معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري > شرح حديث عنوان البصري - من المجلس رقم 201 إلى الأخير > شرح حديث عنوان البصري ـ الجلسة 231: السير والسلوك وحبّ الذات

____________________________________________________

هو العليم

شرح حديث عنوان البصري المحاضرة 231

السير والسلوك وحبّ الذات

ألقيت في ليلة السبت 29 ربيع الثاني العام 1438 هجري قمري

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني (حفظه اللـه)

 

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين

كان حديثنا عن كلام الإمام الصادق عليه السلام الذي يقول فيه لعنوان: وأمّا اللواتي في الحلم (من الأمور التي ينبغي مراعاتها في سيرك وسلوكك)، فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرًا، فقل له: إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة.
ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقًا فيما تقول: فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذبًا فيما تقول، فالله أسأل أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنى، فعده بالنصيحة والرعاء.. هذا ما تفضّل به الإمام الصادق عليه السلام.
وقد تقدّم في المحاضرات السابقة أنّ هذه المسألة تضطلع بدور حيويّ على مستوى العلاقات الاجتماعيّة، وأنّها ركنٌ مهمٌّ لعبور النفس من عالم البهيميّة والشهوات والحيوانيّة والأنانيّة إلى عالم التجرّد والوحدة والصفاء والانسجام؛ وبشكلٍ مختصر، للخروج من عوالم الكثرات والأنانيّات.
وبشكلٍ عامٍّ كما قلنا سابقًا، إنّ منبع جميع هذه الأمور يرجع إلى نفس الإنسان التي تحبّ ذاتها وبقاء نفسها؛ ولذلك، فهي تحبّ آثار نفسها ولوازمها، وأمّا الذي ليس لديه حبّ لنفسه، فمن الطبيعي أنّه لن يكون لديه إصرارٌ على هذه الأمور.

    

عدم وصول الإنسان للكمال يُصيبه بالرعب من الموت

نحن جميعًا نريد أن نعيش في هذه الدنيا، وكلّنا يتمنى أن يُعمّر فيها طويلاً، وكلّنا يهرب ويحذر من كلّ أمرٍ يسبّب قلّة العمر ونقصانه وانقطاع الحياة؛ لأنّنا جميعًا نريد أن نزيد حياتنا، ونتمنّى لو أنّ عمرنا يطول أكثر وأكثر؛ ولذا، نحن دائمًا نبحث عن الطرق التي تؤدّي إلى زيادة أعمارنا أكثر فأكثر، وهذا الأمر موجودٌ عند جميع الناس، إلاّ أولئك الأفراد الذن يُعانون من مشكلة في حياتهم الظاهرية، فيصابون باليأس والإحباط وأمثال ذلك[فيدعوهم ذلك إلى طلب الموت والخلاص]، أو أولئك الذين لم يعودوا يرون وجودهم في هذه الدنيا ضروريًّا ولازمًا لبلوغ الكمالات المعنوية وإدراك العوالم العليا.
فالنقص في البشر هو الذي يدفعهم إلى تمنّي زيادة العمر؛ لأنّ كلّ يوم يمرّ عليهم، لا يرون أنّهم يصلون إلى الكمال، بل لا يُدركون ما هو الكمال، وما هو الغنى، وما معنى الخروج من حالة الفقر، ولا يعلمون حقيقة الوصول إلى تلك المرتبة من الكمال؛ وهذا يؤدّي إلى أن يرى الإنسان أنّ وجوده ناقصًا في هذه الدنيا، وأنّه يخسر كثيرًا من رأس ماله في هذه الدنيا، فبعد أربعين سنةٍ لا يشعر أنّه قد مرّت عليه كلّ هذه الفترة من الزمان، بل يشعر وكأنّه قد مضى عليه أسبوع واحدٌ فقط، وهذا ما يجعله يخاف ويرتعب، ويشعر بأنّه لم يحصل على شيء، فهو لم يصل إلى أيّ كمالٍ، ولم يبلغ أيّ هدفٍ، ولم يحقق أيّ أمرٍ ثمين في هذه الدنيا، ويرى أنّه لم ينكشف له موضوع ما أو أمرٌ عظيمٌ ما، فيرى نفسه خاليًا من الكمال، ويرى نفسه دائمًا في حالة خسارة وإفلاسٍ في هذه الدنيا.. حاله كحال التاجر الذي خسر كلّ رأس ماله، ولم يعد عنده أيّ شيء، فهو يرى نفسه قد ابتلي بهذه المصيبة، وبخسارة كلّ شيء؛ ولو أنّ مثل هذا الشخص لم يكن لديه حبٌّ لذاته، لما حصل عنده مثل هذا التصوّر، ولكن لأنّه يحبّ نفسه، ويُحبّ بقاءها، فإنّ رحيله من هذا العالم يكون صعبًا عليه جدًّا؛ لأنّه يرى أنّ بقاءه ظلّ أبترًا وناقصًا، ولم يحصل على الكمال الذي يطلبه.
فعندما ينظر إلى نفسه يرى أنّه لم يحصل على نتيجةٍ عظيمةٍ أو كمالٍ يعتدّ به، وهنا يُصاب بالفزع والرعب؛ فتراه يبحث عن طريقٍ للفرار من هذه المحنة، فيذهب إلى هذا الطبيب، ثمّ إلى ذلك الطبيب، ثمّ إلى ذاك الطبيب؛ فإذا لم يجد مقصوده في هذا البلد، سافر إلى الخارج، فتجده يسافر إلى الخارج بحثًا عن طبيبٍ آخر، فإذا لم يفده الطبيب الآخر، تراه يبحث عن أسبابٍ أخرى، وطرقٍ أخرى للشفاء والعلاج وأمثال ذلك، حتّى أنّه إذا سمع أنّ شخصًا لديه طريقة خارقة للعادة في الشفاء، تجده يسرع بالذهاب إليه! لماذا يريد الذهاب إليه؟ لأنّه يرغب البقاء؛ ولذلك فهو يذهب إليه، وإلاّ لما ذهب إليه ولما اهتمّ بحاله أبدًا!!
فإذا كان يذهب إلى هنا وإلى هناك، فلأنّه يشعر بالخلأ والفراغ مصاحبًا له بشكلٍ دائم، وبما أنّ هذا الفراغ والخلأ الذي يشعر به في وجوده يتعارض مع حبّه لذاته ورغبته بالبقاء، فإنّه يُصاب بالهلع والرعب.
وأمّا لو كان يعلم ماذا يوجد في تلك الناحية، وما هي الأمور التي هيّئها الله عزّ وجلّ في ذلك العالم، لسعى بيده إلى الموت، ولحرص بنفسه عليه؛ ولولا أنّ التكليف الشرعي يمنعه من قتل نفسه لقتل نفسه، ولوصل به الحال إلى أن يطلب بنفسه الموت ليذهب إلى ذلك العالم، ولكنّ الله عزّ وجلّ لا يسمح له بذلك، ويمنعه من ذلك بواسطة التكليف الشرعي، ويقول له: لماذا لم تذهب عند الطبيب؟ لماذا لم تُتابع المسألة؟ لماذا لم تُعالج نفسك؟ فمع أنّني أنا الذي جعلت المرض، إلاّ أنّني جعلت في نفس الوقت الدواء، ولو شئتَ الذهاب للطبيب لذهبتَ! فيقول له المريض: إلهي، لقد أحببت الرحيل إلى ذلك العالم، فيجيبه: من قال بأنّه عليك المجيء إلى هذا العالم؟! لا، لقد أخطأت! ابق في مكانك لسنتين أو ثلاث سنوات أو عشر سنوات أخرى! لو كنت قلت لك أنا: تعال إلى هنا، لكان الأمر بنحو آخر، وأمّا حينما أقول لك أنا: ابق، فلماذا تستعجل بالمجيء؟! لعلّ الأفضل والأكثر فائدة هو أن تبقى في هذه الدنيا.

    

سبب عدم رغبة الإنسان في الرحيل عن هذا العالم راجع إلى جهله وحبّه لذاته

رحم الله الحاجّ هادي الأبهري الخانصنمي، ذلك الرجل الصافي، طيّب القلب، والذي كان من أرباب القلوب والمعرفة، وكان قد عقدَ عقْدَ الأخوّة مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه، وكان رحمه الله لا يعرف القراءة والكتابة أصلًا، حتى أنّه كان يشخّص النقود والعملة من لونها، فهو لم يكن يستطيع أن يقرأ ما كُتب عليها، لكنّ قلبه كان صافيًا وبصيرته مفتوحة، فكان يستطيع أن يشخّص بكلّ سهولة ووضوح الأفراد المنافقين من الأفراد الخالصين والطاهرين، وكان أحيانًا يصرّح بذلك مباشرة ومن دون تأخير، ومهما كان ينصحه المرحوم العلاّمة بمراعاة حال الآخرين، فإنّه لم يكن يفعل، فقد كان طبعه بهذا النحو.. كان صافيًا وصريحًا، وكان يحبّ السيّد الوالد حبًّا جمًّا.
وعلى كلّ حال، لا داعي للإطالة في هذا الموضوع، المهمّ في الأمر أنّه ابتلي رحمه الله بسرطان في رئته، وكان الوالد رحمه الله قد أخذ على عاتقه مسألة علاجه، فأحضره إلى منزلنا، حيث قضى آخر أشهره هناك، وكان طبيبه هو الدكتور مهدي آذر رحمة الله عليه، وقد كان من الأطبّاء المشهورين جدًّا في إيران، وأنا نفسي كنت أراجعه من أجل مرض المعدة الذي كان عندي، وكان هذا الطبيب إنسانًا صريحًا، وكانت عنده صفات لطيفة وجميلة، فلم يكن يتلاعب بالمرضى؛ فإذا لم يتمكّن من تشخيص المرض، كان يقول له بكلّ صراحة: لم أتمكّن من تشخيص المرض! فلم يكن يحاول أن يفرغ جيبه من كلّ ما فيه من الأموال، وما أجمل أن يكون الإنسان بهذا الشكل!
في يومٍ من الأيّام، جاء هذا الدكتور وسأل الحاجّ هادي [الأبهري]: يا حاجي! ما هي علاقتك وقرابتك بهذا السيّد الطهراني (العلامة الطهراني)؟ ماذا ينتظر منك؟ ماذا يتوقّع منك؟ هل يريد منك أن يرث مثلًا بستانًا أو مالًا؟ من الواضح أنّه لم يكن يفهم أو يدرك طبيعة العلاقة القائمة بينهما، وأنا كنت صغيرًا ولكنّني أذكر الأمر جيّدًا، فكان الحاجّ هادي ينظر إليه ويقول له: إنّ سبب اهتمامه بي هو أمرٌ لا تستطيع أن تفهمه أنت.
والشاهد هنا: أنّ الحاجّ هادي كان يقول لمن حوله من الأفراد، إنّني أعلم أنّني لا أبرأ من هذا المرض، وأنا أعلم أنّني على وشك مغادرة هذه الدنيا، والسيّد محمّد حسين [العلامة الطهراني] هو الآخر يعلم ذلك، ولكنّه حريصٌ على أن يمنحني الفرصة لكي أبقى ولو ليوم واحد أكثر، وأقول كلمة "لا إله إلا الله" ولو لمرّة واحدة إضافيّة.
فعندما يكون قد أُعدّ ملفٌّ وبرنامجٌ للإنسان، فيجب أن يتمّ هذا البرنامج إلى الأخير، فلو أنّ "لا إله إلا الله" واحدة قد نقصت منه، فهذا نقصٌ في هذا الملفّ وفي هذا البرنامج الخاصّ بهذا الشخص؛ ولذا تجدُ الإمام عليه السلام يقول بشأن هؤلاء: لولا الأجل الذي كتبه الله لهم، لما بقوا لحظةً واحدة في هذه الدنيا؛[1] فلماذا لا يبقون لحظةً واحدة؟ لأنّهم لا يرون أيّة حاجة في البقاء في هذه الدنيا؛ فأعين بصيرتهم صارت مفتوحة، وهم قد وصلوا إلى عين تلك الحقيقة الكماليّة، أو أنّهم لم يصلوا إليها إلاّ أنّها صارت مكشوفة لديهم، فلا فرق بين الأمرين، حيث إنّهم يعلمون بأنّ الذهاب إلى ذلك العالم يعني الوصول إلى تلك الحقائق؛ فلا يلزم بالضرورة أن يصل الإنسان إلى تلك المسائل في هذه الدنيا، فهذه من التقديرات التي يُقدّرها الله تعالى للإنسان، وهي خارجة عن قدرته.
إنّ علّة عدم رغبتنا في مغادرة هذه الدنيا هو الجهل الذي عندنا، فنحن نجهل بما يوجد في ذلك العالم؛ فلأننا جاهلون، تجدنا حريصين ومتمسّكين جدًّا بهذه الدنيا؛ فعندما ننظر إلى أنفسنا نرى الخلأ والفقر، ونشعر بالجهل؛ ولذا، لا نريد أن نترك الدنيا بهذه الحال، وعندما ننظر إلى ذلك الطرف، فنحن لا نرى أيّ شيء، [فنحسب] أنّه لا يوجد شيءٌ هناك، بل في بعض الأحيان، قد لا يكون هناك أيّ معنى للنظر في ذلك الطرف، لأنّنا نكون قد توغّلنا في هذه الدنيا حتّى صرنا لا نفهم أيّ شيء إلّا الحياة في هذه الدنيا، وقضاء العمر فيها.
ومن هنا، يتبيّن أنّ سبب عدم رغبتنا في ترك هذه الدنيا هو حبّنا لذاتنا ونفسنا، حيث إنّ هذا الحبّ للذات هو الذي يُقيّد أرجلنا عن الرحيل، ويشلّ حركتنا؛ ولو أنّه لم يكن لدينا حبّ للذات، لما كانت هناك أيّة مشكلة. ونفس هذه القضيّة ـ أي قضيّة حبّ الذات ـ تستبع حبّ آثار الذات؛ نظير مسألة إبراز النفس، وحصول الإنسان على مقام ومنزلة، حيث إنّ جميع هذه الأمور ترجع إلى مسألة حبّ الذات، والتي تُستغلّ بشكل خاطئ، ولا يُستفاد منها بنحو صحيح.
ولذا، فإنّ جميع الأعمال التي نقوم بها في هذه الدنيا تدور حول هذا المحور؛ أي: ما هو نصيبنا وما هو دورنا في هذه الأعمال؟ وهل إنّ العمل الذي سنؤدّيه أو نقدم عليه سيجلب لنا السمعة والشهرة أو لا؟ فترانا ننظر دائمًا إلى ذلك الجانب من المسألة.

    

قيمة العمل في مقدار خلوصه

ففي كلّ عمل نريد أن نقوم به ـ سواءً كان له صفة إلهيّة أو دنيويّة ـ علينا أن نسبر أغواره، ونرى ما هي الأمور المكنونة في باطنه ولبّه؛ فهذا هو المهمّ، وهنا تكمن حقيقة الأمر، وليس في ظاهر ذلك العمل الذي يؤدّيه الإنسان؛ فعلينا أن نرى باطنه: كم فيه من الخلوص والصدق؟ وأمّا كبر العمل وصغره، فلا يساوي عند الله تعالى شروى نقير، وإنّما الذي يمتلك قيمة عند الله هو الخلوص وإخلاص النيّة لله في العمل، [وكما قال تعالى:] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُم‏﴾[2]، يعني: إنّ الله لا يهمّه هل هذا الذي ذُبح جملٌ أم خروف صغير؛ ففي نهاية المطاف، سيُذبح، ويُقسّم، ويُأكل، وينتهي أمره، ثمّ يغسلون مكانه، وكأنّ شيئًا لم يكن. فالمهمّ عند الله تعالى: كم كان عند صاحب الذبيحة من تقوى وإخلاص النيّة، والذي يرتفع إلى الأعلى هو: ما ينال الله، وأمّا هذا الخروف فإنّه يُقسّم، وذلك الجمل يُقسّم أيضًا، فتُقسّم تلك الذبيحة على الجميع؛ فعلى ذلك الشخص الذي أدّى هذا العمل أن ينظر إلى نفسه، ليرى كم كان عنده من الصدق والإخلاص، وإلّا سيكون غاية ما فعله أنّه أنفق مقدارًا من المال، وأطعم مجموعة من الناس، ولكنّه لم يحصل على شيء في المقابل.
كان أحد الأصدقاء والأحبّة يقول: طبعنا كتابًا معيّنًا، فجاء شخص من مؤسّسة أخرى معترضًا علينا بقوله: عندما طبعتم ذلك الكتاب، لم تتركوا لنا أيّ مجال لكي نأتي نحن أيضًا... فعليكم أن تتوقّفوا عن هذا العمل ولا تستمرّوا فيه! فنحن فتحنا مؤسّسة، وجمعنا الناس، وأنفقنا الأموال، واكتسبنا شهرة، إلاّ أنّ العمل الذي نريد أن نؤدّيه هو نفس العمل الذي تٌؤدّونه أنتم! فهذا غير ممكن! فعندما يراجع الإنسان الأمر هنا، يجد أنّه لا يوجد شيء في الداخل، فهذا الذي يقول: إذا قمتم بذلك العمل، فماذا نفعل نحن إذاًا؟! [نقول له:] اذهب واعمل عملًا آخر!
رحم الله أستاذنا المرحوم الغروي رحمة الله عليه، حيث قال لنا أنّه في الزمان السابق شارك ذات مرّة في مجلس فاتحةٍ عُقد في المسجد الأعظم بقمّ، وكان يجلس بجانبه شخصان في طريقهما للوصول إلى مقام المرجعيّة، وكان أحدهما يقول للآخر: لماذا تتدخّل في مجال عملنا في المنطقة التي تدخل في دائرة نفوذنا ونشاطنا؟ لماذا تبعث إليها أتباعك؟ ولماذا تحشر نفسك في عملنا هناك؟! فتلك منطقة محروسة ومحظورة، (ولا يخفي أنّ هذه الإضافات منّي أنا، ولكنّ لسان حاله كان يقول ذلك) فهذه المنطقة هي مثل تلك المناطق التي يضعون حولها سورًا شائكًا حتّى لا يدخل إليها أحد، فكان يقول له: إنّ هذه المنطقة التي تريد الذهاب إليها تدخل في دائرة نفوذي وسلطتي، فلماذا لا تذهب إلى مكانٍ آخر؟! فانتظر الطرف الثاني حتّى أتمّ كلامه وعتابه كلّه، أو أنّه لم ينه كلامه؛ لأنّ مثل هذا الكلام لا ينتهي، فلو جلس عشر ساعاتٍ لما انتهى من الكلام والعتاب والخطاب. فنظر إليه، وقال له: يا فلان ـ ولا داعي لذكر الأسماء، فالجميع قد توفّي.. ذلك الشخصان والرواي والمروي و... ـ أنا وأنت نعلم أنّ العالم الفلاني في النجف أعلم منّي ومنك، ومع ذلك، طرحنا أنفسنا للمرجعيّة! فعلى ماذا تعاتبني؟! فكان يقول بنفسه: كلانا يعلم بأنّ العالم الفلاني (المرحوم السيّد الخوئي) أعلم منّي ومنك، ومع ذلك تأتي وتعترض عليّ وتقول لي: لماذا تعمل في منطقة نفوذي؟! فسكت الطرف الثاني ولم يحر جوابًا!
فغاية ما فعله ذاك أنّه أرسل مبلّغًا إلى منطقةٍ من المناطق، فأثار هذا الأمر حفيظة الأوّل، ولكن، تعالوا ننظر إلى منهج الأنبياء، وهل كانت سيرتهم عليهم السلام بهذا النحو؛ لنفرض أنّ الله عزّ وجلّ أرسل نبيًّا إلى منطقة ما كقمّ مثلًا، ونفرض أنّه كان هناك نبيٌّ آخر في منطقة مجاورة كـ "ساوة"، فأرسل هذا النبيّ مبلّغًا إلى قمّ، حينئذ، هل كان النبيّ الأوّل سيأتي ويقول له: لماذا تتدخّل في عملي؟ ولماذا لم تكتف بمدينتك؟ أفهل أمرك الله تعالى بالقيام بهذا العمل؟! فهل سمعتم بحياتكم مثل هذا عن الأنبياء؟ لا يمكن ذلك! هل سمعتم بحياتكم أو حتّى تصوّرتم أن يأتي نبيّان ويختلفان مع بعضهما، أو ينطقا بكلمة واحدة من هذا القبيل؟ هذا مع أنّ ما ذكرناه لا يُمثّل إلاّ مصداقًا من المصاديق، وقد تغاضينا عن ذكر مصاديق أخرى أشدّ وأنكى!

    

العلّة من وراء عدم وجود اختلاف بين الأنبياء والأولياء عدم دعوتهم لأنفسهم

فعندما يُقال أنّ هناك مائة وثمانية وعشرين ألف رسول ونبيّ، فقد كان هناك الآلاف من الأنبياء المبعوثين إلى المدن الكبرى، والقرى، والأماكن المختلفة ـ منهم خمسة أولو العزم ـ ومع ذلك لا تسمع مثل هذا الخلاف.. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾[3] حيث أرسل إليهم اثنين، فلم يكن بالضرورة أن يرسل لكلّ مدينةٍ واحدًا فقط ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ وأنكروا عليهما، ولم يقبلوا بكلامهما، وقالوا لهما: لا دخل لكما في عملنا، لماذا أتيتما من الأساس؟ وما هذا الكلام الذي تتفوّهون به؟ نحن نريد أن نبقى على ما نحن عليه! ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾[4]، فصاروا ثلاثة أنبياء، ولو أنّ الله عزّ وجلّ أرسل بدل الأنبياء الثلاثة ثلاثين نبيًّا، لما اختلف الأمر، ولكانوا جميعًا كأنّهم شخصٌ واحدٌ، فهذا الثالث مثل أولئك الإثنين، فعندما رأى الله تعالى أنّ عدد المعارضين والمنكرين كثير، بعث نبيًّا ثالثًا ليعزّز موقفهم ويدعمهم؛ فهذا النبيّ الثالث هو مثل النبيّين الأوليين.. طريقهم واحد، كلامهم واحد، حركتهم واحدة، ومطالبهم واحدة.
حسنًا، لماذا لا يوجد مثل هذا الاختلاف والتنافس بين الأنبياء أو بين الأولياء أو بين العرفاء؟ لماذا لا يحاول كلّ منهم أن يسقط الآخر؟ لأنّه ليس لديهم حبّ للذات ولآثار الذات، وليس لديهم حبّ للنفس، فهم يدعون إلى الله عزّ وجلّ. فتراه عندما يرى أنّ الله أرسل شخصًا آخر ليساعده في هذه المهمّة فإنّه يفرح ويسعد، ويقول: ليتك أرسلته قبل الآن، حتّى أتخلّص من هذا الإنكار وهذه المعارضة، وأظلّ لبضعة أيّام في البيت أو أذهب خارج المدينة، فأستريح قليلاً! ولا يقول له: لماذا جئت إلى هنا؟ بل يقول له: لماذا لم تأت قبل الآن؟ لماذا لم تأتِ بسرعة؟
لماذا يقولون ذلك؟ لأنّ لهم أهداف أخرى، فهدفهم متعلّق بذلك المبدإ، وليس بأنفسهم، والتعارض لا يحصل إلاّ إذا كان الهدف هو النفس، وأمّا عندما يكون الهدف هو الله عزّ وجلّ، فمن أين يأتي النزاع والخلاف؟ من أين يمكن أن تأتي مثل هذه المسائل؟ فكلاهما يدعو إلى آخر، وليس إلى أنفسهم! فلو أرسل الله تعالى مع الإثنين إثنين آخرين، لدعوا إليه أيضًا، ولو أرسل عشرين أو مئتين، فسيدعون بأجمعهم إلى ذلك الاتّجاه؛ وحينئذ، بشأن ماذا يمكن أن يحصل خلافٌ أو نزاع؟! وكيف يمكن أن يأتي أحدهما ويقول: ينبغي أن يكون الكلام كلامي وليس كلامك؟! ولماذا تريد أن تطبع هذا الكتاب؟ فأنا من ينبغي أن يطبعه!
ولا يُمكن أن ينازع أحدهما الآخر، قائلًا: هذه المنطقة خاصّة بي، وليس بك! ولذا، نلاحظ هنا أنّ كلام الإمام الصادق عليه السلام يرجع إلى هذه النقطة؛ يعني أنّ جميع هذه النزاعات والخلافات ترجع إلى الحالة التي تكون النفس فيها موجودة في البين، وإلاّ إذا لم يكن هناك مكان للنفس، فلن يوجد أيّ معنى لأن يقول له: إن قلت واحدةً سمعت منّي عشرًا! فلو لم يكن هناك حبّ للنفس والذات، وكانت الدعوة لآخر وليس للنفس، فلن يكون هناك أيّ معنى لكلّ هذا الصراخ والنزاع، ولن يكون معنى لكي يقول الإنسان هذا الكلام: "إن قلت لي واحدةً سمعت منّي عشرًا" ، ولن تراه يتتبّع هذا، ويبحث عن ردٍّ على كلام ذاك، ويتصفّح الكتب عساه أن يجد ردًّا عليه، ويُنقّب في الكلمات والخطب والأشرطة لكي يعثر على جواب عن ذلك الكلام؛ فيُضحّي بنومه ويقظته وحياته وجميع شؤونه حتّى لا ينهزم أمامه.. فما هو السبب في كلّ ذلك؟ جميع هذا يعود إلى الأهواء والنزوات.. جميع ذلك يرجع إلى النفس، ولكن [نحن نجعله] باسم الله!!
وفي الحقيقة، لو نظرت إلى جميع مظلومي هذا العالم، لما وجدت مظلومًا أكثر من الله عزّ وجلّ في هذا العالم؛ لأنّ كلّ من يفعل شيئًا ينسبه إليه، وهو مع ذلك لا يقول لنا شيئًا، بل ينظر إلينا فقط.. سأسعى للعثور على جواب، فلأذهب للبحث في الجريدة الفلانيّة عساني أن أجد شيئًا ضدّه، ولأذهب إلى، وإلى... إلى أين تريد الذهاب يا عبد الله؟! اجلس مكانك!
حسنًا، بعد ذلك ماذا سيحصل؟ عندما رددت عليه، حقّ لي الآن أن أرتاح، وآخذ نفسًا عميقًا، فقد رددت عليه، وحطّمته، وسحقته و... ولكن، بمجرّد أن يمضي أسبوع أو شهر، فإذا بمسألة أخرى تظهر من جديد، ثمّ نعود مرّة أخرى نتتّبع هذا، ونبحث عن ذلك، ونردّ على تلك المسألة و... فما هو السبب في ذلك؟ لأنّنا نُرجع كلّ هذه الأمور إلى أنفسنا، أمّا لو كنّا نُرجعها لله تعالى، لما انفعلنا بهذه الطريقة، ولو قال شخصٌ عنّا كلامًا كذبًا، لضحكنا ولقلنا: اذهب يا عزيزي لحال سبيلك، عافاك الله وهداك!

    

تقدّم السالك في السير والسلوك رهين بعدم اهتمامه بكلام الناس

في مرّة من المرّات، ذهب أحدهم إلى مكان معيّن، فسمع كلامًا من هنا وهناك، وسجّل جميع ذلك الكلام في دفتر صغير، وأحضره إليّ، حيث حصلت هذه القضيّة قبل عشرة سنوات أو خمسة عشر سنة، فجاءني بذلك الدفتر، ووضعه أمامي، وهو يظنّ أنّه يقدّم لي خدمةً عظيمةً، فسألته: ما هذا يا عزيزي؟ فقال: هذا الدفتر سجّلت فيه جميع المسائل التي يقولونها عنك، فقلت له: خذه من هنا.. خذه من هنا، ولا تفتحه أبدًا! ولو كان مكتوبًا فيه اسم الله (وهو حتمًا كذلك)، فلا تحرقه، ولكن قطّعه وألقه في النهر. فقال: يا سيّد، لقد تعبت كثيرًا لكي أعدّ هذا الدفتر! فقلت له: أتعبت نفسك بلا طائل! أفهل أخبرتني قبل أن تُقدم على ذلك؟! ليتك لم تتعب نفسك! فقال لي: يا سيّد، إنّ هذا ضروريّ، فقلتُ له: أنا لا أريد أن أسمع ولو كلمة واحدة منه، أفهل صرتُ مجنونًا كما هو حال الكثيرين؟! وهل تراني عاطلاً عن العمل حتّى آتي وأشغل بالي وأعكّر صفوي بسماع هذه المطالب؟! فيبدأ عند النوم فكري يجول بأنّ فلانًا قال كذا، وفلانًا قال ذاك... دع عنك كلّ ذلك يا عزيزي، وضع رأسك على الوسادة، ونم قرير العين، كأنّك لم تسمع ولم تر ولم تقل شيئًا!! أليس هذا أفضل؟ بطبيعة الحال، هذا أفضل!
فأيّهما أفضل لك؟ فحينما تقف أمام الله عزّ وجلّ في صلاتك وتقول: "الله أكبر"، أيّ الحالتين أفضل لتتوجّه إلى ربّك: عندما تهجم عليك الخيالات، وقضايا من هذا القبيل: حسنٌ قال كذا، وحسينٌ قال كذا، وتقيٌّ قال كذا، أم حينما يكون ذهنك فارغًا من كلّ شيء؟ وأيّ الصلاتين أفضل؟ وأيّهما ترتفع إلى الأعلى؟ هل انتبهتم الآن إلى أنّ الكثير منَ الأعمال التي كنّا نقوم بها كانت خاطئة، وكانت مخالفةً لمصلحتنا، ومخالفةً لسيرنا وسلوكنا، وأنّ مثل هذه الأمور لو لم تكن موجودة، لكانت أوضاعنا أكثر راحة، ولكنّا أقلّ تعبًا ونصبًا؛ أفهل إنّ الإنسان مجبور على تلويث دمه؟! وإلاّ لو يكون للإنسان عقل، فإنّه لن يقوم بمثل هذا العمل.
يقول الإمام الصادق: لتكن ذا عقل وفهم، فأنت لن تجني أيّ شيء من وارء هذا القيل والقال! ويا أيّها المسكين الذي أُمهلت ليومين لا أكثر، إنّك لن تجني من وراء هذا القيل والقال إلاّ التعب وتلف الأعصاب وذهاب الفرص!
وفي الحقيقة، فإنّ المطالب في هذا المجال كثيرةٌ جدًّا، ولكنّ الفرصة المتاحة قليلة، وتمرّ، وحقًّا، إنّ ما شاهدناه من خلال علاقتنا بأولياء الله ـ كالمرحوم السيّد الحدّاد والمرحوم العلاّمة ـ ولقائنا بهم وزيارتنا لهم كان كلّه يدور حول هذه المسألة؛ ولذا، فكما ذكرت سابقًا للرفقاء، فإنّ هذه الفقرة من حديث عنوان البصري تُعدّ من أهمّ أركان السلوك، بحيث إنّ الإنسان إذا لم يراعها، فإنّه لن يستطيع أن يرتفع بمقدار سانتيمتر واحد، ولو بقي يعبد الله ألف سنةٍ حتى تتورّم جبهته من كثرة السجود، وكلّ لسانه من ذكر الله؛ فهذه القضيّة في غاية الأهميّة؛ بمعنى أنّها ـ كما ذكرت لكم ـ مرتبطة بشكلٍ دقيق بالمسائل النفسيّة، وبالوسائل والآليّات التي تساعد الإنسان على حركته وتكامله.
نسأل الله عزّ وجلّ أن يفتح عيوننا ويصحّح أفكارنا بشكل أكبر، وأن يجعل نوايانا خالصةً في سبيله.
واعلموا أيّها الرفقاء، أنّ كلّ شخص سبق في هذا المجال، هو الذي ربح، ولا تتخيّلوا أنّنا نحن الذين ربحنا؛ فالذي يسبق الآخرين في هذه المسائل هو الذي يربح، ويتقدّم، وأمّا ذلك الذي يتأنّى ويُبطئ في مثل هذه الأمور، فهو الذي يخسر، ولا يتمكّن من عبور هذا الجسر.

اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.


[1] ـ يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لَوْلَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِم (‏بحارالأنوار، ج 64، ص 315). المترجم

[2] ـ سور الحجّ ، الآية 37.

[3] ـ سورة يس، الآيتان 13 و14.

[4] ـ سورة يس، الآيتان 13 و14.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی