معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ق > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ـ الجلسة 14: التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية

____________________________________________________

هو العليم

التوحيد الأفعالي للواجب تعالى
توضيح النظرية

الجلسة الرابعة عشر:

ألقيت في 25 شهر رمضان المبارك لعام 1436 هجري قمري

ألقاها:

سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني
(حفظه اللـه)

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
وعلى أهل بيته الطاهرين واللعنة على أعدائِهم أجمعينَ

«هَبْنِي بَفَضْلِكَ وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ؛ أَيْ رَبِّ، جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ»
تقدَّم الحديث في الليالي الماضية عن هذا الموضوع وقلنا بأنَّ هذه الفقرات من الدعاء تتضمّن نكتتين مهمّتين، تتعلّق إحداهما بالله تعالى، وتتعلّق الأخرى ـ والتي تتضمّن بدورها مسألتين ـ بنا نحن. فأمّا النكتة المتعلّقة بالله فهي: إنَّ الله هو حقيقة وأصل ومصدر كلّ شيء في العالم، فجميع تلك الآثار والخصائص التي نشاهدها فيه تنشأ من ذلك المصدر وتنبع من ذلك المنبع.
كان لبعض الأصدقاء أسئلة حول ما تم التحدّث عنه في الليالي الماضية، فلقد طرح عليّ بعضهم أسئلته بشكل مباشر، بينما أرسل البعض الآخر رسائل. والسؤال المطروح هو: إنَّكم تؤكِّدون على أنَّ كلّ ما يحصل في هذا العالم هو من الله، وبناءً على هذا سيكون الله هو مصدر الشرّ أيضاً، إذ لا يمكننا أن نقبل بنصف الأمر وننكر نصفه الآخر؛ فنحن نقبل بأنّ الله هو مصدر الخير عندما نقول: أنت مصدر كلّ خيرٍ يا ربِّ؛ لأنَّك أصل وأساس كلّ شيء في هذا العالم، وإرادة جميع الخلائق مندكّة في إرادتك، وما لديهم من قدرة وقابلية فهي منك وحدك.

    

اللـه تعالى هو مصدر كل شيء في عالم الوجود

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نكون مشركين بقبولنا لهذا الجزء من الأمر فقط؟ عندما نقول: أنت مصدر كلّ خير يا ربّنا؛ فسيعترض الله علينا ويقول: كيف تقولون بأنّني أنا مصدر كلّ شيء، والحال أنّكم لا تنسبون إليَّ الجزء الآخر من الأمر؟
فإن كان الله هو مصدر كلّ قدرة في العالم ومصدر جميع الأفعال، فلماذا لا نريح أنفسنا ونكون موحّدين بشكل كامل، ونقول: أنت يا ربِّ مصدر كلّ من الخير والشرّ معاً؛ ثم نتمتّع بكامل حرّيتنا ونفعل كلّ ما يحلو لنا؟! إذ كل ما يحصل في العالم، فهو صادر منه هو!!
أتذكّر بأنَّني كنت في السابعة أو الثامنة من العمر، وكنتُ طالباً في الصف الثاني الابتدائي، عدّتُ من المدرسة في أحد أيّام الشتاء، ودخلت غرفة الاستقبال ـ كان ذلك في منزلنا الواقع في منطقة الأحمدية ـ فوجدّت المرحوم العلاّمة وبعض أصدقائه في ذلك الوقت ـ وهم المرحوم الحاج إسماعيل الدولابي والمرحوم المهندس تناوش رحمه الله والبعض ممن لا يزالون بحمد الله على قيد الحياة والذين كانوا يرتبطون بعلاقة وثيقة مع المرحوم العلاّمة في حينها ـ وجدّتهم جالسين حول الكرسي[1]، فجلستُ قربهم، وكان حديثهم يدور حول هذه الأبيات من شعر سعدي الشيرازي:
گر گزنــدت رسد ز خـلق مـرنـــج
                             که نه راحت رسد ز خلق نه رنج
از خدا دان خلاف دشمن و دوســت
                             که دل هر دو در تصرف اوســت
گر چه تیر از کــمان هــمی گـــذرد
                             از کــماندار بـیـنـد اهــل خــرد

(يقول: إن أصابك من الخلق مكروه فلا تنزعج، فلا الراحة مصدرها الخلق ولا المكروه.
وإذا اعترضك الصديق أو العدو فاعلم أنّ ذلك من الله، لأنّ قلبيهما تحت تصرّفه هو.
فالسهم وإن انطلق من القوس، لكنَّ العقلاء يرون بأنَّ المطلق للسهم هو الرامي، لا القوس نفسه)

فالتفتَ إليَّ المرحوم العلاّمة قائلاً: فسِّر لنا هذا البيت من الشعر يا سيِّد محسن، والذي يقول فيه الشاعر: «گر گزندت رسد ز خلق مرنج» [إن أصابك مكروه من الخلق فلا تنزعج] لنرى ما هو المقصود منه. وكان عمري في ذلك الوقت في حدود السبع أو الثمان سنوات، حيث كنت طالباً في الصفّ الثاني الابتدائي، فقلت معناه هو: «لا تهتم ولا تبالي إن حصل وتسبّبتَ في أذى الآخرين»، فضحكوا بأجمعهم وبالخصوص الحاج إسماعيل حيث قال: «لقد حُلَّت مشكلتنا، فاعمل ما تشاء أن تعمل إذاً ولا تبالي بشيء» ولا زلت أتذكّر كلماته حين قال: «فاعمل ما تشاء أن تعمل، ولا تبالي بأيّ شيء!» فقلت: هكذا يجب أن يكون الموحِّد إذاً ـ لم أقل ذلك آنذاك بالطبع، بل أقوله الآن ـ فهكذا يكون حال الموحِّد فهو يرى كلّ شيء من الله. حتى المرحوم العلاّمة ضحك أيضاً من ذلك، ثم قال لي: لا يا عزيزي! فليس هذا هو معنى الشعر! وكنتُ أتعجّب منهم وأقول في نفسي: ولماذا يضحكون على ما قلتُ؟ فكلامي ليس فيه شيء! فقال لي المرحوم العلاّمة عندها: إنَّ معناه هو: إن أصابك مكروه من الناس ـ لا إن صدر المكروه منك أنت ـ فلا تغتمّ عندها. وعلى أيّة حال لقد كانت تلك وجهة نظر أخرى، فقد تختلف وجهات النظر، وقد أردتُ أن أكون موحِّداً بذلك التفسير، غير أنَّهم قاموا بسدّ طريق التوحيد عليَّ، وجرّوني إلى الكثرة [يضحك سماحة السيد] فنحن نرى في التوحيد بأنَّ كلّ شيء من الله، ولكنَّهم قالوا لي: كلاّ، لا يمكن أن يكون الأمر بهذه الكيفية، فهذه الأمور ينبغي على الإنسان أن يشاهدها، ولا تحصل بمجرّد الكلام.
إنَّ التعمّق في البحث في هذا الموضوع يجرّ إلى مسألة الجبر والتفويض والذي لا يسع المجال لطرحه، لذا سأكتفي بمجرّد الإشارة إليه؛ يقول الشيخ حافظ الشيرازي:
گناه اگر چه نبود اختيار ما حافظ
                             تو در طريق ادب باش و گو گناه من است

(إنّ الذنب وإن لم يكن من اختيارنا يا حافظ، لكن راعِ جانب الأدب وقل الذنب ذنبي)
نعم، هناك الكثير مما يمكن أن يُقال في هذا المجال، والتعمّق في هذا الموضوع يجرّنا إلى قصّة نبي الله آدم، وكيفيّة عصيان إبليس لربّه وأمور أخرى تناولها العظماء بالبحث والتحليل الكافي. غير أنَّني سأشير إلى هذا الموضوع إشارة مجملة، لا أظنّ بأنَّكم سمعتم توضيح هذا الموضوع بهذه الكيفيّة في مكان آخر، وهذا الشرح هو: انظروا الآن إلى هذا المصباح المضاء فوق رؤوسنا، أو إلى هذه المروحة التي تدور، أو إلى جهاز تكِييف الهواء الذي يعمل الآن، أو إلى الميكروفون الذي يلتقط صوتي، أو إلى مكبرات الصوت التي تبثّ الصوت، أو إلى أيٍ من الأجهزة الكهربائية التي تشاهدونها حولكم.. عندما ننظر إليها، لا نجد أياً منها يعمل بإرادة منه، فلا المصباح يستطيع إضاءة نفسه تلقائياً، ولا المروحة تمتلك في نفسها الإرادة على التوقّف عن الدوران. نعم، لو قمت بإغلاق المفتاح الكهربائي لتوقّفت عن الدوران، أما إن لم تفعل ذلك، فسوف تستمرّ في دورانها. وكذا الأمر مع بقيّة الأجهزة؛ فإرادة جميع هذه الأجهزة مرتبطة بذلك المفتاح الرئيسي الموجود في مدخل البيت، والذي يتّصل بواسطة أسلاك الكهرباء الموجودة في الشارع بمحوّلة كهربائية تتغذّى من شبكة الكهرباء الرئيسية، هذه الشبكة تنتهي بمحطة توليد الطاقة الكهربائية، والتي تعمل بالوقود أو تُدار بقوّة المياه المتساقطة من أعلى السدود المبنية على مجاري الأنهار.
فلو توقّف المولِّد التوربيني للحظة واحدة، والذي يعمل الآن بواسطة ضغط الماء المتدفّق ويقوم بتوليد الكهرباء.. لانطفأت هذه المروحة أو ذلك المصباح ولعمّ الظلام جميع المكان! ولن يكون هناك نورٌ ولا حركة ولا جريان لتيار الهواء البارد، الأمر الذي سيضطرّنا إلى العودة لاستخدام تلك الفوانيس النفطيّة القديمة والتي كانت تُضاء بواسطة النفط أو الزيت، على أنَّ لتلك المصابيح حُسنها الخاصّ بها وجوّها اللطيف في ذلك الزمان.

    

المحافظة على روحية المساجد وعدم تزويقها وزخرفتها

رحم الله جميع الماضين؛ فعندما زار المرحوم السيِّد الحدّاد إيران، تشرّف في إحدى الليالي للمجيء إلى قم وكنت حينها صبيًا؛ ففي إحدى الليالي ذهبنا معه ومع بعض الرفقاء إلى مسجد جمكران، ولم يكن مسجد جمكران في ذلك الوقت بالشكل الذي هو عليه اليوم، بل كان مسجداً قديماً وصغيراً، ويبدو بأنَّه لم يكن مزوّداً بالكهرباء حينها؛ [لا أتذكّر جيداً] فيما إن كان باب المسجد مغلقاً، أو فتح لنا عند وصولنا، فحضر خادم المسجد وأحضر معه فانوساً نفطياً.
أمضينا ساعة من الزمان هناك، وقد استحسن المرحوم الحدّاد نورانيّة المسجد كثيراً، وقال: إنَّه مكان نورانيّ جداً! لكن بعد إعادة بنائه وتوسعته، لم يعد نفس ذلك المسجد السابق بالطبع، فقد تبدّل عمّا كان عليه. وعندما ذهبتُ بمعيّة المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه لزيارة المسجد في وقت لاحق قال: هذا المسجد ليس ذلك المسجد الذي عهدناه، فلقد كان ذلك المسجد مسجداً آخر. وبالعموم، فقد كان الحال المعنوي للمسجد في ذلك الوقت مختلفاً كثيراً.
لم يقل النبي الأكرم عبثاً عندما أوصى بعدم زخرفة وتزيين المساجد، وعدم تلبيس جدرانها وتزيين سقوفها، وعندما أمر بألاّ يتجاوز ارتفاع جدران المسجد للمتر أو المترين، وأن يتم تسقيفه بجريد النخل فقط، وأن يكون «عريش كعريش موسى»[2].. كلامه ذلك لم يكن عبثًا.
أمّا اليوم فترى الناس يقومون بتلبيس جدران المساجد بالسيراميك والمرايا والزخارف الدقيقة. نحن لا ننكر أنّ فيها فنّاً دقيقاً، إذ هذا مما لا يشكّ فيه أحد، ولكنَّنا نقول: إنَّ لكلّ شيءٍ محلّه الخاص به؛ فعندما يدخل شخص المسجد، إلى أيّ شيء يريد أن يتوجّه؟ وإلى أي شيء يريد أن يصرف فكره؟ فهل يريد أن يصبّ توجهّه نحو تلك الزخرفة الدقيقة، وتلك المرايا التي تحيط به من كل مكان؟ فإن كان كذلك، فمتى سينصرف ذهنه نحو الله إذاً؟ لا يمكن لأحدنا أن يحمل بطيختين بيدٍ واحدة؛ فإن كانت لدى أحدنا قوة كافية، فقد يستطيع حمل بطيخة واحدة في كلّ يد، وإلا فعليه أن يحمل بطيخة واحدة بكلتا يديه.
يتمّ صرف الكثير من الأموال في هذا المجال، والحال أنّه ينبغي أن تُستغلّ هذه الأموال في مجالات أخرى؛ فمع وجود كلّ هؤلاء المساكين والمحتاجين والمشرّدين والجياع ومن لا يجد ما يستر به بدنه، ومع وجود الناس الذين يعانون من مشاكل ماديّة مختلفة، وكلّ هؤلاء الفقراء والمرضى.. نأتي ونصرف تلك الأموال الطائلة على الزخرفة والسيراميك والمرايا والتذهيب وأمثالها؟! ما المبرّر لذلك؟
المسجد هو المكان الذي يجب أن ينحصر توجّه الإنسان فيه إلى الله فقط، لذا أمر النبي بألاّ يتوجّه فكر من يدخل المسجد إلى أيّ شيء آخر غير الله؛ إذ نحن من البشر، والبشر يمتلكون نفساً وقوى متخيّلة وقوى واهمة، فما دمنا لم نتحرّك من الجزئية نحو الكلّية، وما دمنا عالقين في مستنقع الكثرات والتوهّمات، فلن نستطيع تحطيم هذا السدّ وكسر هذه الأغلال والقيود الآخذة بأيدينا وأرجلنا الموجبة لتوغّلنا في الكثرات والتوهّمات أكثر. لهذا السبب ترى الناس يخسرون؛ فهم بدلاً من أن يعملوا على إيجاد الحالة اللازمة للاتصال بالله في الصلاة، تراهم يركّزون اهتمامهم على ألوان السيراميك، وكيف أنّ الحمرة هناك ينبغي أن تكون أكثر، واللون الأخضر هناك أقل، وأنّه من الأفضل أن يكون اللون الأزرق بشكل آخر. فيقضي صلاته وهو مشغول بالسيراميك والذهب والمرايا وأمثالها.
على الرغم من أنّ مسجد القائم ـ الذي كان المرحوم العلاّمة يُقيم الصلاة فيه ـ كان أحسن حالاً من بقية المساجد من جهة تلبيس جدرانه بالسيراميك، وعلى الرغم من عدم احتواء محرابه على تلك الزينة؛ حيث كان ملبّساً بنوع عادي من السيراميك.. على الرغم من كلّ ذلك، كنت أسمعُ المرحوم العلاّمة ـ وكنت طفلاً حينها ـ يقول مراراً: لو كان الأمر بيدي، لهدّمت هذا المحراب بيدي، ولوقفت للصلاة هنا بدون هذا السيراميك والمحراب.
فما هي الحالة التي كان يشعر بها المرحوم العلاّمة في صلاته حتى يقول هذا الكلام، في الوقت الذي لا نسمع فيه من بقيّة أئمّة الجماعات هذا الكلام؟ لماذا ينفرد هو بهذا الأمر؟ فهل عند غيره من العلم ما ليس عنده؟! [هذا واضح البطلان] فما الذي جعله يقول: أيّ مسجد هذا الذي بنوه لنا؟! لا ينبغي أن تكون جدران المسجد ملبّسة بالسيراميك، بل يجب أن تكون جدرانه عاديّة وخالية من كل شيء عدا الآيات القرآنية والأذكار الإلهية التي يمكن أن تُنقش عليها.
كنت في مدينة طهران الأسبوع الماضي أو الأسبوع الذي قبله، وقال لي أحد الأصدقاء دعنا نذهب إلى مسجد القائم لأداء صلاتي المغرب والعشاء فيه، فقد اشتقت إليه. فذهبنا إلى هناك، فوجدتهم قد وضعوا لوحة مصابيح تشير إلى الصلاة التي فيها إمام الجماعة؛ الأولى أو الثانية! كما وضعوا لافتة كبيرة كتبوا فيها تفاصيل صلاة الغفيلة، وأمور أخرى من هذا القبيل!
لا يوجد ما يبرّر وضع مثل هذه الأشياء، فمن يدخل المسجد ويجد صلاة الجماعة منعقدة، بإمكانه الاقتداء بالإمام؛ سواء كان في الصلاة الأولى أو الثانية. فما الداعي لوضع مثل هذا المصباح؟! فبمجرّد وقوع نظر المصلِّي على المصباح، سوف ينصرف ذهنه عن الصلاة! إذ لا يمكن للقلب أن يسع شيئين في آنٍ واحد؛ بل لا يسع غير شيء واحد، وعليه فإن وقع بصرك على تلك اللوحة، فقد انتهى الأمر؛ إذ ما كان ينبغي أن يستقرّ في القلب سيغادره، ويقول: إنَّ هذا المكان [القلب] إمّا أن يكون مخصّصاً لي أو لهذه اللوحة المعلّقة هناك، وهو إمّا أن يكون لي أو لتلك الكتابات المنقوشة، أو لتلك الصورة المعلّقة هناك. فهذا القلب لا يمكنه أن يسعنا نحن الاثنين معاً، بل يسع صورة واحدة فقط، فعليك إمّا أن تشغله به [الله] وتغمض عينيك عمّا سواه، أو أن تشغله بتلك الصور والشعارات واللوحات والكتابات المختلفة؟
بناءً على هذا، فليس من الصواب فعل مثل هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون المسجد خالياً من الصور والشعارات واللوحات، ومن أيّ نوع من الكتابات. نعم بالنسبة لما يتعلّق بكتابة أسماء الله والأذكار، فلا مانع من كتابتها، إذ هي تبعث على إضفاء النورانية على المسجد، ولها تأثيرها الخاص بها، بشرط ألاّ تكون مصحوبة بالزخرفة والزينة وما شابه ذلك، فهذا بحد ذاته يُعد مانعاً وحجاباً. إذ عندما تنقش أسماء الله بشكل مزخرف على الجدار، لن يدخل إلى القلب إلا تلك الزينة والزخارف لا الاسم، وسيقول الاسم: أنا سأبقى خارجًا، لن أدخل مع تلك النقوش والزينة. فقلبك إمّا أن يكون محلاً لي أنا أو لتلك الزينة، وبما أنّ الاسم لن يدخل القلب، فستدخله الزينة بدلاً عنه، وبطبيعة الحال لا فائدة من دخول الزينة إلى القلب؛ فأيّ فائدة سيستفيدها القلب من دخول تلك الزينة؟! ففي النهاية، الزينة زينة، ولا فرق بينها [سواء بنقش أسماء الله أم غيرها]

    

مراعاة عدم وضع الإنسان أمامه ما يوجب التشتّت في صلاته

يُوصي الأولياء بأن تكون كلمة الله التي ينبغي النظر إليها خالية من أيّ نوع من أنواع الزينة، بأن تكون مجرّدة، ولا تكون اللام مشدّدة، بل ينبغي أن تكون كلمة الله منوّرة دون تشديد، فوضع الشدّة غير صحيح، إذ نفس تلكما اللامين تدلّ على الله المشتقّة من الإله. لذا يجب أن تكون كلمة الله بهذا الشكل البسيط، كما ينبغي ألاّ يكون النور من القوّة بحيث يؤذي العين، ولا من الضعف بحيث يؤدِّي إلى عدم التركيز وانصراف الذهن، كما ينبغي ألاّ يكون لون الضوء أخضرًا أو أحمرًا، أو أبيضًا أو أزرقًا. وعدم مراعاة تلك الأمور سيوجد الخلل تلو الآخر في الوصول إلى الهدف الذي يتم من أجله النظر إلى ذلك النور، وسوف يؤدِّي إلى سلب تركيز الناظر وحاله الذي يجب ألاّ يبقى معه غير الله. فذلك النور يحكي عن الحقيقة التي يجب التوجّه إليها لكي يتّحد القلب بها.
كما ينبغي أن يكون لون سجّادة الصلاة أبيض، وأن تكون خالية من الزخارف أو النقوش؛ لأنّ ذلك مما يتسبّب في تشتيت الذهن، فإن كانت السجّادة ملوّنة بالأحمر والأزرق، سيؤدّي ذلك إلى تشتيت الذهن عند النظر إليها، أمّا إذا كانت السجادة بيضاء، فلن يخطر على الذهن ما يصرفه إلى مكان آخر. وعندما تقف أمام الله، فلا ينبغي أن يخطر على ذهنك أيّة خاطرة أخرى

    

مراعاة الأدب مع اللـه تقتضي عدم الالتفات إلى غيره

إذا ذهبت لزيارة صديق لك، أو لمقابلة أحد العظماء على سبيل المثال، ودقّ هاتفك المحمول ونظرتَ إليه في محضره ألن ينزعج منك؟! ألن يقول لك: أحضرتَ هاتفك المحمول إلى هنا؟! وشغلت فكرك به وأنت معي؟! ناهيك عن أولئك الذين يخرجون هاتفهم من جيبهم ويجيبون عليه، ويقولون لك: معذرةً يا أخي! فمن الطبيعي أني سأقبل عذره، إذ ليس بمقدوري قطع رأسه! فيرفع الهاتف ويتحدّث! عندما يتعرّف الإنسان على حالة الشخص الذي يقابله، سوف يعرف كيف يتعامل معه، وسيقول في نفسه: ما دمتَ تكنّ للطرف المقابل هذا المقدار من الاحترام، فسأتكلّم معك بمقدار ما لديك من سعة وإدراك لا أكثر.
ولو ذهبت لمراجعة طبيب وأخذت في شرح حالتك له، ودقّ هاتفك وأنت تتحدّث إليه، فهل ستخرجه من جيبك وتقول له: اعذرني فعليَّ الردّ؟! إذا فعلت ذلك فسيقول لك الطبيب: اخرج من هنا واذهب إلى غيري! لكن لماذا يحصل مثل هذا الشيء عندنا هنا؟ السبب في ذلك يعود إلى أنَّنا نرجّح تلك الأمور الماديّة والظاهريّة على الأمور الإلهيّة! لقد وصلت مصيبتنا إلى هذا الحدّ الذي لم نعد فيه نحترم الله والمسائل المعنويّة والأخروية وأمورنا الهامّة بالمقدار الذي نحترم فيه الطبيب.
بمجرّد أن يدقّ هاتفك، سوف يذهب ذهنك معه، وتكون قد فاتتك هذه الفرصة! فاذهب وابحث عن فرصة غيرها، إذ لا فائدة من الاستمرار معك في الحديث والحال هذه، ولن يُثمر مثل هذا الحديث إلا المزيد من الجهد بلا فائدة. نعم، إنما يكون الحديث مؤثّراً إذا ركّزت اهتمامك وتوجّهت نحو المتكلّم، فحينئذٍ ستنال نصيبك وسيحصل تبدّل في حالك، أمّا فيما عدا ذلك؛ أي إن أردت الحصول على الله والتمر معاً[3]، فسيغادر الله ولن يبقى لك سوى التمر مع ما به من النوى. هذا هو الطريق الذي أرشدنا نحوه العظماء؛ وهو كما قالوا، ولا يوجد طريق آخر غيره.
بلبل به باغ وجغد به ویرانه تاخته
                             هر کس به قدر همت خود خانه ساخته

(اختار البلبل الحدائق، بينما ذهبت البوم إلى الخرائب لتختارها سكنًا لها، فكلٌّ يبني بيته بحسب ما لديه من العزم والهمّة)
كلّ واحد منَّا [يطوي طريقه] بحسب ما لديه من الهمّة والمعرفة والمحبة والرغبة والفهم. نعم الفهم! فعلى الإنسان أن يطلب من الله أن يمنحه الفهم الصحيح للأمور، فكلّ ما يحصل من تخلّف، إنَّما هو بسبب قصور الفهم. أما إذا حصل لأحدهم الفهم الصحيح، فسيكون قد حاز أمراً في غاية الأهمّية

    

عدم الإطاعة الواقعية للوليّ توجب التوقّف عن السير

كنت أقرأ هذه الليلة إحدى الرسائل التي كان المرحوم العلاّمة قد أرسلها إليّ قبل حوالي أربعين عاماً، ترتبط بقضيّة كانت قد حصلت في ذلك الوقت، وهي رسالة ملفتة للنظر، فقد سُعدتُ بقراءتها كثيراً. حيث تتحدّث عن قضيّة حصلت بعد الثورة؛ وهي بعدما انتقل المرحوم العلاّمة إلى مشهد، وتولّى إمامة الجماعة في مسجد [قائم] رجل آخر من بعده.. كتب لي في تلك الرسالة: أبلِغ كافّة الإخوة بضرورة الحضور إلى المسجد وتقبّل كل ما يقوله إمام الجماعة، فقد بلغني أنَّ بعضهم لا يذهب إلى المسجد لعدم وجودي فيه ـ بالطبع هو لم يقل «لعدم وجودي فيه» بل أنا أضفته من عندي الآن، ولكن هذا هو معنى كلامه ـ لقد هجروا المسجد، وبلّغوني بأسمائهم أيضاً.. قل لهم: سيؤدّي هذا الأمر إلى توقّف في سلوكهم.. إنّها عبارة عجيبة جدّاً!
لقد كان هذا الأمر ملفتاً لي جدّاً؛ ولعلّها المرّة الأولى التي أصادف فيها هذه الرسالة بعد تلك المدّة! إنَّه يقول هنا: عندما آمركم بشيء، فلا تأخذوا بالسؤال عن هذا وذاك، بل يكفي أنّني أنا الذي قلتُ لكم افعلوا هذا الأمر. فحالتكم في الذهاب إلى المسجد هي نفس حالة ذلك الرجل الذي ذكر المرحوم العلاّمة اسمه في كتاب الروح المجرّد، وهو أنّه دخل يومًا إلى منزل المرحوم الحدّاد فوجد شيخًا يريد أن يتقدّم لإمامة الجماعة، فانفعل كثيرًا وثارت ثائرته ورفع صوته وخاطب المرحوم الحدّاد قائلاً: إنّما جئت إلى هنا لأصلّي خلفك أنت، فإذا بي أجد هذا الشيخ فلان الفلان يتقدّم لإمامة الجماعة، وعليَّ أن أقتدي به في صلاتي؟!
انظروا كم هذا الكلام خاطئ وباطل، فما دمتَ قد جئت إلى هذا المكان، عليك أن تحطّ رحالك هنا، فلا دخل لك في تقدّم هذا أو تأخّر ذاك، وفيمن سيؤم الجماعة أو من يصلّي خلفه! فكلّ هذا الأمر لا يعنيك أبدًا. [فلا تقل لأستاذك] ما الذي يدعوك للصلاة خلف ذلك الشخص؟ وبأي عنوان تصلّي خلفه؟ فحتى لو لم يكن أهلاً للسلام عليه، إلا أنَّه عليك أن تقتدي به الآن امتثالًا لأمر أستاذك! فلماذا تركت الالتفات لهذه الجهة وهذا العنوان وتمسكّتَ بالأمر الظاهري وقلت: كيف لهذا الشيخ أن يتقدّم لإمامة الصلاة؟ واويلاه! لقد ضاعت جهودي هباءً، فقد قطعتُ كلّ تلك المسافة وأتيت إلى هنا لأجد هذا الشيخ أمامي، وعليَّ أن أقتدي به في صلاتي! لكن إلى ماذا سيؤول ذلك؟ سيؤول إلى التمرّد، فمن أين لك أن تعلم حقيقة ما يجري؟ فلعلّ أستاذك هو الذي أوجد مثل هذا الظرف! [فيجب الانتباه إلى هذا الأمر جيدًا] حيث تكمن هنا نكتة ظريفة ومهمّة!
ففي الكثير من الأوقات يقوم الأستاذ بإيجاد ظروف لا تتناسب مع أهواء ورغبات نفس التلميذ، فيوقعه فيها ليرى كيف سيتعامل التلميذ معها؛ فإن تعامل معها بشكل صحيح فسيربح، وأمّا إذا اعترض وقال: لماذا هذا ولماذا ذاك [فسيخسر]. والأستاذ لا يصرّح لتلميذه بأنَّ هذا الأمر من تدبيره هو، بل سيتظاهر بأنّه لا دخل له بالأمر، ويقول: لقد طرق عليَّ الباب وأدخلته، إذ ليس من الصحيح أن لا استقبل الضيف. لا يمكن للأستاذ أن يكشف لتلميذه هذا السّر ويقول له: أنا الذي رتّبت هذا الأمر! لذا على التلميذ أن يركّز على تكليفه في هذه القضية. نعم، كان عليه أن يقول: ما شأني بهذا الأمر، لقد جئت إلى بيت أستاذي، فما دخلي إن تقدّم هذا لإمامة الجماعة أو تقدّم يزيد أو الشمر! وعندما أقتدي بهذا الشيخ، فأنا إنَّما أفعل ذلك بأمر أستاذي، ولو أنَّه اقتدى به بطيب خاطر، فربّما كان سيتقدّم في سيره ـ وأقول ذلك بكلّ جرأة ـ بأكثر مما لو كان قد صلّى خلف أستاذه لمدّة عشر سنوات أو عشرين سنة. إذ لا يمكن لذلك السدّ الموجود في طريقه أن يتحطّم، والذي لا بدَّ من تحطيمه، إلا بتلك الصلاة، لا بالصلاة التي يصلّيها خلف أستاذه لمدة عشر سنوات أو عشرين سنة، فلا تستطيع هذه الصلاة من تحطيم ذلك السدّ.
فالعمل بخلاف رغبات النفس وبخلاف مراد النفس، هو ما يعنيه السلوك، وهو الذي يعمل على تحطيم تلك الأوهام والقضاء على التخيّلات التي تراكمت في ذهنه ونفسه. ولهذا العمل وَقْع المطرقة التي تنزل على النفس وتسحقها، ومتى ما سُحقت النفس، ستتجلّى حقيقة التوحيد حينئذٍ دفعة واحدة.
أمَّا إذا صلّيت خلف أستاذك، [فسيُطرح عليك هذا السؤال:] من هو الأفضل والأعلى مرتبة، أستاذك أم رسول الله؟ ومنْ هم الذين كانوا يصلّون خلف رسول الله لمدّة عشر سنوات؟ وإلى أيّ شيء آل مصيرهم؟ لقد آل مصيرهم إلى أن قاموا بتمزيق جسد بنت النبي بين الباب والجدار! نعم، إنَّهم نفس الذين كانوا يصلّون لمدة عشر سنوات خلف رسول الله، والذين كانوا يتسابقون على أخذ قطرات الماء المتساقطة من وجه ويديه عند وضوئه، ويمسحون بها رؤوسهم ووجوههم! إلى أيّ شيء آل مصيرهم؟ وأيّة نتيجة جنوا من عملهم هذا؟ لذا علينا هنا أن نطلب من الله أن يمنَّ علينا بالفهم والإدراك السليم للأمور.
أمّا المرحوم العلامة فلم يكن كذلك، بل كان عندما يحضر لدى أستاذه، لا يفكّر بأيّ أمرٍ آخرٍ [غير أستاذه]، فكان لسان حاله يقول: ما دمتُ قد حضرت إلى هذا المكان، فلا يتفاوت الأمر لديّ سواء كان عنده شخص آخر أم كان وحده.
كانا يجلسان الليل كلّه يتحدثّان إلى الصباح دون نوم، وكنت كلّما استيقظت من النوم، أراهما يتحدّثان، فكنت أستمع خلسة إلى بعض ما كان يدور بينهما من حديث، وكنت أغطّي نفسي قليلاً بالغطاء حتى يكملا حديثهما بذلك الكلام الذي لا يقولانه أمامي. وقد حصل مرة في أواخر حياة المرحوم العلامة أن فلتت كلمة من لساني، فقال لي: من أين اطّلعت على هذا الأمر؟ فقلت له: سمعت ذلك في إحدى تلك الليالي التي كنتم تتحدّثون فيها مع السيِّد الحدّاد إلى الصباح. فقال لي: هل سمعت أنت هذا الكلام؟! قلت: نعم سمعته، فقال: وماذا سمعت غير ذلك؟ قلت: لا، لم أسمع الشيء الكثير، فقال: حسنًا لا شغل لي بما سمعته؛ ولكن عليك بالكتمان. وبالطبع لقد كان كل شيء بتصرّف منه! فهو الذي كان يتصرّف بنا، غير أنّه كان يريد بهذا ملاطفتنا.
وكذا الأمر عندما كان يدخل منزل أستاذه ويجد جمعًا من الناس عنده، لم يكن يختلف الحال لديه؛ فالأمر لديه واحد؛ سواء وجد لدى الأستاذ أحدًا أم وجده وحيدًا؛ لأنّه أناخ رحله في فناء أستاذه، وسلّم إليه كافّة أموره، ولم يجعل في ذهنه أيّ شيءٍ آخر، ولم يقرن مع أستاذه شيء. لذا تراه حصد ما زرع وفاز!

    

ليس في الكون شيء مستقل بوجوده عن ذات الباري تعالى

كان حديثنا يدور حول استخدام التيار الكهربائي في هذا المكان والذي يتغذّى من محطّة توليد الكهرباء الرئيسية، فسواء استفدنا من هذه الكهرباء في إضاءة مصباحٍ أو تشغيل مروحة، أم تضرّرنا منه، ففي كلتا الحالتين لا دخل للتيار نفسه في ذلك، فإن تسبّب هذا التيار في حصول ضرّر ما، سيكون ذلك بسبب إهمال المستخدم للكهرباء، ولا يلام نفس الجهاز على ذلك، ولا يمكن أن يُمدح الجهاز أو يُذمَّ على ما حصل؛ لماذا؟ لأنّ هذا الجهاز فاقد للشعور والإحساس! انتبهوا جيدًا لما أقوله، فهنا تكمن النقطة الحسّاسة في الأمر.
هذا فيما يتعلّق بالأجهزة، أمّا فيما يتعلّق بالمخلوقات وكيفيّة ظهورها من ذات الباري، فالأمر مختلف، إذ لا بد هنا من لحاظ جانبين، الجانب الأول يتمثّل في أنَّ كلّ ما في الوجود هو من الله، وكلّ ما يجري ويتحقّق في هذا العالم، فهو ذات الباري تعالى دون أن يشترك معه أو يختلط به شيء آخر، ودون أن يحصل تركيب أو امتزاج لأمر آخر معه؛ فكلّ ما يحصل إنَّما يحصل بواسطة تلك الحقيقة وذلك الوجود البحت والبسيط وتلك الواقعيّة الصرفة، فكلّ شيء نابع وناشئ منه، وهذا مما لا شكّ فيه أبدًا. وبعبارة أخرى، كلّ ما يُشاهد في هذا الكون ويكون له تحقّق خارجي، فهو ليس سوى ظهور لله وتجلٍّ له، فالفرق بين المخلوقات وبين التيار الكهربائي يتمثّل في أنَّ ذلك التيار يبقى متصلًا من وقت صدوره حتى استهلاكه وتحوّله إلى شكل من أشكال الطاقّة، وعندما يتبدّل إلى نور أو حركة أو حرارة أو إلى أي شيء آخر، فستنفصل هذه الطاقة عن مصدرها الأصلي ولا يعود لها أيّة علاقة بمحطة التوليد أبداً. فقبل أن يتم استهلاك هذه الطاقة، تكون مرتبطة بمحطة التوليد، ولكن بعد أن تتحوّل إلى شكل آخر تنفصل عن محطة التوليد، ولن يبقى لها أيّة علاقة بها، وتكون قد خرجت وتبدّلت إلى نورٍ أو حركةٍ، وعليه لن يبقى لها أي ربط بالمصدر. فإذاً هذا التيار يبقى متصلًا بالمصدر ما دام الاتصال بين المصدر والجهاز الكهربائي المستهلِك للطاقة قائماً، فما دام هذا الاتصال قائمًا تبقى الطاقة قائمة، ولكن بعد أن تخرج هذه الطاقة الكهربائية [وتتحوّل إلى شيء آخر] فسوف تنقطع علاقتها بالمبدأ.
أمّا ما يتعلّق بموضوع الخلق وتجلّي الله فالأمر مختلف؛ إذ لا يمكن أن يكون الأمر بحيث إذا تجلّى ظهور معين من ذلك المبدأ وتلك الحقيقة البسيطة ومن وجود الحق في الخارج، سوف تنقطع علاقته بمبدئه ويتحوّل إلى وجود مستقلّ عن خالقه، بحيث يصير لدينا وجودان منفصلان عن بعضهما البعض، وإلا سيكون ذلك مصداقًا للولادة التي نفتها الآية «لَمْ يَلِدْ» من سورة التوحيد. فموضوع الخلق لا يشبه موضوع الطاقّة التي تفقد علاقتها بالمحطّة عندما يتم استهلاكها في الجهاز الكهربائي، بل عندما يخلق الله خلقًا معيّنًا، فلن يكون ذلك المخلوق بمثابة المروحة التي تحوّلت فيها الطاقّة الكهربائية إلى حركة ليس لها أيّة علاقة بالمصدر الذي تتغذّى منه. بل الأمر في موضوع الخلق هو بالقول بأنَّ استمرارية بقاء هذا الظهور مقترن باستمراريّة بقاء المصدر، وعليه فلو انقطع هذا الاتصال ـ ولو لآنٍ واحد ـ لتبدّل ذلك الظهور إلى عدم محض.
بناءً على هذا يمكن تشبيه هذا الأمر بوقوفك أمام مرآةٍ، فما دمت واقفًا أمامها فسترى صورتك فيها. وتلك الصورة هي ظهورك في المرآة، بحيث أنّك إن تحركتَ جانبًا، ستختفي صورتك ولن يعود لها وجود. فوجود تلك الصورة مقترن بوجودك أمام المرآة دون أن تتحرّك، وإلا فسوف تزول الصورة.
إنّ تجلّي الله في مخلوقاته يتحقّق بهذه الكيفيّة أيضًا؛ فما دام الله موجودًا وإرادته قائمة سيكون هذا التجلّي موجودًا، وأما إذا لم تتعلّق إرادة الله بهذا المخلوق، لما تحقّق له وجود في الخارج. وليس الأمر بحيث إنْ أراد الله خلق شيء خلقه واعتزل جانبًا، فتنشغل مخلوقاته بالأكل والنوم وسائر نشاطاتها اليومية دون أن يكون لها شأن بالله. بل الحق هو أنّ المتجلَّى فيه قائم بالمتجلِّي، والظاهر قائم بالظهور، والمربوط المتدلي قائم بالحقيقة الربطيّة المتدلية؛ حدوثًا وبقاءً، فسيبقى ذلك الاتصال وتلك العلاقة قائمة ما دامت ذات الله ومشيئته وإرادته لهذا الأمر باقية، أما إذا انتفت تلك المشيئة، فلن يكون في الخارج شيئٌ يمكن أن يُطلق عليه لفظ المتجلّى فيه أو المخلوق.
وبناءً على هذا سيكون كلّ من الحدوث والبقاء ـ وهو، أي البقاء، عبارة عن حدوثٍ متسلسل ومتّصل بعضه ببعض ومستمر لا يتخلّله خلل أو فاصلة بين أيّة نقطتين منه ـ عبارة عن حقيقة التجلِّي لذات الله.
وعلى هذا الأساس، فأينما تجلّى الله بذاته التي هي ذات شعورٍ وقدرةٍ وإدراكٍ وبصيرةٍ وعلمٍ، فستتجلّى جميع هذه الصفات في المتجلّى فيه، لا أنّ هذا المخلوق قد اكتسب تلك الصفات من مصدرٍ آخر! لماذا ذلك؟ لأنَّ وجود الحقَّ قد تجلّى هنا، ولأنَّ جميع تلك الصفات كامنة في هذا الوجود، ففي هذا الوجود يكمن العلم والقدرة والاستعداد والفعلية والحركة، وبالطبع فإنَّ لكيفيّة التجلِّي ـ بحسب درجات القوّة والضعف، والكمال والنقصان، وبحسب مقدار قابلية المتجلّى فيه على حيازة العلم والقدرة ـ دوراً في تفاوت طبيعة المتجلّى فيه. لذا نحن ننسب كافّة الأفعال إلى الله؛ لأنّه: بما أنَّه لولا إرادة الحق لما كان لوجودنا تحقّق خارجي، فكذا الأمر بالنسبة إلى أفعالنا ـ التي هي بمثابة وجود ثانٍ لنا ـ فلن يكون لها أيّ وجود لولا تلك الإرادة، ولامتنع تحققّها أساسًا؛ لأنَّها قائمة بذلك الوجود

    

متى ننسب الأفعال إلى أنفسنا ومتى ننسبها إلى اللـه

وهنا يكمن السّر، فعندما يقوم الإنسان بعملٍ ما، إنَّما يقوم به بصفته تجلٍّ لذلك الوجود، وما دام تجلٍّ لذلك الوجود، فلا يمكنه حينئذٍ أن يرى نفسه مسلوب الإرادة فيما يقوم به. الذي يكون مسلوب الإرادة هو ذلك المصباح أو تلك المروحة أو مكيفة الهواء أو المسجِّلة، جميعها مسلوبة الإرادة؛ لأنَّ إرادتها بأيدينا نحن، أما هي فلا تتعدّى كونها آلة تستمدّ نشاطها من المصدر المتّصلة به، فهي تستطيع الاستمرار في عملها ما دامت متّصلة بالمصدر، فإن قطع اتصالها بالمصدر توقّفت عن العمل.
فالفرق بيننا وبين تلك الآلة هو شعورنا بأنَّنا نحن من يقوم بالعمل، وهو ما لا تمتلكه تلك الآلة. لكن لماذا يحصل مثل هذا التفاوت؟ السبب في ذلك يعود إلى كوننا تجلٍّ لوجود الله، وهو وجود يمتلك العلم والقدرة والفعلية، بل يمتلك كلّ شيء.
بناءً على ما سبق، لا يمكن للإنسان أن يتنصّل عن نسبة الفعل إلى نفسه في هذه المرتبة من مراتب الوجود ـ فهناك مراتب أخرى لسنا بصدد الحديث عنها في بحثنا الحالي ـ إذ للوجود مراتب وشؤون وخصائص متفاوتة، ففي هذه المرتبة التي نرى فيها أنَّنا نحن الذين نقوم ونقعد، ونحن الذين نأكل ونرفع أيدينا عن الطعام، ونحن الذين ننام وننهض من النوم، وما شابه ذلك، حيث نرى بأنَّنا نقوم بجميع تلك الأعمال بإرادتنا.. فما دمنا نرى ذلك، فيقتضي الأمر هنا أن ننسب تلك الأعمال إلى أنفسنا.
نعم هناك حالة أخرى لا نرى فيها لأنفسنا أيّة إرادة مستقلّة، ففي تلك الحالة سيكون شأننا شأن ذلك المصباح أو المكيّف الفاقد للإرادة المستقلّة، وعندئذٍ سيرتفع التكليف، فلا يمكن لأحد أن ينسب أيّ فعلٍ إلى نفسه، حتى يأتي ويقول أنا الذي فعلت هذا الأمر أو ذاك؛ وبالتالي لن يكون هناك معنى لحسن الأفعال أو قبحها.
فأنا عندما أتحدّث إليكم الآن، إنَّما أفعل ذلك لكوني أرى بأنَّ هذا العمل حسن، ولولا ذلك لما نزلت من المكان الذي كنت فيه! لكن بما أنّني أرى بأنَّ الإخوة قد تواجدوا في هذا المكان، [وأرى من الحسن] أن أجلس معهم لنتحدّث ونضحك معًا، فهذه الليالي هي ليالي شهر رمضان، وقد شارفت على الانتهاء، فشهر رمضان قد انتهى وليس لدينا أمل سوى أن يشملنا الله برحمته وعفوه، وأملنا بمضامين هذه الفقرات التي يدعو بها الإمام عليه السلام، وإلا فبدون ذلك ليس عندنا شيء ولا نشعر أننا نملك شيئًا.
قد يصل الإنسان إلى مرتبة يعبر فيها عن مرتبة حسن الأفعال وقبحها، ولا يرى فعلاً إلاّ ويراه فعل الله، ولا يرى نفسه سوى تلك الأداة والواسطة للقيام بذلك الفعل، وعندئذٍ لن يكون للقبح معنىً لكي يقول الإنسان: لمن يُنسب هذا القبيح لي أم لغيري؟ كما أنّه لن يكون هناك أيّ معنىً للحُسن كي يقول الإنسان: من قام بهذا العمل الحسن أنا أم الله وفقني له؟ بل لن يرى الإنسان في جميع العالم سوى عمل واحد، وحركة واحدة، ولن يرى سوى ذات واحدة في جميع العالم، وصفة واحدة، وإرادة واحدة! نعم لن يرى سوى إرادة واحدة في جميع العالم تعمل وفقًا لمشيئة الله.
وعلى هذا الأساس، فجميع حديثنا [المتعلّق بشرح كلمات] الإمام السجّاد، وما ورد عن أئمّة الهدى وأولياء الله والعظماء من أهل المعرفة إما بشكل دعاء أو بأيّ شكل آخر.. إنَّما هو في إطار الحالة الأولى [وهي نسبة الكلام إلى النفس] لا الحالة الثانية [النسبة إلى الله]. ففي الحالة الثانية يكون الفهم والإدراك منحصرًا في نقطة واحدة، إذ لا وجود للكثرة هناك حتى تنسب الأشياء إليها، ولن يكون هناك عابدٌ ومعبود، حتى يرى نفسه هو العابد والله المعبود، ولن يكون هناك حبيبٌ ومحبوب لكي يكون أحدهما المحبّ والآخر المحبوب، ولن يتصوّر هناك ذاكرٌ ومذكور حينئذٍ، بل لا يوجد هناك سوى إدراك لشيء واحد، ولا إدراك إلا لذاتٍ واحدة وصفة واحدة واسم واحد وإرادة ومشيئة واحدة، لن تُشاهَد سوى إرادة واحدة، فلا وجود لهذا وذاك كي يقوم هذا بإنجاز عملٍ ما، أو يقوم ذاك بتكليفٍ آخر! فجميع هذه الأمور إنَّما تحصل في الحالة الأولى، وهي الحالة التي نعيشها نحن، والتي جعلَتْكم تتركون بيوتكم وتأتون إلى هذا المكان، ثمَّ تعودون إليها بعد انتهاء المجلس.
أمّا بالنسبة للحالة الثانية، فالذي أتى بكم إلى هذا المكان هو شخص آخر غيركم لا أنتم، وهو الذي أعادكم إلى منازلكم، لا أنّكم عدتم بإرادتكم، وسيكون هناك شخص آخر هو الذي يُطعمكم وهو الذي يكفّ أيديكم عن الطعام، لا أن يكون ذلك مِن فعلكم أنتم. ففي تلك الحالة ستكون هناك وحدة تجمع بينه وبينكم، وستكون هناك إرادة واحدة هي الحاكمة، لا أنّ هناك وجودًا لإرادتين تتبع إحداهما الأخرى.
وبناءً على هذا، فإنَّ جميع أدعية الأئمّة عليهم السلام، وما وَصَلنا عن العظماء، وابتهال وبكاء ومناجاة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة، ودعاء الإمام الحسين في يوم عرفة، وأدعية الإمام السجّاد كدعاء أبي حمزة الثمالي، وكلّ ما وصلنا من الأدعية الواردة في مصادر المذهب الشيعي وجميع الآثار التي وصلتنا عن المعصومين عليهم السلام.. جميعها تخصّ الحالة الأولى التي يجري فيها إدراك الحسن والقبح، ويشعر فيها الإنسان بامتلاكه للإرادة والاختيار، ففي مثل هذه الحالة يُقرأ الدعاء

    

من ثمرات مسألة البقاء بعد الفناء أن لا يرى السالك في نفسه الرغبة للمعصية

أمَّا في الحالة الثانية، فلا معنىً لقراءة الدعاء، فمن يريد أن يدعو من؟! إذ عندما يرى المرء أن ليس هناك إلا إرادة واحدة لا أكثر، فماذا ستفيده قراءة دعاء أبي حمزة؟! ولماذا يقرأ دعاء الإمام الحسين في يوم عرفة؟! فهو لا يرى غير الله، ولا يعرف معنىً للحُسن أو القبح كي يسعى إلى تغيير حاله للوصول إلى الحَسَن! بل يرى إرادةً واحدةً وذاتًا واحدةً. وهذا هو حال الأولياء في مقام الفناء، نعم هذا هو المقصود من ذلك الفناء الذي طرق مسامع الرفقاء والأصدقاء.
نعم قد يحصل الفناء للسالك خلال طيّه للطريق، غير أنَّ ذلك يكون على نحو الحال لا على نحو الملكة والمنزل والمقام، فيحصل له ذلك لأنّ الله يريد أن يقول له: التفت فهناك أمور من هذا القبيل مخبأة ومحفوظة عندنا، فتحصل له بعض الومضات، لكي يعرف بأنّه ليست جميع الحالات بنفس الكيفية، ولكن تلك الحالات تكون مؤقّتة ليس لها دوام، ومن الممكن أن يصاب السالك أثناء ذلك بحالة من الإغماء أو الغيبوبة، أو قد يفقد الانتباه والتركيز بحيث إذا نظر إليه أحد رآه فاقدًا للانتباه، ورآه يعيش في عالم آخر. فتحصل هكذا حالات للسالك، غير أنَّه يعود إلى هذا العالم بعدها.
إنَّ هذا الأمر سيتبدّل بعد عودة السالك من مقام الفناء أي عند وصوله إلى مقام البقاء بعد الفناء ورجوعه إلى عالم الكثرة، أيّ عندما يرجع ويحصل له البقاء كما هو الحال مع الأئمّة المعصومين ـ وتبعًا لهم العرفاء والأولياء الإلهيين ـ عندما يصلون إلى مقام البقاء، سيكون لديهم تلك الحال الأولى التي كانوا عليها قبل الفناء بالإضافة إلى جنبة من المعرفة [الجديدة]، فهم قبل الفناء لم يكن عندهم ذلك الجانب من المعرفة، وتلك الإحاطة والإشراف على جميع حقائق عالم الوجود، ولم يكن عندهم قبل الفناء إلا مقدار من ذلك الشعور والإدراك والبصيرة، أمّا في مقام البقاء بعد الفناء، فبما أنّ نفسه قد اضمحلت وتلاشت، فستتبدّل تلك النفس إلى نفس أخرى؛ نفس إلهيّة تجلّت فيها حقيقة الوجود بشكل كامل، ولن يعود لديها ذلك الاختيار للتغيير والتبديل الذي كان قبل الفناء.
لهذا السبب لا يمكن أن يرتكب ذلك الولي الذي وصل إلى مقام البقاء أيّ ذنبٍ؛ لأنّ نفسه لم تعد تميل نحو الذنب أصلًا، ولذا فهو ليس بحاجة لأن يزجر نفسه عن الذنب؛ لأنّه لا يميل نحو المعصية أصلًا. طبعًا هذا لا يعني أنه لا يعرف في هذا المقام ما هو الذنب وما هي المعصية وما معنى التمرّد على الأوامر الإلهية، بل هو يعرف ذلك جيّدًا، غير أنَّ نفسه لا ترغب بارتكابها. أمّا نحن، فعندما ننظر إلى أنفسنا، نجد بأنَّ لديها الرغبة في ارتكاب المعصية، ولكنَّنا لا نرتكبها لعدّة أسباب منها: الخوف من عذاب يوم القيامة، أو حفاظًا على سمعتنا ومكانتنا من أن تتشوّه في نظر صديقنا الجالس إلى جنبنا! وبما أنّنا جالسون في هذا المجلس ينظر بعضنا إلى البعض الآخر، نجلس بأدب كما يجلس الأطفال المؤدّبون، دون القيام بأيّ أمر مخل [ضحك]، أما لو كنَّا نجلس في هذا المكان وحدنا، فهل كنَّا سنتصرّف بنفس هذه الكيفيّة؟
وهذا ما تُشير إليه الفقرة من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام ـ ومن المستبعد أن نستطيع تناولها بالبحث هذا العام ـ التي يقول فيها: «واعفُ عن توبِیخِي بِکرمِ وَجهِك فلو اطَّلع الیومَ على ذنبِي غَیرُك ما فَعلتُهُ». نعم، هذه العبارة هي إحدى تلك العبارات التي لو تحدّثنا عنها طيلة شهر رمضان، لما تمكّنّا من أداء حقّها. فإن شاء الله ومنحنا التوفيق ومنَّ علينا بديمومة العمر، سوف نتحدّث عنها وعن الفقرات التي بعدها في شهر رمضان القادم.
نحن عندما نمتنع عن ارتكاب المعصية، إنَّنا نمتنع لعدّة أسباب، وإلاّ فالنفس ترغب في ارتكابها؛ فمن يستطيع أن يدّعي تنفّره عن ارتكاب المعصية؟! فلو كان الإنسان لا يستسيغ ارتكاب المعصية، لما ارتكبها أحد في العالم، ولو لم يكن يرى أنَّ الكذب يجلب له المنفعة، ولم يكن يستسيغه، لما رأيتَ أحدًا يكذب! ولو لم يرَ الإنسان بأنَّ الغيبة وتوجيه التُّهَم للآخرين يجلب له المنفعة، لما قام به أبدًا! ولو كانت النفس لا تستلذّ بارتكاب المعصية، فهل صاحبها مريض حتى يُقدِم عليها؟! فما هو الدافع الذي يدفع أحدهم لتوجيه ألف تهمة وتهمة لصديقه؟! وما الذي يدفعه إلى تقفّي أخطاء صاحبه ويجمعها في ملفٍ منتظرًا اليوم الذي سيوقع به ويفضحه، أو يستفيد منها حتى يجعله يخسر في الانتخابات التي ستجري! وما الذي يحثّه على القيام بالكثير من هذه الألاعيب التي تُشغل الناس في هذه الدنيا، ويبدو أنَّهم مستمرّون على فعلها، ولن يدعوها ويتخلّون عنها في يوم من الأيّام.
لو لم يكن الإنسان يستسيغ كلّ هذه الأمور لما قام بها، فالرغبة في ارتكاب المعصية موجودة فينا إذاً، غير أنَّنا لا نُقدِم على ارتكابها لعدّة أسباب؛ فالبعض لا يرتكب المعصية خشية أن يؤاخذ عليها في يوم من الأيّام.. يُقال بأنَّ البعض عندما يريدون أن يُجروا مناظرة فيما بينهم، يتفقون قبل الذهاب إلى مكان إجراء المناظرة على عدم التطرّق إلى بعض المؤاخذات [الشخصية] التي يمتلكها أحدهما على الآخر! أهكذا كانت سيرة رسول الله؟! هم يدّعون السير على نهج رسول الله! فهل كانت الأمور تجري على هذا المنوال في عهد رسول الله أو في عهد الإمام الصادق؟! وهل هذا ما كان الإمام الصادق أو الإمام الرضا يعلّمه لأصحابه؟! وهل يعتبر هذا من تعاليم الإسلام التي يحثّ أتباعه على الالتزام بها؟ العياذ بالله من أن يكون الأمر كذلك!
لا يمكننا أن ندّعي عدم وجود الرغبة في أنفسنا على ارتكاب المعصية، فهذا مما لا يمكن إنكاره، غير أنَّ الإنسان يعمل على مجاهدة نفسه، ويمنعها من ارتكاب المعصية؛ أمَّا إذا حصل اتصال للإنسان بربه وكسب ذلك الحال المعنوي الذي تحدّثنا عنه في الليالي الماضية، فسيرى نفسه تمتنع عن ارتكاب المعصية تلقائيًا، حتّى وإن لم يكن في المكان من يطّلع على عمله، فلماذا يمتنع عن ارتكابها؟ لأنَّه يرى بأنَّه سيفقد شيئًا، فما الذي يفعله من أجل ألاّ يفقد ذلك الشيء؟ إنَّه لا يُقدِم على ارتكاب المعصية على الرغم من علمه بعدم وجود من يراه.
لقد رأى نبيّ الله يوسف بأنَّه إن أقدم على ذلك الفعل، فسيفقد كلّ شيء، فهذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ﴾[4]. يقول الله تعالى في هذه الآية: لقد أريتُ يوسف قُبح المعصية وما ستسبّبه له من البعد عن ساحتي، فقلت له: إن كنت تريد القرب منِّي، فعليك أن تجتنب فعل هذا الفعل، وإن كنت تريد البعد افعله! ولن أدع أحدًا يطّلع عليك؛ حيث كانت تلك المرأة قد أوصدت الأبواب وأقفلتها بأربعين قفلاً، بحيث لو حاول ألف جندي فتحها، لما تمكّنوا من ذلك

    

العمل الموجب لكدورة النفس يجب الابتعاد عنه وإن لم يرد دليل على حرمته

ولكن عليك أن تعرف بأنَّ عملك موجود.. فحتى لو فرضنا أنّني غير موجود وأنّ الملكين الموكّلين بكتابة أعمالك والجالسين عن يمينك وشمالك غير موجودين، ولكن ماذا عن عملك؟ فهل له وجود أم لا؟ لا شأن لنا الآن بالملائكة، فافرض بأنَّهم سيُغمضون أعينهم ولن يروا ما ستقوم به، ولكن ماذا ستفعل بعملك؟ نعم، لو كنتَ قادرًا على القيام بتصرّفٍ ما، تزيل به القُبح والدَنَس عن باطن ذلك العمل، فافعله! لا إشكال في ذلك. نعم، إن لم يؤدِّ عملك إلى تكدّر نفسك وخاطرك، افعله! وسيكون ذلك العمل مباحًا شرعًا؛ باعتبار أنّ العمل المحرّم شرعًا هو العمل الذي يبعث على إيجاد الكدورة في نفس الإنسان، والعمل المكروه كذلك على اختلاف شدّة الكدورة، أما العمل الذي لا يبعث على تكدّر النفس ولا يوجب ابتعاد العبد عن ربّه، فلا يكون حرامًا أو مكروهًا من الناحية الشرعية. وهذا من قواعد الأصول والاستنباط المهمّة، والتي تفيد أنَّه وإن لم يكن هناك رواية تشير إلى حرمة عملٍ ما، ولكن كان الإتيان بذلك العمل موجبًا لحصول كدورة في نفس المكلّف، فيجب عليه الامتناع عنه، ولا يمكنه في مثل هذه الحالة التمسّك بقاعدة البراءة والإباحة والقول بأنّه لا إشكال في الإتيان بذلك العمل من الناحية الظاهريّة، والقول بإمكانيّة إجراء الحكم الظاهري في مثل هذه الحالة.
كيف يمكن الالتزام بالبراءة والحال أنّ المكلّف يشعر في نفسه بتكدّر حاله وحصول انقباض روحي لديه، وفقدانه النورانيّة بإتيانه بمثل هذا العمل؟! فكيف تُبيحون الإتيان بهذا العمل لمجرّد عدم العثور على دليل يحرّمه؟ فعندما يلمس المكلّف هذا الأمر بنفسه ـ وهو أمر وجدانيّ ليس من قبيل اللغز المعقّد الذي يصعب حلّه ـ يستطيع معرفة التكليف المترتّب عليه.
بناءً على ما ذُكر، فعندما نجد الإمام عليه السلام ـ في هذا الدعاء وفي غيره من الأدعية ـ يخاطب الله قائلاً: لو لم تشملني عنايتك ولطفك يا ربَّ، لارتكبت كلّ تلك المعاصي.. فذلك يعود إلى هذا الوضع الذي عليه الإنسان، بحيث إن فُقد النور حلّ محلَّه الظلمة والبُعد عن الله؛ أيّ إنَّ الإمام يُلاحظ هنا تلك الحالة والمرتبة الوجودية التي يستطيع فيها الإنسان معرفة معنى الكدورة والقُبح، أمّا عندما لا يستطيع الإنسان أن يفهم معنى الكدورة والقبح، فيرجع إلى الحالة الثانية. ولقد ذكرنا آنفًا بأنَّ الإنسان لا يستطيع في تلك الحالة معرفة الحُسن أو القُبح، بل هو يرى إرادةً واحدة تكون هي الحاكمة؛ فتخرج المسألة هنا عن نطاق البحث السابق.
لقد كان ذلك توضيحًا إجماليًّا عن هذا الموضوع، وهو: لماذا نرى الأئمّة عليهم السلام ينسبون أفعال الخير في أدعيتهم إلى الله، في حين أنّ جميع الوجود بكلّ شراشره وآثاره ناشئ من ذات الباري تعالى؛ إذ لا وجود لغيره؟!
وهناك المزيد مما يمكن الحديث عنه في هذا الموضوع، إذ هو من المواضيع التي يمكن التوسّع بها كثيراً والبحث حولها؛ بحيث لو أردنا أن نخوض في بحث مفصّل حوله لاستلزم تخصيص شهر رمضانٍ كاملٍ له؛ حتى نستطيع تغطية بعض جوانبه وتوضيحه إلى حدّ ما.
نسأل الله تعالى أن يفتح أذهاننا لكي نتمكّن من استيعاب وفهم الأمور؛ وذلك لأنّ جميع الأمور [التي نحتاج إليها في طي الطريق] ترجع إلى الفهم؛ فليس عبثًا أن يقوم المرحوم العلاّمة ـ في كلّ مرّة كنت ألتقي به ـ بالسؤال عن مدى ترقّي إدراك الإخوة والرفقاء لمسائل السلوك وفهمهم لها، حتّى قال لي مرّة: لا شأن لي بحالاتهم الروحيّة، بل ما يهمّني هو مقدار فهمهم. فالفهم والإدراك في غاية الأهميّة؛ ولقد رأيتُ نتيجة ذلك بنفسي، حيث رأيتُ كيف يكون لهذا الأمر من تأثير بالغ الأهمّية في بقاء السالك واستمراره [وثباته]على الطريق بعد فَقْد أستاذه. فمسألة امتلاك الفهم والبصيرة في غاية الأهمّية حقًّا.
نسأل الله أن يرفع من مقدار فهمنا للأمور، وأن يوفّقنا بالإضافة إلى ذلك أن نطبّق مباني السلوك وحقائقه النورانيّة التي تبنّاها أولياؤه؛ وأن يوفّقنا لأن نتقيّد ونلتزم بتلك الأمور التي تعبّد بها العظماء وتقيّدوا والتزموا بها، فأوصلتهم إلى النتيجة المرجوّة، وأن يحفظنا ويصوننا من الانحراف نحو اليمين أو الشمال عن طريقهم الذي سلكوه إن شاء الله.
الّلهمّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد


[1] ـ الكرسي هو مدفأة قديمة كانت تستخدم في إيران، وهي عبارة عن طاولة يوضع تحتها موقد وتغطّى بغطاء، ويجلس حولها بعد تغطية اليدين والرجلين بالغطاء. [المترجم]

[2] ـ لقد ذكر العيّاشي هذه الرواية في تفسيره: ج 2، ص 111 و 112؛ و وردت في بحار الأنوار، ج 6، ص 632.

[3] ـ مَثَل يُضرب لمن خُيِّر بين أمرين لا يمكن الجمع بينها، فاختارهما معاً. [المترجم]

[4] ـ سورة يوسف (12)، جزء من الآية 24

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی