معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > أعياد و مناسبات إسلامية > لماذا جعلت ليلة القدر بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام؟ وبعض توصيات شهر رمضان المبارك

_______________________________________________________________

هو العليم

بحث منتخب

لماذا جعلت ليلة القدر
بعد وفاة أمير المؤمنين؟
وبعض توصيات شهر رمضان المبارك

مقتطفة من محاضرة عنوان البصري 170
22 شعبان المعظم 1430 هـ

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني حفظه اللـه

 

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

    

وصايا في كيفيّة الدخول على شهر رمضان المبارك

إنَّ شهر رمضان على الأبواب، ومن المؤكِّد أنَّ للمواضيع المطروحة هنا أهمّية كبيرة في هذا الشهر، حيث بالإمكان الاستفادة منها فيه، كما أنَّها من الأمور المبتلى بها في هذا الشهر الفضيل.
وقد كان العظماء يبدون اهتمامًا شديدًا بشهر رمضان، ويؤكّدون كثيرًا على ضرورة مراعاة [حرمته]، كما يُستفاد من كلامهم بأنَّ مصير الإنسان للسنة القادمة يتحدّد بواسطة هذا الشهر؛ أي بالطريقة التي سيُمضي المرء هذا الشهر؛ إذ إنَّ كلّ ما سيقع له في سنته القادمة، سيكون متوافقًا مع الكيفيّة التي أمضى فيها شهر رمضان، حيث سيتمّ دفعه إلى الأمام؛ ولذا، تراهم يؤكِّدون على هذا الموضوع كلّ ذلك التأكيد.
فمن بين المواضيع التي كانوا يوصون بها هي: الغسل والتوبة قبل دخول شهر رمضان، حيث كانوا يوصون رفقاءهم وأصدقائهم بغسل التوبة والتوجّه إلى الله بطلب العفو والمغفرة عمّا ارتكبوه من الأخطاء والزلاّت، وأن يعلموا بأنّ الله تعالى قد مدَّ هذه المائدة، وفرض على العباد وألزمهم الجلوس عليها.. أتعلمون ماذا يعني الفرض والإلزام؟ فقد يدعو أحدهم صديق له للحضور لتناول الطعام لديه وذلك بالاتّصال به هاتفيًّا أو يرسل إليه رسالة شفويّة، أو رسالة تحريريّة تعبيرًا عن الاحترام لدعوته للحضور في يوم محدّد، لكن في بعض الأحيان، قد يعمد إلى إرسال ممثّل عنه لدعوته، ويقول لممثّله: إن لم يُلبّ الدعوة، فقم بالإلحاح عليه وإحضاره! فيذهب هذا الممثّل ويُصرّ على حضوره، إلاّ أنَّ إصراره لا يجدي نفعًا، فيعود. فيقول له: ارجع إليه من جديد، وقم أنت بتغيير ملابسه بنفسك، واجلبه بالقوّة وإن كان ارتداءه لملابسه غير مكتمل.
فبهكذا أسلوب يدعونا الله لتلبية دعوته في شهر رمضان؛ أي أنَّه يُجلسنا على مائدته بالقوّة سواء كنَّا راضين بذلك أم مكرهين عليه.. فهذا هو معنى الفرض. أمّا الموارد الأخرى التي لا يكون فيها فرض، فهي من قبيل الدعوة إلى صيام شهر رجب أو شعبان، حيث كان رسول الله يصل شهري رجب وشعبان برمضان، ويصوم الأشهر الثلاثة معًا. فالصيام في شهري رجب وشعبان غيره في شهر رمضان، إذ يتمّ فيهما الدعوة إليه بالقول: تفضّلوا ها هي المائدة مُعدّة «ومَوائِدُ المستَطعِمِينَ مُعَدَّةٌ[1]»؛ أي أنّ الله تعالى يُرسل لنا بطاقة دعوة لصيام شهري رجب وشعبان، حيث إنّ دعوة الأنبياء والأئمّة وجميع هذه الروايات الواردة بهذا الشأن هي عبارة عن بطاقة دعوة لنا، فيستطيع الإنسان أن يصوم منهما بما يتناسب مع قابليّته وقدرته ووضعه ومزاجه، كما جُعل المرء في سِعة من أمره، فإن كان لا يُريد الصيام، فهو ليس ملزم عليه.
وأمّا في شهر رمضان، فالأمر مختلف، حيث لا وجود لإرسال بطاقة دعوة وتمنِّي الحضور هنا! بل يتمّ ذلك عن طريق الفرض والإلزام؛ فالإلزام يعني إخراج الفرد من بيته عنوة ووضعه في سيّارة وجلبه وقفل الباب عليه من الداخل وإجلاسه على المائدة، فما الذي سيُمكنه فعله والحال هذه؟ فهذه هي الطريقة التي يدعونا الله بها لصيام شهر رمضان! فموضوع الإلزام في شهر رمضان هو موضوع آخر.
ولهذا، فقد منَّ الله علينا في شهر رمضان، حيث جعل ليلة قدرنا وتحديد مصيرنا المستقبلي في هذا الشهر، ولم يجعله في شهر رجبٍ أو شعبان، ولا في شهر ذي الحجّة أو في شهر محرّم أو صفر، بل جعلها في شهر رمضان، فقال: عليك الصيام حتّى تصل إلى ليلة القدر؛ فلو أنَّ الله كان قد جعل ليلة القدر في الخامس عشر من رجبٍ على سبيل المثال، وهو لم يفرض صيام شهر رجب، فسيصوم بعض الناس ولا يصوم البعض الآخر؛ لأنّ للصيام شروطه الخاصّة به، حيث على الصائم الامتناع وكفَّ النفس وحفظها عن الكثير من الأمور، فيتمّ الشعور بحصول حالة من التجرّد والنورانيّة واللطافة والصفاء في نفسه؛ فلو أنَّ الله قد جعل ليلة القدر هي ليلة الخامس عشر من رجب، وقال: «من شاء أن يصوم فليصم، ومن لم يشأ فلا يصوم»، فلن يصوم الكثير من الناس، وسيقضون ليلة القدر كبقيّة الليالي الأخرى من دون أن تختلف عنها في شيء؛ ولذا، فقد جعل الله ليلة القدر في شهر رمضان، بل وجعلها ليلة الثالث والعشرين منه؛ وهذا يعني بأنَّك قد صمت اثنين وعشرين يومًا لحدّ الآن، فستكون بجلوسك على هذه المائدة في هذه الاثنين والعشرين يومًا قد تخلّيت عن الأخطاء والزلاّت التي ارتكبتها سابقًا؛ فإن كنت تتعامل بخشونة مع الآخرين، فقد تطهّرت منها بعض الشيء خلال هذه الاثنين والعشرين يومًا، وإن كنت تغتاب الآخرين وتمضي أوقاتك باللعب واللهو، فقد حصل لك تغيّر وتبدّل في هذه الاثنين والعشرين يومًا. فلهذه الأسباب، ترى الله يجعل ليلة القدر ليلة الثالث والعشرين من الشهر المبارك؛ وذلك لكي ندرك ليلة القدر ونحن مستعدّين لها، ونكون قد وثّقنا علاقتنا بالله خلال هذه الاثنتين والعشرين يومًا، وأحكمنا ربط أنفسنا بحبل الله المتين، واستحصلنا في أنفسنا ذلك الصفاء النفسي اللازم لاستفاضة لطف الله وكرمه علينا؛ وحينئذ، إن أراد الله أن يُعيِّن مصيرنا للسنة القادمة في مثل هذا الوقت ووفقًا للحال الذي نحن عليه من الصفاء وطبقًا لاختيارنا وسعة قلوبنا ومقدار تقبّلنا، فسيختلف الأمر كثيرًا عمّا إن جرى ذلك بشكل عشوائي وعفوي، وذلك بأن يُمضي المرء أيّامه بشكل عادي، ليقول له الله دفعة واحدة بأنَّ ليلة قدرك ستكون بعد ليلتين! فيكون قد أمضى أيّامه بأيّ نحوٍ كان، وارتكب كلّ ذنب، وجال بصره في كلّ مكان، واستمعت أذنه لأيّ صوت، وجرى على لسانه أيّ كلام، ووطأت قدمه أيّ مكان، وتعلّق قلبه بكلّ شيء، ثم يقول له الله: ستكون الليلة القادمة هي ليلة قدرك؛ فسيكون الأمر هنا نظير ما إن قيل لطالب: سيكون يوم غد هو يوم الاختبار! فمن المؤكّد بأنَّه سيقول: كان يجب عليكم أن تخبروني قبل شهر من الزمان على أقلّ تقدير لكي أستعدَّ له؛ فإخباركم إيّاي بالأمر في هذا الوقت المتأخّر هو مساوق لمنحي شهادة الفشل في الامتحان، وذلك لعدم استعدادي له.

    

حكمة جعل ليلة القدر في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان

فبناءً على ما تقدَّم، يكون لجعل ليلة القدر في الثالث والعشرين من شهر رمضان أهمّية كبيرة، حيث إنّها تأتي بعد أن يكون الناس قد صاموا إثنين وعشرين يومًا، فقاموا خلالها بالابتهال وقراءة أدعية أبي حمزة الثمالي ودعاء الافتتاح، وازداد توجّههم نحو الله، وازدادت مراقبتهم لأنفسهم، وسيحصل للصائم الاستعداد والتأهيل شاء أم أبى؛ فمثله هنا يكون كمثل سيّارة تسير في طريق منحدر، حيث لا تحتاج ـ والحال هذه ـ إلى صرف المزيد من الوقود. فيُلاحظ المرء عدم الرغبة لديه في ارتكاب الذنب، ويجد انتفاء تلك النزعة للقيام بالأعمال المنافية للشرع وأعمال العبث واللغو واللهو، بل لا يجد في نفسه المزاج المساعد على القيام بها، ويشعر الإنسان بأنَّ الجوّ قد تبدّل بشكل أساسي، وحاله قد تغيَّر؛ فيكون قد صام هذه الأيّام، ثمّ وصل إلى أيّام جرح أمير المؤمنين وشهادته والإحياء الذي يقوم به الصائم في هذه المناسبات، ويكون قد أمضى لياليه في التوسّل، فحصلت له رقّة قلب، واتّخذ له شفيعًا في هذه الليالي من أجل الوصول إلى المقصد.. فجميع هذه الأمور لم تأت صدفة، بل كلّ شيء يحصل هنا يكون مخطّطًا له بشكل دقيق ومحسوب له الحساب جيّدًا؛ فهل تعتقدون بأنَّ وقوع جرح أمير المؤمنين في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان وشهادته في الحادي والعشرين منه قد حصل صدفة؟ كلاّ، بل خُطِّط لذلك بدقّة وحُسب له حسابه، وتمّ التخطيط لكلّ صفحة وكلّ خطٍّ بل وكلّ نقطة، وذلك بأنَّ يُجرح أمير المؤمنين في ليلة التاسع عشر ويبقى بعدها ليلتين ليُستشهد في ليلة الحادي والعشرين، ثم تحلّ ليلة الثالث والعشرين لتأتي رحمة الله الواسعة لكي تنقذنا ممّا نحن فيه.
وإنّه لعجيب جدًّا أمرُ تلك النفس التي لاقت ما لاقت في هذه الدنيا، وكيف أمضت أيّامها فيها، وكيف دخلت هذه الدنيا وخرجت منها وعلّمتنا بذلك معنى الإنسانيّة! حيث يتعجّب المرء حقًّا عندما يفكّر في أحوال أمير المؤمنين ويغور فيها. ولقد استعرضت للإخوة في مجلس يوم الخامس عشر من شعبان قضيّة واحدة من تلك القضايا التي مرّت على أمير المؤمنين، وعلِم الإخوة ما الأمر، وعرفوا من يكون أمير المؤمنين.. لا أقول بأنَّنا قد تمكنَّا من معرفة أمير المؤمنين، بل يمكن القول بأنَّ زاوية من زوايا حياته قد اتّضحت لنا. ولقد أخبرتكم بأنَّني بقيت مستغرقًا في التفكير لمدّة ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات، كنت خلالها أفكّر في واحد من أعماله فقط لإيجاد تفسيرٍ لما قام به؟ وهو ما حصل في معركة صفّين عند مواجهته لذلك الماكر.. أكبر محتال في التاريخ؛ ألا وهو عمرو بن العاص. فيا أيّها الذين لم تصل تلك الأمور إلى مسامعكم لحدّ الآن، أنصتوا جيّدًا، وانظروا كيف كان إمامنا، ومن كان إمامنا، وماذا يقول عنه الآخرون! فالهدف من كلّ ما جرى من تجهيز الجيوش والحرب التي استعرت لمدّة ثمانية عشر شهرًا، كان من أجل اجتثاث جرثومة الفساد أي معاوية بن أبي سفيان؛ وعندما كادت تلك الجهود أن تؤتي ثمارها وبضربة واحدة من أمير المؤمنين، [وإذا به يمتنع عن ضرب عمرو بن العاص في ذلك الموقف المعروف]؛ فهنا لم يكن الأمر مماثلاً لما حصل مع مالك الأشتر عندما طلب مهلة ساعة من أمير المؤمنين لحسم الأمر.
فلقد طلب مالك الأشتر من أمير المؤمنين أن يُمهله ساعة واحدة في الواقعة التي حصلت [في ليلة الهرير، فلسان حال مالك يقول:] لأيّ شيءٍ قد جئنا إلى هنا؟! فما هي إلاّ ساعة واحدة وأصل إلى خيمة معاوية! فقد حاصر معاوية من جهتين، بحيث لا يستطيع معاوية حتّى الفرار، وأُطبقت عليه فكّي الكمّاشة: أولئك من ذاك الجانب، وكان مالك من الجانب الآخر يضرب ويتقدّم؛ وفي هذه اللحظة، يأتيه الأمر من أمير المؤمنين بالتوقّف عن الحرب، فقال مالك: أمهلني ساعة لأنهي الحرب خلالها، فقال له أمير المؤمنين: توقّف عن الحرب! فأرسل مالك إلى أمير المؤمنين ثانية يطلب منه مهلةً، فقال له أمير المؤمنين: إن كنت تريد أن ترى عليًّا حيًّا، فتوقّف عن الحرب! ما الذي يعنيه هذا؟ يعني بأنَّ حياة أمير المؤمنين مقدّمةً على كلّ شيء.. هذا هو معنى الكلام إذًا! هذا فيما يتعلّق بموضوع مالك الأشتر، فماذا عمّا حصل مع أمير المؤمنين نفسه؟
فكلّ ما جرى في صفّين كان من تدبير عمرو بن العاص، حيث كان معاوية يلوذ بعمرو بن العاص في المواقف المختلفة؛ فهو الذي أنجاه من تلك الواقعة وذلك العسر والحرج الذي أوقعه فيه مالك الأشتر، وذلك حين أمر برفع المصاحف على رؤوس الرماح. وقبل حصول تلك الواقعة، سنحت الفرصة لأمير المؤمنين لقتل عمرو بن العاص بضربة سيف واحدة، حيث سينتهي بذلك كلّ شيء، وتصبح الشام جزءًا من الدولة الإسلاميّة، وتستقرّ الحكومة الإسلاميّة في الشام. فلو هلك عمرو بن العاص؛ لانتهى كلّ شيء؛ لأنّه المخطِّط لكلّ ما جرى، وكان بمثابة مدير غرفة العمليّات في جيش معاوية، وكلّ ما حصل كان من تدبيره هو. فعندما رأى أنَّ أمير المؤمنين فوق رأسه، لم يجد مفرًّا له سوى تلك الفعلة الشنيعة التي قام بها، فأدار أمير المؤمنين رأسه عنه، وانقلبت الأمور رأسًا على عقب؛ أي إنَّ تلك الحرب وذلك التعسكُر كاد أن يؤتي ثماره؛ وإذا بكلّ شيء يعود إلى نقطة الصفر في ظرف عشر ثوانٍ، وانتهى بذلك كلّ شيء؛ فما الذي يعنيه عمل أمير المؤمنين هذا؟ حقيقةً.. ما الذي يعنيه؟

    

السرّ في عفو أمير المؤمنين عليه السلام عن عمرو بن العاص

ولقد قلت لكم بأنَّني بقيت أفكّر في هذا الموضوع لمدّة ثلاث ساعات، ولم أصل في تفكيري إلى أيّة نتيجة، فقطعت سلسلة أفكاري وتخلّيت عن التفكير فيه وعن حقيقة الأمر هنا، وعن ما هي تلك العظمة التي نعجز عن إدراكها؛ فكم هو مقدار الكرم الذي يمتلكه أمير المؤمنين! وكم هو من عظيم، بحيث تعمل عظمته على تحطيم عقولنا وفهمنا، ولا تسمح لهذا العقل من إدراكها! أي إنَّنا نتحطّم ونتلاشى ولا نتمكّن من إدراك تلك العظمة؛ فما هي حقيقة ذلك الحياء؟ وما هو الشعور الذي كان ينتابه في ذلك الموقف؟
دعوني أبوح لكم بسرٍّ هنا، ولقد أخبرتكم بعدم تمكّن عقلي من إدراك ما حصل! حيث وصلت إلى هذه النتيجة ولم أتمكّن من الاستمرار؛ ولا شكّ من وجود تفسير أعلى من هذا، ولكنَّنا نعجز عن إدراكه. فالذي توصّلت إليه هو: إنَّ الرجل عندما فعل ما قد فعل فهو إنَّما يقول بفعلته تلك: أنا أطلب منك الحياة يا علي! فكان شعور أمير المؤمنين تجاهه في تلك اللحظة شعورًا أبويًّا؛ فرأى لزامًا عليه أن يُعيد إليه الحياة، ولم يشعر بأنَّ أمامه عدوّ يقوم بهذا الفعل، فعليه أن يضربه ويقطّعه إربًا إربًا..... فلو كنَّا مكان أمير المؤمنين، لفعلنا ذلك: فأنت من ناحية عدّو الله ، ومن ناحية أخرى، أنت ترتكب عملاّ محرّمًا! فهذا مما يُضاعف جرمك، ويجعلك تستحقّ العقاب المضاعف! غير أنَّ ذلك الشعور الذي حصل لأمير المؤمنين في ذلك الموقف، ومشاهدة إظهاره للعجز، وإحساسه بالعطف تجاهه هو الذي حجزه عن ضربه، وإن كان الرجل عدوًّا له؛ وهذا ممّا لا يمكن لنا إدراكه! فلا يمكن إدراك كنه هذه الأمور ببساطة، ولا يمكن فهمها عاجلاً!
يقول المرحوم العلاّمة: عند تأليفي لكتاب معرفة الإمام، ووصولي إلى القضايا والجنايات التي وقعت في فترة الخليفة الثاني عمر، كان من جملة ما وقع هذه القضيّة: فكانوا قد جلبوا امرأة حامل ادّعى زوجها بأنَّها قد زنت؛ وكانت المرأة بريئة وعفيفة، ونفت عن نفسها تهمة الزنا، غير أنَّ الزوج كان يصرّ على اتّهامها؛ فأين هم الشهود؟! فعلى من يتّهم أحدًا أن يجلب الشهود.. ألم تعلم أيّها الخليفة الثاني بلزوم شهادة أربعة شهود؟! وكيف يمكن أن يحصل شيء كهذا في العالم بحيث يتمكّن أربعة أفراد من مشاهدته؟ اللهمّ إلاّ إن جرى ذلك على سبيل الاستعراض وعلى تلٍّ أمام عشرة آلاف كاميرا! فلِمَ يُطلب شهادة أربعة شهود في هكذا حالة؟ إنَّ ذلك يعود إلى مراعاة الشارع المقدّس لجانب الرحمة والعطف تجاه المخطئين والغافلين والجهلة! ألم تشاهد أو تسمع بذلك يا عمر؟ وألم تشاهد بنفسك سيرة النبيّ الأكرم وكيفيّة تعامله في المواقف المختلفة؟ فتقوم بقتلها بهذه البساطة وبمجرد ادّعاء زوجها ذلك، وإن كانت هي تنفي عن نفسها التهمة! فشاهد المتواجدون هناك ما ينوي أولئك فعله، فذهبوا إلى أمير المؤمنين يُخبرونه بعزم القوم على قتل امرأة بريئة هكذا وبهذه السهولة، وأنَّ ذلك يحصل على يد خليفة رسول الله!! وبواسطة حكومة الخليفة الثاني الإسلاميّة! فنهض أمير المؤمنين وارتدى ثيابه وذهب مسرعًا، وعندما وصل، وجد كلّ شيء قد انتهى؛[2] فكيف كان حاله في ذلك الوقت؟ يقول المرحوم العلاّمة الذي هو تلميذ أمير المؤمنين، والذي إن كان لديه فهم أو إدراك لأمر أو وضوح رؤية، فإنّه حصل عليه من هناك.. يقول: لقد بكيت لمدّة أربع ساعات متواصلة عندما قرأت هذه القضيّة في أحد الكتب، وكان منظر سقوط هذه المرأة البريئة على الأرض بعد ضربها من قبل الجلاّد يتراءى أمام عيني؛ ألم يكن لتلك المرأة البريئة أطفال؟ ألم يكن لها أم أو أب؟ نعم، لقد بكيت أربع ساعات.
فهل نستطيع رؤية هكذا بكاء في مكان آخر؟ كلاّ ثم كلاّ، بل إنَّنا نرى الضحك في الأماكن الأخرى.. أتعلمون لماذا كان هذا هو حال المرحوم العلاّمة عندما قرأ تلك القضيّة؟ لأنَّه كان يمتلك نفس ذلك الشعور الذي انتاب أمير المؤمنين عندما وقف على جثّة تلك المرأة.. نعم، نفس ذلك الشعور. فلا بدَّ وأن تسقط امرأة بريئة على الأرض مضرّجة بدمائها بدون جرم ارتكبته.. أتعلمون لِمَ حصل هذا؟ لقد حصل ذلك بسبب افتقاد الخليفة الثاني للنور! فعندما يزني أحدهم، تظهر آثار ظلمة الزنا على وجهه، وأمّا أنت [أيّها الخليفة الثاني]، فإنّك لا تتمكّن من رؤية هذه الظلمة، بخلاف أمير المؤمنين الذي ما إن ينظر إلى وجه تلك المرأة حتّى يقول: لم ترتكب هذه المرأة الزنا، ولم تقم بعمل فاحش، فملامح وجهها تدلّ على براءتها؛ فلماذا يسقط هذا الوجه على الأرض وعلى مرأى من أقاربه؟!
هل تعتقدون أنَّ نبيّ الله حينما جمع ثلاثين ألف مسلم في غدير خمّ وأمرهم بالتوقّف هناك تحت أشعّة الشمس الحارقة لمدّة ثلاثة أيام، وأعطى أمره للمتقدّمين بالعودة، وانتظر وصول المتأخّرين، ونصب أمير المؤمنين للخلافة، قد قام بكلّ ذلك عبثًا؟ حاشا، بل فعله من أجل يومنا هذا، ومن أجل ذلك اليوم الذي قتلت فيه تلك المرأة البريئة؛ فهو يقول للناس: أتعلمون لماذا قتلت هذه البريئة؟ إنَّها قتلت لأنَّكم نحّيتم عليًّا عن مكانه! فاحصدوا نتائج أعمالكم! وقوموا بقتل تلك البريئة، واقتلوا الأطفال، وافعلوا وافعلوا .. ففي ذلك اليوم الذي نصَّبَ فيه النبيّ عليًّا من بعده،كان يرى ما سيحصل في الغد وبعد الغد، وأيّ جناياتٍ ستُرتكب بحقّ الإسلام في عهد الخليفة الأول والثاني والثالث وبقيّة الخلفاء و... ؛ ولذا، فقد أمر بأن يكون الخليفة من بعده عليًّا؛ وذلك لأنَّه هو الذي يستطيع أن يرى النور أو الظلمة عندما ينظر إلى وجه أحدهم، أمّا أنتم، فلا تستطيعون رؤية ذلك؛ فلا بدَّ أن تنتحّوا جانبًا، ليأتي عليّ ويجلس مكانكم؛ فهو يعرف متى يتحتّم عليه أن يضرب، ومتى يعفو، وفي أيّ موضع يتقدّم، وفي أيّها يتوقّف؛ فلا يستطيع تشخيص المصلحة غير عليّ، وذلك الوليّ المتصل به؛ لأنّه يسلك أيضًا نفس ذلك الطريق والنهج. [أمّا نحن فلا نستطيع ذلك] لجهلنا، وخلوّ أيدينا من تلك الحقائق.
وعليه، فإنّ تلقّي أمير المؤمنين للضربة على رأسه، وشهادته، كان من أجل إنقاذنا ممّا نحن فيه إذًا! وسينكشف هذا الأمر لجميع الناس في هذه الدنيا إن شاء الله كما انكشف للعظماء حيث قالوا: سيتبيّن لنا يومًا بأنَّ جميع المصائب التي جرت على أهل البيت من المضايقات التي تعرّضوا لها، وشهادتهم، وفصل رؤوسهم عن أبدانهم، وسحق أجسادهم تحت سنابك الخيل، وأسرهم، قد جرى كلّ ذلك من أجل نجدتنا وإنقاذنا؛ وحينها، سنشعر بأنَّ كلّ وجودنا رهين بوجود صاحب الولاية الإلهيّة الكبرى.. مولانا بقيّة الله الحجّة بن الحسن عليه السلام، وسنعرف عندها بأنَّ كلّ ديننا هو عبارة عن ولايته، وكلّ ما لدينا من نور، وجميع سعينا ودنيانا وآخرتنا تعني وجوده، غير أنَّنا لا نعرف من هذا الأمر سوى وجود إمام زمانٍ وأنَّه صاحب الولاية، وقد أخّر الله حكومته وسيظهر بعد عدّة سنوات.. لا يا هذا! فالولاية أسمى وأعلى ممّا نتصوّر، غير أنّ البعض أصبح يتلاعب بها!

    

زيادة صقل القلب تزيد في النورانيّة

حسنًا، فما الذي يتوجّب علينا فعله في هذا الشهر الكريم؟ إنَّ هذا الأمر واضح، فعلى الإنسان أن يُعِدَّ نفسه بالشكل الذي يتمكّن فيه من صقل قلبه؛ فكلّما ازداد صقله، ازداد مقدار النور الذي سيحصل عليه، وكلّما كان ذلك أكثر، كان أفضل! فإن تمكّنا من حفظ قلبنا من أن تخطر عليه خاطرة باطلة واحدة، كان ذلك أفضل لنا؛ فحتّى تلك الخاطرة الباطلة الواحدة ستكون مضرَّة لنا، فعلينا تجنبها؛ وهذا فيما يخصّ الخاطرة فكيف بالعمل؟! فعلينا تجنّب النيّة الباطلة أيضًا؛ لأنَّ ذلك سيكون مؤثّرًا في تحديد مصيرنا وعاقبتنا ولو كان بمقدار حبّة واحدة! أي أن كلّ ذلك سيؤخذ بالحسبان ويجمع مع بعضه البعض الآخر؛ وحينئذ، لمّا كان هذا الفرد قد حاز هذه المرتبة، وأصبحت مرآته مستعدة لتلقي الأنوار، فإنّنا سنُلقي المزيد من النور في قلبه، حيث سيحصل صاحب المرآة الأكبر على سهم أكبر من النور، وسنعمل على زيادة عدد الفوتونات وشدّة النور، بخلاف صاحب المرآة الأصغر الذي سيكون سهمه من النور أقلّ.
لقد كان من عادة العظماء أن يجعلوا لكلّ يوم من أيّام شهر رمضان مراقبته الخاصّة به؛ فعندما نتناول وجبة السحر، يجب أن نكون منتبهين إلى هذا الأمر وهو: إنَّ لهذا اليوم حسابه الخاصّ به، وهو يختلف عن اليوم الذي قبله واليوم الذي سيأتي بعده، فيجب علينا تجنّب تناول الطعام المشتبه فيه، وعلينا ألاّ نذهب إلى أيّ مكان، ولا نستمع لأيّ صوت، وأن نصون أفكارنا من الخوض في القضايا التي لا تُفيدنا، وأن نحفظ أنفسنا من حالات التشويش والاضطراب؛ فيجب علينا أن نوجد في أنفسنا الاستعداد اللازم لهذا الأمر.
كما أنَّ العظماء كانوا يدأبون على دعوة الآخرين للإفطار في بيوتهم؛ لأنَّ فيه ثواب كبير وهو من السنّة، علاوة على أنَّ اجتماع الإخوة ولقائهم مع بعضهم الآخر هو من الأمور المستحسنة؛ فالدعوة للإفطار عمل جيّد، غير أنَّه يجب أن يكون ـ وكما قلت سابقًا ـ بالشكل الذي لا يُسبّب الحرج للزوجة، ولا يبعث على مضايقتها، وألاّ تكون مكرهة على عمل ذلك؛ فلا مبرر لدعوة عدد كبير من الأفراد، بل يمكن الاقتصار على دعوة شخصين أو ثلاثة، أو أن يصطحب المرء معه واحدًا أو اثنين من رفقائه معه عند عودته للمنزل لغرض الإفطار معه؛ فيكون قد حاز ثواب هذا الأمر وعمل بالسنَّة من جانب، ويكون من جانب آخر قد تخلّص من محذور الإتيان ببعض المسائل الزائدة والتي لم يوصَ بها في السنّة وهي مخلوطة بالأوهام والتخيّلات.
وخلاصة الأمر، فإنّ النبيّ قد جمع كلّ ما يخصّ هذا الأمر في جملة واحدة حين قال: فإنّ الشقيَّ مَنْ حُرِمَ غفرانَ الله في هذا الشهرِ العظيم[3]. فالشقيّ هو من لم يعرف قدر هذا الشهر، ومن حُرِمَ من هذه الرحمة الإلهية.. يقول النبيّ: كم يجب أن يكون هكذا رجل شقيًّا! فما أشقاه ذاك الذي يُؤتى به وهو مكتوف الأيدي والأرجل ويتمّ إجلاسه على المائدة بهذه الكيفيّة، ثمّ يمتنع عن التناول منها ويعتزل جانبًا ويحرم نفسه منها! حتّى أنَّه قد جاء في الرواية أنَّ من مرَّ عليه شهر رمضان ولم يتطهّر فيه ولم يقبل الله توبته، فسيكون محرومًا من رحمة الله، إلاّ أن يشهد عرفة[4]، حيث قد تشمله رحمة الله هناك؛ ومن هنا تُعلم أهمّية هذه المسألة.
نسأل الله أن يوفّقنا ويمنَّ علينا بصيام هذا الشهر.. ذلك الصيام الذي يليق بخواصّ حرم الله، وألاّ نكتفي فيه بالإمساك عن تناول الطعام، بل أن يمنَّ علينا بتلك النِعم والنفحات التي منَّ بها على الأولياء.
إنّ الإخوة على علم بهذا الموضوع، كما ذكره المرحوم العلاّمة في مؤلّفاته، وهو: إنَّ العظماء والأولياء الإلهيِّين كانوا يذهبون لزيارة قبور الأئمّة وأبنائهم وأولياء الله بعد انتهاء شهر رمضان تعبيرًا عن شكرهم لله؛ فما هو الإحساس الذي كان لديهم بحيث يدفعهم ذلك للقيام بمثل هذا العمل؟ لا بدَّ وأنَّ شيئًا ما قد انكشف لهم، فلا يمكنهم أن يذهبوا هكذا بطريقة آليّة! فما هو ذلك الشيء الذي أدركوه؟ وما الذي حصلوا عليه في هذا الشهر؟ فلا يجب علينا أن نقول: إنّ هذا الأمر خاصّ بأولياء الله، وأين نحن منهم، ويكفينا الحصول على القليل! نعم لا يمكن لنا أن ننال ما وهبه الله لأمير المؤمنين ما دامت السماوات والأرض، ولكنَّه يمكن أن ينالنا اليسير من الفهم وإدراك الحقائق بما يتناسب مع مقدار سعتنا الوجوديّة؛ فلا يُفترض أن يدخل علينا الشهر ويخرج، ونقنع أنفسنا بأنَّا قد صمنا الشهر ونقص من وزننا بعض الشيء، بل يُفترض أن نشعر بحصول تغيِّر في أنفسنا وأن نحسّ بأنّنا أدركنا بعض المسائل، والذي سيكون ـ إن شاء الله تعالى ـ دالاًّ على الهداية والإرشاد المفاض من مقام الولاية، وعلى شمولنا بلطف الله الذي يشمل به عباده في هذا الشهر.
اللهمَّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد


[1] ـ إحدى فقرات زيارة أمين الله. [المترجم]

[2] ـ تجدر الإشارة إلى أنّ القضيّة التي حصلت مع عمر لم تُؤدّ لرجم المرأة، حيث إنّهم أدركوها قبل ذلك، وأمّا المسألة التي أفضت إلى قتل المرأة، فهي التي وقعت على عهد عثمان؛ راجع: كتاب معرفة الإمام، ج11، من ص 184 ص 188. [المترجم]

[3] ـ بحار الأنوار، ج 93، ص 356. المترجم

[4] ـ ورد في الكافي، ج 4، ص 66، عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: «مَنْ لَم يُغفَر لَه في شَهر رَمَضان، لَم يُغفَر لَهُ إلى قابِل إِلاّ أن يَشهَدَ عَرَفَةَ». المترجم

v
      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->