويقول له: انظر، فقد كنت أنت بنفسك لا تريد لهذا الكتاب أن يُنشر، فلماذا لا ينبغي أن يُنشر؟ لماذا؟! فمواضيع هذا الكتاب إمّا أن تكون كاذبةً أو صحيحةً؛ فإن كانت كاذبةً، فينبغي عليك أن تُثبت ذلك، وسيُصحّح ما فيها من خطأ، وإن كانت صحيحةً، فلماذا لا يجب أن تُنشر؟! فليس فيها ما يدعو إلى الكفر، بل كلّها مواضيع حقيقيّة وعاديّة، وليس فيها أيّ إبهام أو تعقيد.
فإن كان أتباع المذهب الشيعي لا يمتلكون سعة الصدر الكافية لتقبّل الحقائق، فهل علينا أن نتوقّع ذلك من أهل السنّة ومن أتباع الديانات الأخرى؟! فكيف يكون حالنا كذلك ونحن ندّعي بأنَّنا من شيعة عليّ عليه السلام وأتباعه؟! فعليّ كان رجل الحقّ الذي وقف في وجه الباطل من أجل إحقاق الحقّ، والذي أدّت مواقفه تلك إلى تمزيق جسد زوجته وابنه بين الباب والجدار، وإلى مقتل أبنائه الحسن والحسين عليهما السلام من بعد شهادته هو، وهكذا بالنسبة لما حلّ ببقيّة الأئمة عليهم السلام؛ فلِمَ حصل كلّ ذلك؟ لقد حصل كلّ ذلك؛ لأنَّه أمر بالحقّ ولا غير. ولماذا قُتل الإمام الحسين عليه السلام؟ لأنَّه قال ليزيد: اذهب لحال سبيلك؛ فمن تكون أنت؟! إن كان أبوك قد تولّى الخلافة ظلمًا، فقد كان ذلك بناءً على الصلح الذي عُقِد في حينها، ولكنّه هلك الآن، فماذا تفعل أنت في البين؟ اذهب لحال سبيلك! فقال يزيد: لا! أنا لن أذهب، وعليك أن تُبايعني، وإلاّ سأبعث إليك بجيش. فقال له الإمام الحسين: افعل ما يحلو لك! ولقد فعلوا ما فعلوا.. فعلوا كلّ ما يحلو لهم.

    

التعصّب منبوذ ولو صدر من الشيعي

فإن كنَّا نحن الشيعة لا نتحمّل سماع كلمة الحقّ، فكيف نتوقّع من أهل السنّة أن يفعلوا ذلك؟ فهم يقولون لنا: ها أنتم مثلنا، فكما أنَّنا لا نتنازل عن موقفنا من هذه القضيّة، فأنتم كذلك لا تتنازلون عن موقفكم في تلك القضية؛ فهذه بتلك! وكما أنّكم تضعون الحقّ تحت أقدامكم في هذه القضيّة، فإنّنا نفعل نفس الشيء بالنسبة إلى تلك القضية، فأصبحنا متعادلين والحال هذه، ولا ينبغي لأحدنا التدخّل في شؤون الآخر؛ فإن كان عليَّ أن أتنازل عن موقفي هذا، فعليك أنت أيضًا أن تتنازل عن موقفك ذاك. فما الذي سيحصل حينها [لو تعامل الطرفان بهذه الطريقة]؟ سوف يسود الصفاء بيننا عندئذ؛ ففي عصر ظهور إمام الزمان عليه السلام، على الجميع أن يضعوا ما اختلفوا عليه جانبًا؛ فعلى السنّي أن يضع ما سار عليه من خطإ جانبًا، وعلى الشيعي أن يضع جانبًا تلك الأمور غير الصحيحة التي كان يقوم بها.
فعلى الشيعة الاعتراف بأنّ ما يقوم به أهل السنّة من التفريق بين الصلوات هو الصحيح، وأنَّ ما نحن عليه من الجمع بينها هو عمل خاطئ، فعلينا أن نعرف بأنَّه ليس كلّ ما يفعله أهل السنّة هو خاطئ، بل علينا متابعة سنّة النبيّ والأئمّة المعصومين من أهل بيته، حيث كانت سنّتهم تتمثّل في أداء الصلاة في خمسة أوقات؛ هل هذا واضح؟ فما نقوم به من الجمع بين الصلوات هو أمر خاطئ، وما يفعله أهل السنّة هو الصحيح. فعلينا الإقرار بصحّة العمل الصحيح، وسقم العمل الخاطئ؛ فإن كنَّا كذلك، فعندها سنستحقّ التشرّف بخدمة إمام الزمان عليه السلام؛ وعندها، سيقول الإمام: ها قد حصل تطوّر إيجابي! فعليك التخلّي عن تعصّبك أيّها السنّي، كما عليك أنت الشيعي أن تتخلّى عن تعصّبك أيضًا؛ فعلى كلا الطرفين أن يتخلّيا عن تعصّبهما الجاهلي.
فإن كان أحدهم يعترض على بعض الأمور بصفته زعيمًا أو مسئولاً، فيمكن أن يكون هنالك الكثير ممّن يعترضون عليه بسبب العديد من المسائل؛ فإذا ظهر الحقّ، فلا ينبغي للإنسان أن يُعاند حينئذ، بل عليه أن ينصاع له ويقبله. فإذا كان هذا العمل خاطئًا، عليّ أن أقبل، كما أنّه إذا كان ذلك العمل صحيحًا، فعليّ أن أقبل أيضًا؛ وعند ذلك سنرى كم ستأتلف القلوب؛ لأنَّ الجانب المقابل سيشعر بعدم وجود الحقد والضغينة لدى هذا الجانب.
أذكر عندما كنت أتباحث مع بعض أهل السنّة في المسجد الحرام، حيث كانت تستغرق هذه المباحثات في ذلك الوقت ثلاثة أو أربعة ساعات وفي بعض الأحيان ساعتين، وكان ذلك في الزمن السابق، وأمَّا الآن، فإن حالي لا يُساعدني على ذلك؛ وفي إحدى المرّات، عندما تشرّفت بزيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، وكان ذلك قبل وقت طويل، حصلت مناظرة بيني وبين جمع يتكوّن من عشرة إلى إثني عشر رجلاً منهم، وكان بينهم بعض الضبّاط من رجال الأمن، لكن، كان هناك واحدًا من أولئك الذين يمسكون [عصا] بأيديهم يحاول تفريق المجلس، فكان يقف فوق رؤوسنا ويصيح ويصرخ، ثمّ يذهب ويعود مرّة أخرى لمعاودة الكرّة.
لقد قلت لهم كلمة واحدة: أنتم تدّعون بأنّكم من أهل السنّة، وأنَّكم تتّبعون سنّة النبي، وتعتبروننا منحرفين ولدينا قرآنًا محرّفًا؛ حسنًا، أنا مستعدّ لتوفير بطاقات سفر بالطائرة إلى إيران ذهابًا وإيابًا لكم أنتم الإثنا عشر رجلاً؛ على أن تتولّون أنتم موضوع الحصول على تأشيرة الدخول بأنفسكم؛ فتأتون إلى إيران، وتدخلون فجأة إلى أيّ بيتٍ من بيوت الإيرانيّين بدون علم مسبق من صاحب ذلك البيت بالموضوع، فتشاهدون المصاحف التي يحتفظ بها الناس في غرفهم. قلت لهم: لو أنَّكم دخلتم بيتي، فستجدون في كلّ غرفة عشرة إلى إثني عشر من المصاحف، وجميعها من مصاحف فهد، فليس لدينا سواها؛ فهل تريدون أكثر من ذلك؟! فما أكثر المصاحف التي جلبها لي الأصدقاء والرفقاء من مكّة والمدينة، بحيث إنَّني وزّعتها على الرفوف، ولا يوجد بينها غير تلك المطبوعة بمطبعة فهد؛ فما الذي تقولونه الآن؟! فالقرآن الذي لدينا، والذي أقرأه أنا هو من تلك النسخ التي طُبعت هنا، وجُلبت لي من هذا المكان، فماذا عساكم أن تقولون الآن؟! فبُهتوا. حسنًا، لماذا تكذبون علينا إذًا؟ ولماذا تتّهمون الشيعة بما ليس فيهم؟
وكان آخر ما قلته لهم هو: سأطرح عليكم شيء آخر، ولن يستطيع أيّ أحد منكم أن ينقضه؛ ألا وهو: لنتخلّى عن معتقداتنا جميعًا؛ فأنا أتخلّى عن كوني شيعيًّا، وأفرض نفسي أنّني أصبحت مسيحيًّا؛ وعليكم أنتم أن تفعلوا الشيء نفسه، فتتخلّون عن عقيدتكم وتصبحون مسيحيّين؛ فهل لديكم اعتراض على هذا المقترح؟ قالوا: لا. وهم لا يعلمون ما الذي أخبّأه لهم، وكيف سأحجّهم. وقد كان بينهم إثنان أو ثلاثة من الضبّاط، وكانوا ينصتون بإمعان، من دون أن ينبسوا ببنت شفة، ولكنّهم كانوا يُصغون جيّدًا؛ ولقد كنت أعلم بأنَّهم كانوا يُصدّقون بهذه المطالب؛ لأنّ ذلك كان واضحًا من نظراتهم، غير أنَّهم كانوا يلتزمون الصمت، ولا يتكلّمون بشيءٍ أبدًا.
ثم التفتُّ إليهم قائلاً: نريد، أنا وأنتم، ومن الغد أن نعتنق الدين الإسلامي، ونحن لا نعلم شيئًا عن عليّ ولا عن أبي بكرٍ، فنذهب إلى إحدى مكتباتكم، لا إلى مكتبة شيعيّة؛ فإذا وجدنا بأنَّ أبا بكرٍ هو الرجل الأفضل لخلافة النبيّ، فإنّنا سنقبل بذلك؛ فهل توافقون؟ لكن إذا وجدنا من خلال كتبكم بأنَّ عليًّا هو المستحقّ للخلافة بعد النبيّ، فسنقبل بذلك كلّنا؛ فما الذي تقولوه الآن؟ فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض، ولم يتفوّهوا بشيء.
فقلت لهم: لماذا لا تتكلّمون؟ فقد كنتم قبل لحظة تتكلّمون، وكانت ألسنتكم تدور في أفواهكم كالمغزل، حتّى إنَّني لم أكن أفهم ما يقولون [نتيجة لسرعتهم في الكلام]، فكنت أقول لأحدهم: أنا لا أفهم ما تقول، فقد أمطرتني بوابل من الكلمات، فتكلّم بهدوء لكي أفهم ما تقول! وقد استمرّ كلامهم لأكثر من ثلاث ساعات، فقلت لهم: أمّا فيما يتعلّق بموضوع القرآن، فأنا مستعدّ لدفع ثمن بطاقات الطائرة، وتقومون أنتم بتهيئة تأشيرة الدخول بأنفسكم، ثمّ تأتون، وتدخلون إلى أيّ بيت من بيوتنا وبدون علم مسبق، لتتصفّحوا نسخ القرآن الموجودة على رفوف مكتباتنا، وتروا بأنفسكم هل هي مختلفة عن غيرها من النسخ الموجودة لديكم أم لا؟ ثم اجلسوا جنب أحد المصلّين في مساجدنا، وبدون أن يشعر بكم، لتسمعوا بأنفسكم ما الذي يقوله بعد التسليم، فهل هو يقول: الله أكبر، أم يقول: خان الأمين، أي نفس ما يقوله لكم علماؤكم من أنَّ الشيعة يتهمّون جبرائيل بالخيانة.
كنت في المدينة أصلّي إلى جنب المرقد المطهّر للرسول الأكرم يومًا، فرأيت رجلاً عربيًّا ــ لقد كان رجلاً جاهلاً مستضعفًا، تمّ تضليله من قبل البعض ــ يقول: كذب والله الشيعة حينما قالوا: خان الأمين، فأنت المبعوث بالرسالة يا رسول الله لا عليّ، والشيعة تكذب فيما تدّعي. كما أنّه قرأ بيتين من الشعر بهذا المضمون، ولقد حفظتهما حينها، وصمّمت على الإسراع بكتابتهما، إلاّ إنَّني نسيتهما بعد ذلك، وسأبحث عنهما[13]. نعم، لقد كان يردّد ذلك الشعر مرارًا. فقلت في نفسي: يا له من مسكين! فهو يعتقد نتيجة لجهله بأنَّ الشيعة تتهمّ جبرائيل بالخيانة. فكان يقول: لعنهم الله، إنَّ الوحي نزل بالرسالة عليك يا رسول الله لا على عليّ كما يدّعون. ولقد كان يبكي بحرقة، وكانت الدموع تسيل من عينيه، فأردت أن أجلس معه في إحدى زوايا المسجد بعد انتهاء صلاتي لأقول له: ما هذا الذي تقوله يا هذا؟ وأيّ كلام هذا الذي تتفوّه به؟ إلاّ أنَّه كان قد غادر، ولم أعثر عليه بعد ذلك.
حسنًا، فقلت لهم: تستطيعون أن تجلسوا جنب أحد المصلّين في المسجد، وبدون أن يشعر بوجودكم، واسمعوا بأنفسكم ما الذي يقوله عند انتهاء صلاته، فهل يقول: الله أكبر، أو يقول: خان الأمين؟ فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض، ولم يكن لديهم ما يقولونه.
وكان آخر ما قلت لهم هو: سوف أتخلّى عن تشيّعي، وتخلَّ أنت عن تسنّنك، وليصبح كلّ واحد منَّا مسيحيًّا؛ وها نحن نريد أن نعتنق الإسلام ابتداءً من الغد، فسوف نقبل بنبوّة النبيّ، ولكن، ماذا عن الشخص الذي بعد النبيّ؟ فإن عثرت في كتبكم على ما يشير إلى أفضليّة أبي بكر وعمر، فسأصبح سنّيًا. أمّا إن وجدتّم بأنفسكم ومن خلال كتبكم ومصادركم بأنَّه لا يوجد من يستحقّ الخلافة بعد النبي غير عليّ، فعليكم والحال هذه أن تنتسبوا إلى المذهب الشيعي. فظلّوا مطرقين برؤوسهم دون أن ينطقوا بكلمة. فقلت لهم: لماذا لا تتكلّمون؟ ثمّ قلت لهم في نهاية المطاف: حسن جدًّا، أستودعكم الله، لقد أتممت عليكم الحجّة، وأنا أُشهد هذا البيت على أنَّني قد أبلغتكم.
أتلاحظون؟ إنَّ التعصّب مرفوض وباطل من أيّ طرف كان؛ فلقد أتممت عليهم الحجّة في تلك الليلة، فعليهم أن يجيبوا عن ذلك، فسوف يحضرهم الله يوم القيامة، ويقول لهم: ألم يُتمم ذلك السيِّد الحجّة عليكم مقابل حِجر إسماعيل؟ أَفَعل ذلك أم لم يفعله؟ فعندما عجزتم عن الإجابة عمّا طرحه عليكم، لماذا لم تواصلوا التحقيق في الموضوع؟ ولا أدري، فلعلّهم قد واصلوا التحقيق فيه؛ فهذا مما لا علم لي به، ولكنهم بحسب الظاهر لم يردّوا عليّ بشيء.
وعندما خرجت من المسجد، جاءني رجلان إيرانيّان ـ وكانا طبيبين ـ وقالا: السلام عليكم، كيف حالكم؟ فقلت لهم: شكرًا لكم! قالا: نحن لم نفهم ما الذي كنت تتكلّم به معهم، ولكن، طيّب الله أنفاسك؛ فمن الواضح أنّك قد أفحمتهم! فنحن لم نفهم ما قلتَ لهم، ولكنّه كان واضحًا من ملامحهم أنّك أفحمتهم. فقلت لهم: ادعوا الله أن يهدينا جميعًا، وأن يبقينا متمسّكين بولاية عليّ عليه السلام، فهذا هو المهمّ في الأمر.
ونحن عندما ننتقدهم، علينا أن نضع نصب أعيننا بأنَّهم من عباد الله أيضًا، وعلينا أن ندعو لهم بالهداية، فلا ينبغي لنا أن ننسب ذلك لأنفسنا، بل علينا أن نعرف بأنَّ ما نحن عليه الآن من التوفيق بمتابعة الإمام عليّ عليه السلام والإيمان بولايته، وإيماننا بأنّنا تحت ظلّ ولاية إمام الزمان عليه السلام، كلّ ذلك إنَّما هو من فضل الله علينا، وليس لنا أيّ فضل فيه؛ كما علينا أن ندعو لهؤلاء المساكين الذين نراهم بهذا الحال لكي يشملهم التوفيق الإلهي بالهداية.

    

لا تصنّع في تصرّفات الأولياء وحالاتهم

فعلى أيّة حال، إنّ تلك الأدعية التي يدعو بها الأئمّة عليهم السلام تمثّل واقع حالهم، ولم يكونوا يدعون بها من أجلنا نحن، بل كانوا يدعون بها لأنفسهم؛ وذلك هو واقع حالهم، وتلك هي عبادتهم، ومناجاتهم، وكيفيّة التجائهم إلى الله؛ ولو أنَّني لم أكن قد رافقت أولياء الله ورأيت أحوالهم عن قرب ـ مثل حال المرحوم العلاّمة وحال المرحوم السيِّد الحدّاد رضوان الله عليهما ـ لما تكلّمت بهذا الكلام؛ فكلّ ما رأيت وسمعت من كلماتهم وتصرّفاتهم وأساليبهم وتعاملهم في هذا الميدان، هو نفس هذا المضمون الذي يناجي به الإمام السجّاد عليه السلام الله في دعاء أبي حمزة هذا.
فلم يكن تصرّف أولياء الله ذاك من أجل أن يُرونني ما هم عليه، بل كان ذلك هو واقع حالهم. فلو شككنا بهدف صدور هذا الدعاء من الإمام السجّاد عليه السلام، فإنه لا يمكن التشكيك بما رأيته من العظماء بنفسي، فهل كان ما يفعلونه لا واقع له؟! وهل كان ما يفعلونه من باب التمثيل؟! هل كان السيِّد الحداد يقوم بالتمثيل أمامي؟! وهل كانت كلّ تلك الدموع التي تسيل من عينيه من باب التمثيل؟!
وكيف يمكن تفسير ما كان يصرّح به من أنَّه يرى نفسه صفرًا، وعندما كان يقول: (يا سيِّد محمّد حسين، يحصل لي بعض الحالات أرى نفسي فيها من أسوء خلق الله على الأرض)؟ إنّ هذا ممّا يجعل الإنسان يتحيّر ويُذهل! فعندما ننظر إلى سيماء هذا الرجل، ونرى تصرّفاته، وحالاته نقول: كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟
فمن جهة أولى، نراه يقول: أنا في مقام لا يمكن حتّى لجبرائيل أن يصعد إليه ويصل إليه! ومن جهة أخرى، نجده يقول أيضًا: أنا أسوء خلق الله. فهذا هو عبارة عن ذلك المقام الذي يرى فيه الإنسان نفسه واقعةً بين أمرين: فعندما يلاحظ الجانب الذي يربطه بالله، يرى نفسه شيئًا آخر، وعندما يلاحظ الجانب الذي يمثل ارتباطه بنفسه وفقره وماهيّته وحيثيّته الوجودية، يقول: أنا من أسوء خلق الله، وجميع الناس أشرف وأفضل منِّي، بل ويتمتّع الجميع بصفة الحسن عداي أنا، وكلّ الصفات الحسنة التي عند الناس لست حائزًا عليها. فعندما ينظر إلى نفسه: فهو يقول: «الهی، چون در تو نگرم از جمله تاج دارانم وتاج بر سر، وچون در خودم نگرم از جمله خاکسارانم وخاک بر سر[14]». يقول: إلهي، عندما أنظر إليك، أرى نفسي من أصحاب التيجان، وأراني عَلمًا ومفخرةً، وعندما أنظر إلى نفسي، أراني ممّن يفترش التراب، وتبًّا لي ويا ويلي.
حسنًا، لقد كان حديثنا هذه الليلة يدور حول حال الإمام عليه السلام وموقفه فيما يخصّ ارتباطه بالله تعالى في هذه الأدعية والمناجاة، ونسأل الله العليّ القدير أن يمنَّ علينا جميعًا بفهم هذه المطالب والمباني، وأن يجعلنا من تابعي ومقتفي خُطى هذه المدرسة وهذا الحرم القدسيّ.
الّلهمّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد


[1] ـ المراد منه كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عبّاس القمّي . (المترجم)

[2] ـ مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة.

[3] ـ عَوَالِي اللآلِي، عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قَالَ: الشَّرِيعَةُ أَقْوَالِي والطَّرِيقَةُ أَقْوَالِي والْحَقِيقَةُ أَحْوَالِي والْمَعْرِفَةُ رَأْسُ مَالِي والْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي والْحُبُّ أَسَاسِي والشَّوْقُ مَرْكَبِي والْخَوْفُ رَفِيقِي والْعِلْمُ سِلَاحِي والْحِلْمُ صَاحِبِي والتَّوَكُّلُ زَادِي والْقَنَاعَةُ كَنْزِي والصِّدْقُ مَنْزِلِي والْيَقِينُ مَأْوَايَ والْفَقْرُ فَخْرِي وبِهِ أَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ والْمُرْسَلِينَ.

[4] ـ مناقب بن شهر آشوب، ج 3، ص 433. [المترجم]

[5] ـ ذكر سماحة آية الله الحاج السيِّد محمّد محسن الحسيني الطهراني في كتابه "نوروز در اسلام" ص 273، نقلاً عن الآلوسي في كتابه بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، ج 1، ص 364: قدم النبي المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنَّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر. قيل: هما النيروز والمهرجان. انتهى [المترجم]

[6] ـ معرفة الإمام، ج 9، ص 213: روى فُرات بن إبراهيم الكوفي عن محمّد بن ظهير، عن عبدالله بن الفضل الهاشميّ، عن الإمام جعفر الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ: يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ أفْضَلُ أعْيَادِ امَّتِي، وَهُوَ اليَوْمُ الذي أمَرَنِي اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِنَصْبِ أخِي عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَماً لُامَّتِي يَهْتَدُونَ بِهِ مِنْ بَعْدِي، وَ هُوَ اليَوْمَ الذي أكْمَلَ اللهُ فِيهِ الدِّينَ، وَ أتَمَّ على امَّتِي فِيهِ النِّعْمَةَ وَ رَضِيَ لَهُمُ الإسْلَامَ دِيناً.

[7] ـ شهر فروردين هو الشهر الأوّل من الأشهر الفارسيّة الشمسيّة ويتوافق الأوّل منه مع اليوم 20 أو 21 من شهر مارس الميلادي. [المترجم]

[8] ـ شهر خرداد هو الشهر الثالث من الأشهر الفارسية الشمسية ويتوافق الثاني عشر منه مع اليوم الأوّل أو الثاني من شهر يونيو الميلادي. [المترجم]

[9] ـ كلمة نوروز هي كلمة الفارسية تتكوّن من مقطعين وهما "نو" ويعني الجديد و"روز" ويعني اليوم؛ فيصبح معنى الكلمة والحال هذه: اليوم الجديد. [المترجم]

[10] ـ تم طباعة كتاب الرسالة النكاحية، تحديد النسل ضربة قاصمة لكيان الأمة الإسلامية عام 1415 للهجرة، أي مضى على طباعته حتّى هذا اليوم أكثر من عشرين عامًا. [المترجم]

[11] ـ المثنوي، ج 3، ص 446.

[12] ـ وهو ما يمثّل الهلال الأحمر زمن الطاغية البهلوي [المترجم].

[13] ـ ذكر القاضي نور الله التستري في كتابه الصوارم المهرقة، ص 78 هذا البيت من الشعر: غلط الأمين فجازها عن حيدرٍ                              والله ما كان الأمين أمينا
وهو يقول بأنَّ هذا الشعر هو لأحد شعراء أهل البيت، والشاعر يقصد بالخائن هنا أبا عبيدة الجرّاح الذي يسمّيه القوم بأمين الأمّة، حيث كان هو الذي خاصم وتجادل مع علي عليه السلام في أمر الخلافة عند إحضارهم إيّاه إلى مسجد النبيّ بعد بيعة السقيفة ليأخذوا منه البيعة. ولعلّ هذا البيت من الشعر هو ذلك البيت الذي كان يردّده الرجل. [المترجم]

[14] ـ مقطع من مناجاة الشيخ عبد الله الأنصاري. [المترجم]

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی