معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري > شرح حديث عنوان البصري - من المجلس رقم 201 إلى الأخير > شرح حديث عنوان البصري - الجلسة 238 : العرفان هو تخطّي النفس والعبور عن الأنانيّة

____________________________________________________

هو العليم

شرح حديث عنوان البصري المحاضرة 238

العرفان هو تخطّي النفس والعبور عن الأنانيّة

أُلقيت في 26 ربيع الأول 1439 هـ
قم المقدسة

سماحة آية اللـه السيّد

محمّد محسن الحسيني الطهراني حفظه اللـه

____________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

 

"وأمّا اللواتي في الحلم: فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرًا، فقل: إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة؛ ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقًا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذبًا فيما تقول فاللهَ أسأل أن يغفر لك؛ ومن وعدك بالخَنا فعده بالنصيحة والرعاء".

 

    

جميع مشاكلنا بسبب النفس الأمّارة:

 

 

إنّ هذه الفقرات ـ وكمّا وضّحنا في الجلسات السّابقة في محضر الرّفقاء ـ هي عامود وأساس السّير والحركة باتّجاه التجرّد، والتوحيد، والعبور من الموانع، والأهواء النّفسانيّة، والتي تمثّل سدًّا منيعًا ومحكمًا في وجه السّالك، فالهدف من هذه الوصايا هو هذه الأمور.
وكما ذكرنا سابقًا، فإنّه لو لم يكن من حديث عنوان الشّريف إلا هذه الفقرات لكانت كافية لنجعلها دستورًا لطريقنا وسیرنا، صحيح أنه صعب، ولكنّه ليس مستحيلًا وليس ممتنع الحصول، وهذه المسألة مسألة تتأخر كثيرًا لكي تزول وتضمحل، فمن الممكن للإنسان أن يحصل على الكثير من الصفات والخِصال الأخلاقيّة، إلا أنّه لا يستطيع العبور عن هذه المرتبة وتجاوزها؛ وهذه المسألة هي النّفس، فجميع مشاكلنا وسبب تعاستنا عائد للنّفس، للنّفس الأمّارة، وللأنانيّة وحب الذّات، وعلى الإنسان أن يأخذ هذا الأمر المهم دائمًا بعين الاعتبار.
وقد حصل مرارًا في زمان حياة المرحوم الوالد – وكنت شاهدًا على ذلك بنفسي أنّه كان في بعض الجلسات والنقاشات التي كانت تدور بينه وبين الآخرين وكان الطّرف المقابل أكبر سنًّا منه، مثلًا كأخيه الذي كان يكبُرُه بأربع عشرة سنة، فإذا دار بينهما نقاش علمي حول بحث ما، كان من الواضح أنّه أعلم من أخيه، وحينما كان يصل البحث بهما إلى حيث سيُغلب فيه الطرف المقابل، كنّا نراه يسكت فجأة ويدع أخاه يتقدّم عليه ويغلبه، وبالطبع كان أخوه يفهم حقيقة سكوته، فقد كان رجلاً ذكيًّا.

 

    

السلوك ليس فقط صلاة الليل والعبادات والأوراد:

 

 

ما الذي يعنيه هذا؟ هذا يعني ما قلته للرفقاء مرارًا من أنّ السلوك ليس صلاة الليل فقط، ليس ذكرًا ووردًا فقط، السلوك ليس أداء العبادات فقط؛ لا أنفي هذه الأمور ولكني أقول: إنه ليس هذه الأمور فقط. فتلك الأشياء واجبة ولازمة، فصلاة الليل كما يقول الإمام العسكري عليه السلام، عندما كان ينقل وصايا الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام، يقول: ليس منّا من لم يصلّ صلاة الليل[1]، أو بعبارة شبيهة بهذه العبارة، فذلك الذي لا يصلّي صلاة الليل ليس منّا، وهذا الكلام كلام الإمام، فصلاة الليل لازمة ولكن ليس هي فقط؛ بل حتّى أنّها في بعض الأحيان توجب غرور النفس، فبسبب صلاة الليل يصاب الإنسان بغرورٍ ما.
 إنّ المسائل التي تعبر بالإنسان هي تعامله مع المجتمع والحوادث التي تصيبه جراء تعامله هذا، وإلّا فلو بقي الإنسان وحيدًا وذهب إلى دَيْرٍ من الأديرة كالرهبان الذين يتعبّدون الله منزوين في دير ما، فلو عبد الله خمسين الف سنة، فإنّه سيتوقّف عند حدّ معيّن من الإدراك والفهم، ولن يترقّى، بل سيبقى في هذا الحدّ؛ فالعبادة لا تعبر بالإنسان، وأمّا ما يعبر بالإنسان فهو ارتباطه مع المحيط الخارج عن دائرة النفس، بشكلٍ يجعله يخرج من أهوائه ويخرج من عالم الاعتباريات والتخيّلات، فحينئذٍ تأتي صلاة الليل وتثبّت تلك الحال التي اكتسبها في النهار، وإلّا فإنّ صلاة الليل لا تخرجه عن تلك الأمور، فلو صلّى صلاة الليل لمدة مائة عام فلن يخرج من نفسه ولو بمقدار خطوة واحدة، فهي عبارة عن عملٍ ما، يقوم به الإنسان في جوّ معين، وهو جيّد جدّا، و يشعر فيه بالاقتراب من الله عزّ وجل، ويشعر بالتجرّد؛ ولكنّ هذا المقدار ليس كافيًا، فإذا تقدّم بهذا النحو فعند الموت ستبقى أفكاره وتخيّلاته وأوهامه وتعقّله وفهمه وإدراكه، بنفس هذا المستوى الذي كان عليه.
 

 

    

الاستماع الى أولياء الله من دون التخلّي عن النفس لا فائدة فيه:

 

 

فنحن في زمن المرحوم السيد (رضوان الله تعالى عليه) كنّا كثيرًا ما نراه يأتي، ويجلس ويتكلّم وينقل مطالب للأفراد، وعندما يأتي وليّ من أولياء الله ويتحدّث فإنّ ساعة منه كافية للإنسان كي يغتنمها ويذهب، فقد كان يتكلّم في جلسات متعدّدة ويلقي مطالب؛ ولكن عندما كنّا نخرج من الجلسة نرى بأنّ فهم الأشخاص لم يتغيّر، بحيث كان مدعاة لإثارة تعجّبنا جدًّا. يا أخي يأتي والدنا ويتكلّم ساعة ويحرق أعصابه، وينزل بالمطالب إلى مستوى إدراكنا ويبيّنها بما يتناسب مع مستوى فهمنا القاصر، وأيّ مسائل يأخذها بعين الاعتبار في بيانه، وما هي المصالح التي يراعيها؟! بحيث لا يؤثّر كلامه سلبًا في مكانٍ ما فهو في نهاية المطاف شخص له شأن عظيم، وليس مثلي أنا، فلا أحد يهتم لما أقوله، فهو مِمّن يُحسب له ولشخصيّته ومكانته حساب، فيُأخذ كل ما يتفوّه به ويُجعل على الميزان للحكم عليه، فكلّ هذه المسائل ...
 ونحن من أبنائه، فقد كان من الواضح لنا ـ بما أننا أبناؤه، فأبناء الشخص يعرفون ما هي مباني الشخص وما هي موازينه ـ بعد انتهاء المجلس كيف أنّ الناس كانوا يذهبون إلى طريقٍ بعيدة عن مراده، فتراهم يقولون: "هل رأيت كيف كان كلام السيد نفس كلامي، وكان مؤيدًا لي؟!" فكنّا نتعجّب من ذلك؛ حيث إنه تحدّث لساعة كاملة خلافًا لما كان يقوله ذلك الشخص، لماذا هكذا فهموا منه؟ لأنّهم لم يُعملوا أفكارهم وأذهانهم ويفهموا مراده الصحيح؛ وإنما حضروا المحاضرة بذهنيّة مسبقة، ولماذا يجلس الشخص في المحاضرة بذهنيّة مسبقة؟ لأنه لا يُريد أن يتخلّى عن نفسه، فإنّ الأمر يرجع إلى هنا، كلّ ذلك يرجع إلى النفس، وأمّا أولئك الذين يريدون أن يَعلموا حقيقة ما يقوله وليّ الله، تراهم عندما يحضرون عنده وبمجرّد ورودهم إلى المجلس يضعون أنفسهم جانبًا وانتهينا، وبالتالي فإنهم يصيرون كالمرآة، وعندما يكونون كالمرآة فإنه سينعكس ما يقوله على نفوسهم مباشرة من دون أي انكسارات موجيّة، وبدون خلط؛ فما الذي حصل عندما كان هذا يقول شيئًا فيفهم هذا المعنى المقابل له تمامًا؟ إنّه عندما أتى وجلس إلى جانب وليّ الله أتى مع "أناه" أي مع نفسه، أفكاره، وتخيلاته، وشخصيّته، ويقول في قرارة نفسه: «أخشى أن يقول السيد كلامًا مخالفًا للكلام الذي قلته أنا» فهذه هي الأجواء التي كنّا نحن نعيش فيها، فبعض الأحيان يقول أحدهم كلامًا، فيشيع هذا الكلام، فيقول: «أرجو أن لا يقول السيّد كلامًا يخالف الكلام الذي قلته أنا، وإن قال فماذا أفعل؟!» فمنذ تلك اللحظة تبدأ نفسه بالتحرّك كالمصنع، فيقول: «إن قال العلّامة هذا الكلام، فكيف لي أن أوجّهه وأؤوله» إن كان الأمر كذلك فلماذا أتيت إلى هنا يا عزيزي؟! لماذا أتيت إلى هنا؟! فهنالك أماكن خيرٌ لك من هذا المكان، وأحسن وأكثر راحة، إنما أتيت أنت إلى هنا؛ لكي ترى ما هو الطريق الذي مشى فيه وليّ الله وتمشي في نفس الطريق، وهذا لم يكن هو طريقه، وإنما طريقه الذي مشاه ووصل فيه إلى هناك هو الطريق الذي لم يكن فيه مكان للنفس والأنا، وإلا فلو كان هو مثلك عنده نفس لما صار العلّامة الطهراني، بل صار واحدًا من هؤلاء الذين نراهم الآن، ما أكثرهم فهو عندما كان يحضر عند الأستاذ ـ وقد كنا شاهدين على ذلك ـ ...

 

    

طاعة العلّامة لأستاذه السيّد الحدّاد:

 

 

عندما شرّف المرحوم السيد الحداد بالمجيء إلى إيران كنّا مسافرين معه إلى همدان، وقد كنتُ صغيرًا حينها فقد كان عمري تقريبًا إثنا عشر سنة، وقد كنت عادة ـ بما أني لم أكن بحاجة لمحاضرة الأولياء [يضحك سماحة السيد]ـ أذهب إلى حديقة المنزل لألعب فيها مع أقراني، فقد كنا مستغنين ولم نكن بحاجة إلى هذه الكلمات [ضحك من سماحة السيد] فقد كنا في منزل السيّد بيّات رحمة الله عليه، فذهبنا هناك وكنّا نلعب، فجاء أحدهم ـ الله يحفظه ـ إلى والدي وقال له: إنّ فلانًا في ساحة المنزل يشاغب ـ وقد نقل هو لي ذلك حيث كنتُ في الحديقة ولم أرَ ما حصل ـ فقد كان المرحوم العلّامة في مثل هذه الحالات يقوم ويأخذنا من أذننا ويضربنا على قفانا، وكان هذا أمرًا مُسلّمًا، ثم يجلسنا إلى جانبه، فقد كانت هذه هي طريقته عادة، وإن لم يكن ما يفعله أكثر من هذا فليس أقل، فبمجرّد أن قال ذلك الشخص له هذا الكلام قام المرحوم العلامة لكي يشدّ أذننا وإلى آخره.. ثم يجلبنا إلى المجلس، فقال له السيّد الحداد: «دعهم على راحتهم» وبمجرّد أن قال له ذلك تراجع السيد العلّامة إلى الخلف خطوتين أو ثلاثة، ورجع إلى مكانه وجلس. فما هذا الرجل الذي يقوم بهذا العمل عندما يقول له أستاذه: اتركهم على راحتهم، فهم أطفال وبحاجة لهذا؟!
وفي المقابل يقوم شخص آخر من تلامذة السيّد الحداد بعكس ذلك، في قضيّة مشابهة لهذه القضية؛ حيث يقوم السيّد الحداد بالصراخ عليه أن لا تقم بهذا العمل؛ ولكنّه يذهب ويقوم به ويفعله.
ونتيجة لذلك يصير هذا الشخص من المطرودين ـ وقد ذكر اسمه المرحوم العلامة ـ ويصير المرحوم العلامة تلميذًا خالصًا مخلِصًا وواصلًا قد أنهى كلّ شيء عليه؛ حيث إنه قد وصل. لماذا؟! لأنه قد ترك نفسه جانبًا، جميع المسائل ترجع إلى هنا، إلى أنّه ما هي مكانتي هنا وما هي موقعيّتي. 

 

    

طريق الله يحتاج الى تربية:

 

 

يضع الإمام عليه السلام يده على هذه المسألة بالتحديد؛ على هذه النقطة المهمّة، فعلى الإنسان أن يتفطن لهذه المسألة وينتبه لها، ويتلقّاها على أنها نوع تربيةٍ، لذا فإن المرحوم العلامة، وعظماء هذا الطريق، والأولياء الإلهين، وأهل المعرفة والتربية كلّهم كانوا يقولون: إنّ طريق الله يحتاج إلى تربية، وإلا فإنّ صلاة الليل معروفة، والأذكار والأوراد معروفة، فكلّها مكتوبة في الكتب، هل التفتم؟ كلّها مكتوبة في الكتب، وبُيّنت، فهي مثل آيات القرآن فإنّ الإنسان يفتح القرآن ويقرأه، فهذه الأمور أيضًا كذلك؛ إذًا فما هو مكان التربية؟!
فإنهم عندما يقولون لابدّ من التربيّة، فإنّ هذا يعني أن يتعرّض الإنسان لبعض المسائل، فيكون ما يُلقى في نفسه مخالفًا لنفسه ومناقضًا لها، فأيهما عليه أن يختار وأيهما عليه أن يترك؟! وليس من الضروري أن تكون تلك المسألة قد قيلت له مسبقًا؛ بل يكفي أن يُدركها الإنسان ويشعر بها بعقله وفهمه، ومن خلال طيّه لمسيره، فعليه أن يرى هل التوقّف في هذه القضيّة [وعدم العمل بها بناء لفهمه وعقله] كان فقط في هذه الحالة، أم أنّه كان سيتوقّف أيضًا في حالة أخرى؟! فهل توقّفتَ هنا في هذه الحالة خصوصًا؟! إنك لو كنت في موقعيّة أخرى لما توقّفت ولحكمتَ بخلاف ما حكمت به سابقًا.

 

    

على السالك تعلّم القواعد الكليّة من أستاذه وعدم الرجوع اليه في كل صغيرة:

 

 

لقد كان المرحوم العلامة يقول مرارًا: السالك هو من يتعلّم المسائل الكليّة من أستاذه ثم يمضي ويعمل بها، لا أنّه كلّما جلس مع أستاذه قال له: أعطنا موعظة، وألق علينا محاضرة.
لقد كنت في أحد الأماكن مع أحد الأشخاص حفظه الله، وأخذ الله بأيدينا جميعًا فقال: يا سيّد ما يقوم به الأستاذ ليس كما يقوم به الطبيب فقط من إعطاء وصفة طبية وحسب، ثم يتركه ولا دخل له به، وفقط يقول له: "اذهب واعمل بهذه الوصفة" فإنّ الأستاذ في بعض الموارد يتعامل مع المريض كالطبيب، فإن احتاج المريض لرعاية وعناية ووضع كمّادات أو حقن إبرة، فإنه يقوم بذلك له؛ لأنه هو المتخصص في هذه المسألة.
فقلت له: إنّ ما تقوله صحيح، ولم أقل له شيئًا غير ذلك.
وفي مساء اليوم التالي حصلت قضيّة بينه وبين أحد الرفقاء الآخرين، وصادف أني كنت في تلك الحادثة فقلت له: "يا عزيزي دعوا ما مضى وتسامحوا، وليعانق أحدكم الآخر" فقام أحدهم بالتقدم ليعانق الطرف الآخر، إلا أنّ هذا الشخص الذي كان يقول هذا الكلام في اليوم السابق لم يستقبل الشخص الآخر، وأشاح بوجهه عنه قليلًا؛ ليبيّن أنه لا يريد أن يُقبل عليه، فعندما رأيته فعل ذلك ذهبت إليه وقلت له: انتظر! هل فهمت جواب مسألتك في الأمس؟!
هذا السيّد [يتكلّم السيد عن نفسه] ليس أستاذًا ولا وليًا لله بل هو أحد رفاقك، وهذا العمل الذي قمتُ به هو نفس العناية التي كنت تتكلّم عنها؛ ولكنّك لم تُرِد، فهذا هو ذاك. على الإنسان أن لا يقول كلامًا في الهواء، ففي مقام العمل إن كان المريض يريد أن يتعالج فعليه أن يطلب هو ذلك ويريده، فإن أراده فحسن جدًا، وكلّ شيء موجود ومتوفّر، بشرط الإرادة؛ وأمّا إن لم أكن أريد وكانت شخصيّتي، ومكانتي، وكلامي الذي قلتُه، يقفون عائقًا في طريقي، فحتى رسول الله لا يستطيع أن يضمّدني، فما بالك بنا نحن! ألم يكن ذلك مع رسول الله؟! فكم شخصًا استطاع رسول الله أن يعالج؟ عدّة أشخاص أربعة أو خمسة، والدليل على ذلك كم شخصًا بقي مع أمير المؤمنين بعد شهادة رسول الله وأين ذهب البقية؟ ذهبوا إلى السقيفة، لأنهم لم يريدوا أن يضمّدهم الرسول، ولم يريدوا أن يتدخّل النبي بشكل عملي ويربّيهم؛ نعم كانوا يأتون ويفرشون السجّادة خلف رسول الله للصلاة ويأخذون مكانًا، ولكن هذا العمل لا فائدة فيه. لقد ذهبتُ إلى مسجد النبي وصلّيت في المكان الذي كانوا يضعون سجادتهم فيه؛ بل صلّيت في المكان الذي صلّى فيه رسول الله؛ ولكن ما الذي حصلت عليه وما الذي ازددته؟! ما الذي تغيّر؟! فعندما ذهبتُ إلى هناك قلت: قد صلّى الآخرون أيضًا في هذا المكان الذي أنا فيه، نفس أولئك الذين أتوا بعد رسول الله وقطّعوا ابنته قطعة قطعة، فأولئك صلّوا هنا أيضًا، فبماذا نفعتهم؟! يجب علينا أن ننظر إلى أنفسنا، ونرى إلى أي حدٍّ نقدر أن نكون موفّقين في هذا المضمار، وإلى أي حدّ نستطيع أن نمضي فيه قدمًا. لذا كان المرحوم العلامة يقول: على السالك أن يأخذ القواعد الكليّة من أستاذه، لا أنّه يسأل أستاذه في كل صغيرة، ويدقّ الباب على أستاذه ويسأله هل أقوم أفعل هذا أو ذاك أو لا أفعله، فتسعون بالمئة من المسائل التي يواجهها الإنسان قابلة للحل، وعشرة بالمائة أو خمسة بالمائة أو حتى اثنان بالمائة ستكون مبهمة وموردًا لحاجة الإنسان للسؤال عنها، وإلا فأغلبها قابلة للحل، وهذا الفعل أهم حتى من نفس الرّجوع للأستاذ وسؤاله، فوصول الإنسان إلى حلّ المسألة بنفسه أهمّ من أن يذهب ويسأل عنها، وذلك لأنّ النفس تقوم بالاتّكال على السّؤال في أداء شؤونها، بينما إذا جعل حركته وفقًا لتلك المباني والكليّات، وقام بحلّ السؤال بهذا النهج ستكون حركته وسيره حينئذٍ أعمق وأسرع وأقطع ممّا إذا قام بالسؤال.

 

    

أساس الاختلافات في الدنيا تعود للنفس:

 

 

الدنيا بأسرها تدور حول هذا الأساس، وجميع هذه الاختلافات التي ترونها في هذه الدّنيا والاضطرابات والتوتّرات تعود لهذا الأمر، فهذا يقول: فوق عينك حاجب. فيرد عليه: لا أبدًا، فوق عينك أنت حاجب.
يا عزيزي فوق عيون الجميع حواجب، فقل: نعم فوق عيني حاجب.
أجل، كلّ هذه الاختلافات تعود لهذا الأمر، وهذا يتكرّر عبر التاريخ، فالأمر كان كذلك في السابق أيضاً، فإذا قال أحدهم لشخصٍ كلامًا لا يعجبه، يقوم الآخر بالاحتماء باسم الأمّة ويجرّها إلى الخلاف، فيقول له: يا سيد هذه إهانة للأمّة والوطن.
يا عزيزي من الذي أهان الأمّة والوطن؟! لقد أهانك أنت ولم يُهِن الأمّة، فمن تكون أنت؟! إنما أنت فرد كسائر أفراد هذه الأمّة، لماذا تُدخل جميع الأمّة في الأمر؟! لماذا تُدخل الشّعب في هذه المسألة؟! ولماذا تجُر الشعب إلى وسط الموضوع وتضحّي بهم؟! ما هو سبب هذه الأفعال؟ سببها أنّنا اعتبرنا أنفسنا وكلاء عن الناس وممثلين لهم.
وأما لو نظرت إلى نفسي على أنني فرد عادي فأنا لا أمثّل إلا نفسي، ولا علاقة لي بالآخرين، فهذه شخصيتي و هذا وضعي؛ غاية الأمر أنّ هناك مسؤولية قد أنيطت بي. وحينئذٍ، عندما يأتي شخصٍ ويوجّه لي إهانةً، فهل ينبغي أن أجعل هذه الأهانة موجّهة للأمّة كلها، ثمّ أغيّر سياستي لذلك؟! وهل ينبغي أن أغيّر توجّهي و تدبيري وخططي؛ فبدلاً من أن تكون خططي وتدبيري نحو الصلح و الإصلاح وإيجاد الأمان في المجتمع و تحصيل المنافع له، بدلاً من ذلك أغيّر تدبيراتي بحيث يؤدّي إلى إفساد المجتمع وتدميره بذريعة أنّ الأمّة قد أُهينت؟! كلاّ يا عزيزي! لم تتعرض الأمّة للإهانة! بل أنا الذي تعرّضت للإهانة، أنا فقط من تعرض للإهانة! فليكن! فما الخبر؟! ولماذا أقيم الدنيا وأقعدها لذلك؟!
كلّ هذا سببه أنّنا لا نطبّق هذه الفقرات من كلام الإمام الصادق عليه السلام، فنحن نتكلّم بها فقط دون تطبيق، لا يصدر منّا إلا الكلام، ونحن نجيد الكلام أيضًا، و نحسن تفسير هذه العبارات، و لكن عندما نبتلى نحن أنفسنا، ويصيبنا الأمر، تجد أنّنا نتصرّف دون مراعاة هذه المبادئ حتّى كأننا لم نسمع بها أصلاً! هل التفتّم؟!
أجل، إنّ لهذه المسألة ـ كما ذكرنا مراراً ـ مفاسد أخلاقية واجتماعية خطيرة، و هي جميعاً تدور حول هذا الأساس وحول هذا المحور.
وأمّا ما يتعلّق بالإنسان نفسه من الأضرار... ارتأيتُ ألا نستطرد اليوم في أبحاث جانبية حتّى ننهي هذا البحث، حيث أنّنا قد تحدثنا عنه كثيرًا وبيّنا العديد من جوانبه. نعم، ما يزال هناك أمور أخرى لم نتعرّض لها، ولكن الكلام قد طال، فالأفضل أن ننهي الكلام عن هذه الفقرات ونتجاوزها.

 

    

خطورة تحرك السالك حول محور النفس:

 

 

حسناً، هناك أمرٌ أهمّ من تلك المسائل و المخاطر التي ذكرناها حتى الآن، فلو غضضنا النظر عن المفاسد الاجتماعية الناتجة عن عدم الاهتمام بهذه القضية، ولو غضضنا الطرف عن هلاك النفوس والأموال والأعراض التي تحصل بسبب إهمال هذه المسألة المهمة.. لو غضضنا النظر عن كل هذه المفاسد الاجتماعية، فماذا عن البلاء والمصيبة التي تنزل على رأسنا نحن من جرّاء ذلك؟!
 فكلامنا هنا يتوجّه إلى ذاك الذي يُريد أن يتقدّم إلى الأمام، وليس للأناس العاديّين الذين يفعلون كلّ ما يحلو لهم، ويتحدّثون بكلّ ما يرغبون به، ويسلكون أيّ طريق يبدو لهم؛ فليفعل هؤلاء ما يشاؤون، لكنّ الكلام كلّ الكلام يتعلّق بذاك الذي يريد أن يصعد هذا السلّم ليرتقي إلى الأعلى، ويسلك الطريق إلى الله تعالى؛ وهو طريق التجرّد، والتوحيد وتخطّي الأهواء؛ فهنا ينبغي على الإنسان أن ينتبه كثيرًا! لا أن تنقضي سنة أو سنتين أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو عشرين سنة مثلًا والإنسان يستمع إلى كلام العظماء، ويعدّ نفسه من الداعين إلى هذا الطريق، ثمّ إذا بمسألة ما تحدث فجأة، فيكتب مقالة، أو يُؤلّف كتابًا، أو يُلقي خطابًا .. يا للعجب منها! أين ذهب كلّ ذلك الكلام؟! وأين اختفت جميع تلك المسائل؟! ما الذي حصل؟! وما هو المسار الذي اتّخذته الأمور؟!
من هنا نعلم أنّه كان طيلة هذه الفترة يتحرّك في إطار النفس؛ أي أنّ حركته كانت في الأهواء وعالم الأوهام والخيالات والأنانيّة والفرعونيّة؛ وهكذا حركة لا تستلزم بالضرورة إشهار السيف والمسدّس؛ فأنت قد كنزت في نفسك طيلة هذه العشرين أو الثلاثين سنة الآلاف من السيوف والمسدّسات والقنابل والدبّابات! وهذه نفس عبارة المرحوم العلاّمة.. هل تذكرونها؟ حيث أشرت في الجزء الأوّل من كتاب أسرار الملكوت[2] إلى أنّ بعضهم يُشبهون الدبابّات؛ فما دامت الدبابّة مملوّة بالوقود، فإنّه تتقدّم للأمام، وتسحق كلّ شيء، إلى أن ينتهي وقودها.
يُقال إنّ الفهد حينما يُمسك بغزال، فإنّه يفترسه ويأكله، ثمّ ينسحب بعد ذلك، حيث شاهدنا أمورًا من هذا القبيل في الصور وأمثال ذلك، لكن، عندما يكون الفهد شبعانًا، فإنّه لا يفعل أيّ شيء للغزال، ولو كان يشرب الماء إلى جانبه؛ لا أنّه متى ما رآه، فإنّه يهجم عليه! صحيح، لو كان جائعًا، فإنّه يفعل ذلك؛ لأنّ الله تعالى جعل رزقه متوقّفًا عليها. لكنّنا نجد أنّ بعض أفراد الإنسان تعدَّوا الفهد والنمر، وتشبيهُهم بالفهود غير صحيح، بل هم كالدبّابات! فكيف هي الدبّابات؟ إنّ الدبّابة مادام محرّكها يشتغل، فإنّها تتحرّك، وهنا لا كلام لنا عن القذائف التي تُطلقها؛ فهذا أمر محفوظ في محلّه! ومادام وقودها لم ينفذ، فإنّها تتقدّم إلى الأمام، وكلّ ما يقف في طريقها تُسوّيه بالأرض، حيث نجد بعض الأفراد على هذه الشاكلة؛ أي أنّ نفوسهم لا تقف عند حدّ، ولا تتوفّر على مكابح؛ فتراهم يسحقون كلّ من يقف في وجوههم.
قرأت في سيرة صدّام أنّه حينما كانوا يُخبرونه بانتفاض بعض الأفراد في مكان ما، كان يسألهم: «كم عدد هؤلاء؟» فيقولون له مثلاً: «ثلاثون»، فيقول لهم من دون أن يُحاكمهم أو يعرضهم على المحكمة: «اقتلوهم جميعًا!» ثمّ يأتونه مرّة أخرى، ويقولون له: «لقد انتفض في المكان الفلاني خمسون شخصًا»، فيقول لهم: «اقتلوهم جميعًا!». فلم يكن يقف عند أيّ حدّ أبدًا، حيث من المحتمل أن يكون أحد هؤلاء الثلاثين [بريئًا]، فكان يقول: «لا، اقتلوا الثلاثين جميعًا! اقتلوا الخمسين كلّهم!  إلى أن يتمّ وأد الفتنة!» فلا يرتاح، حتّى تنتهي الفتنة، وترتفع المشاكل. فنجد بعض الناس على هذه الشاكلة؛ أي أنّهم لا يتوقّفون، ويُسايرون أنفسهم في كلّ ما ترغب.
فهذا هو لبّ المسألة؛ بمعنى أنّ مشكلة الإنسان والسالك تكمن في هذا الأمر؛ أي أنّه يتحرّك في المسار المقابل تمامًا للسير والسلوك. إنّ طريق الله تعالى هو طريق تخطّي الأنانيّة، بينما نجد الإنسان في هكذا ظروف يسير في دائرة الأنانيّة ذاتها، ويتحرّك في إطار النفس.. تلك النفس التي تتوفّر على جهات مختلفة وفنون متعدّدة وتشعّبات متفرّقة ومقامات متفاوتة.. كلٌّ بحسبه؛ فترى التاجر يُمارس أعماله في دائرة هذه النفس؛ وهكذا الأمر بالنسبة للطبيب والمهندس ورجل الأعمال والعالم؛ وهنا يحقّ لنا أن نرجو من الله تعالى أن يُعيننا؛ لأنّ هذا الخطر يُهدّدنا بشدّة؛ فعلينا أن نكون حذرين بأجمعنا إلى أقصى درجة، لا سيّما وأنّ المسألة تتعلّق بالدين والعلوم الإلهيّة؛ فالمسألة هنا بالغة الأهمّية.
ولهذا، كان العظماء يقولون: لا يُمكن للإنسان أن يذهب وبكلّ سهولة إلى أيّ مكان كيفما كان، ولا يُمكنه أن يطمئنّ لأيّة جهة كيفما كانت، ولا ينبغي عليه أن يضع يده في يد أيّ شخص مهما كان، بل عليه أن يختبره في السفر والحضر، وفي الرخاء والشدّة، وفي المرض والصحّة، وفي جميع الحالات، وبمختلف الطرق والوسائل، إلى أن يتوصّل إلى أنّ هكذا شخص قد تخطّى نفسه أو لم يتخطّاها، وبأيّ مقدار تخطّاها، وهل تخطّاها حقيقةً، أم لا زال هناك مقدار معيّن؛ فيُحدّد مساره وفقًا لذلك الأمر، ولا يُسلّم له بنحو تامّ، بل يحتفظ لنفسه بمقدار معيّن؛ اللهمّ إلاّ أن يكون ذلك الشخص من أولياء الله تعالى، حيث سيختلف الأمر هنا تمامًا، وتخرج المسألة عن محلّ البحث. وأمّا أن نقول بأنّه على الإنسان أن يتحرّك، ويكون مطيعًا بشكل كامل، فهذا غير صحيح.

 

    

أهم عمل يقوم به السالك هو عبور الأنا:

 

 

ولهذا، كنّا نشاهد أنّ أكثر كلام العظماء كان عن هذه الآفة، وعن صعوبة تخلّص الإنسان منها، وأنّ كلّ من تمكّن من تخطّيها، فقد استطاع عبور الجسر؛ أي أنّ أهمّ عمل يقوم به السالك هو عبور هذا الجسر؛ وحينئذ، تصير بقيّة الأمور سهلة ويسيرة، وإلاّ، فقد يكون هناك شخص من أهل السخاء والجود والعفو والإنفاق وأمثال ذلك، بحيث إنّ كلّ من يراه يتعجّب، ويقول: «يا له من إنسان خيّر لا يتوانى عن فعل الخير، فيبني مسجدًا هنا، ومدرسة هناك!».. فجميع هذه الأمور حسنة، إلاّ أنّ كلامنا يدور حول مقدار التأثير الإيجابي الذي تركته هذه الأعمال في نفسه؛ فلو أنّهم أخذوا منه ذلك المال، وقالوا له «سنسجّل هذا المشروع باسم شخص آخر»، هل ستنفعل نفسُه أم لا؟ وهل سيشترط أن يكون موضوعًا عليه اسم الحاجّ الفلاني؟ فحينما نذهب الآن إلى هنا وهناك، نرى أنّهم يذكرون بأنّ المستشفى الكذائي بُني بأمر من حضرة آية الله الفلاني... يا عزيزي، لا داعي لهذا الأمر! فلتضع مثلًا اسم أحد الأئمّة على هذا المستشفى، ولا حاجة لذكر أنّه بُني بأمر من فلان! فنرى أنّهم يفرضون كتابة اسم ذلك الشخص في أعلى الواجهة بخطّ جميل وكبير.. لماذا؟ لأنّهم لا يسيرون في طريق العرفان؛ هذا، مع أنّهم يسلكون سبيل التكاليف والأحكام الشرعيّة والظاهريّة، إلاّ أنّ طريقهم ليس هو طريق العرفان؛ فما هو طريق العرفان؟ إنّه طريق المرحوم القاضي رضوان الله عليه حينما أرادوا ترميم المرافق الصحّية في مسجد الكوفة، فوضعوا لوحة مصنوعة من البلاط وكتبوا عليها: بأمر من سماحة آية الله فلان، حيث يبدو أنّ مثل هذه الأمور كانت رائجة حتّى في ذلك العصر! بل إنّ هذه الموهبة الإلهيّة المسمّاة بالنفس والأنانيّة والفرعونيّة كانت ولله الحمد موجودة في الجميع منذ أن وُلد آدم أبو البشر، وإلى الآن، وحتّى عصر ظهور الإمام، وأمّا بعد ظهوره عليه السلام، فلا اطّلاع لي على الأمر!!! حيث بدأت هذه المسألة منذ زمان خلق آدم وإلى الآن! فما إن جاء المرحوم القاضي، ورأى بأنّهم كتبوا: «بأمر من سماحة آية الله السيّد علي القاضي الطباطبائي...»، حتّى تغيّر لونه، وقال لهم: «ائتوني بمعول!»، فصعد سلّمًا، وانهال على تلك اللوحة بالمعول، وحطّمها إلى قطع صغيرة تساقطت على الأرض، وقال لهم: «هكذا أحسن، اكتبوا الآن كلّ ما يحلو لكم!»؛ فهذا هو طريق العرفان، وهذا الذي يُفضي إليه هذا الطريق، وأمّا غيره من الطرق، فتوصل الإنسان إلى أمور أخرى.
نقل لي أحد الأشخاص كان يعيش في بعض البلدان الأجنبيّة الأوربيّة أنّهم أرادوا بناء مسجد هناك، فطلبوا المساعدة من أحدهم على أن يبنونه تحت عنوان عامّ، فقال لهم: «لا أوافق على منحكم المال إلاّ أن تكتبوا اسمي في أعلى الواجهة!». ولا أعلم ما الذي حدث بعد ذلك؛ وهل حُلّت المسألة بينهم أم لا! فما هو السبب في ذلك؟ لأنّ الطريق ليس طريق العرفان، وليس طريق تخطّي النفس، بل طريق الأنانيّة.. ينبغي أن يُكتب اسمي! يا عزيزي، لقد بقيت سنتان أو سنة واحدة أو ستّة أشهر ويأتي عزرائيل لقبض روحك، فما الذي ستجنيه بعد موتك؟ أوَهل يوجد ضمان على عدم حدوث ذلك؟ وحينئذ، ماذا سيُفيدك ولو عشت عمر نوح؟! نرجو من الله تعالى أن يحفظنا ويُنجّينا جميعًا، ويأخذ بأيدينا حتّى نتمكّن من تجاوز هذه المسألة وهذه المهلكة؛ فنحن بأجمعنا بحاجة إلى العون، بدءًا منّي أنا ووصولاً إلى جميع الناس والرفقاء المتواجدين داخل هذا المجلس وخارجه؛ فلا ينبغي عليك أن تقول أبدًا: «لقد تمكّنت من العبور!»؛ لأنّك لم تعبر، وأقسم بالله تعالى أنّك لم تعبر، غاية الأمر أنّ ذلك قد ينكشف لك أحيانًا، وأحيانًا أخرى لا ينكشف؛ فلا يوجد بيننا من تمكّن من العبور، وعلينا أن نرفع أيادي التوسّل إلى الأئمّة والعظماء والله تعالى حتّى يُمكّننا سبحانه وتعالى من العبور.
ففي بعض الأحيان، قد تكون هذه المسألة خافية ومستورة على الإنسان، إلى درجةٍ يرى نفسه أنّه قد عبر، بينما لو أنّهم لم يلجؤوا إليه في أمر من الأمور، تراه يُقطّب جبينه، ويعترض على عدم اللجوء إليه؛ وذلك كأن يسأل أحدُهم شخصًا آخر عوض أن يسأله هو؛ فتجده يقول: «لماذا لم يسألني أنا؟ لماذا ذهب عند شخص آخر؟».. هو لم يرغب في سؤالك أنت! أفهل هو مجبور على ذلك؟! حسنًا.. لقد أحببتُ أن أسأل فلانًا، فما هو دخل البقيّة؟!
في الزمان السابق، كان المرحوم العلاّمة يأمر أحدهم بأن ينقل عنه رسالة في مجلس مثلاً، فكان آخر يعترض ويقول:
ـ لا، أنا الذي كان ينبغي عليه أن يُعلن هذه الرسالة في المجلس! لماذا أتيت أنت وأعلنت عنها؟!
ـ السيّد العلاّمة هو من أمرني بذلك.
ـ لا، عليك أن تُخبرني أنا أوّلاً بذلك!
انتبهوا، فأنا لا أمزح، فقد كانت هكذا أمور تحدث فعلًا! لماذا؟ فلنفرض أنّ المرحوم العلاّمة قد عيّنك مسؤولًا عن الجلسات، أفهل أُضيف إليك شيء بسبب ذلك؟! ما معنى أنّك صرت مسؤولًا؟ معناه أنّك تُخبر الناس عن مكان الجلسة القادمة وموعدها، لا أقلّ ولا أكثر! فماذا دهاك؟ لم يحصل شيء ذي بال عندما صرت مسؤولًا عن الجلسة!!
قبل عدّة أيّام، بعثت لي إحدى المخدّرات ـ حفظها الله تعالى ـ برسالة تقول فيها: «يا سيّدي، ما الذي ينبغي عليّ فعله، حتّى أصير جديرة لكي أكون مسؤولة عن الجلسات؟»!!! فقلت لها: «إذا كنت تعتقدين أنّ ذلك يتمّ من خلال العمل، فعليك أن تطرحي جميع الأعمال التي قمت بها في سبيل ذلك أرضًا؛ لأنّه لا يحتاج إلى أيّ عمل! ما معنى أن تصيري مسؤولة؟!! إنّ المسؤولية مملوّة بالأتعاب! اجلسي مكانك، وتنحّي جانبًا، وانشغلي بنفسك وشؤونك! اذهبي لحال سبيلك، وادعي الله تعالى حتّى يرفع المسؤوليّة عنّي أيضًا لأرتاح!!!» هل التفتّم؟! ثمّ إنّها بعد ذلك التفتت وقالت: «أعتذر منكم، لم أكن على علم بحقيقة الأمر»..
فتجد ذلك الشخص يقول: «عليك أن تُخبرني أنا أوّلًا، ثمّ أنا الذي أعيّن من الذي ينقل الرسالة ومن الذي لا ينقلها!»، وبعد ذلك يجلس للاستماع إلى دعاء السمات ويبكي.. نعم، ذلك المسؤول ذاته كان يبكي! لكن، كم هو مقدار تكامله؟ إنّه لم يتكامل أبدًا! فيا ليته لم يكن يبكي، لكن في الوقت ذاته لم يكن يُعاني من تلك الحالة، ويا ليته لم يكن يحسّ في نفسه بذلك الأمر! فما هي حقيقة هذه المسائل؟
أيّها الرفقاء، إنّ هذه الأمور بأجمعها أسرارٌ سمعتها من المرحوم الوالد، وأنقلها لكم اليوم، حيث أريد هذه الليلة أن أنهي الحديث عن هذه المسائل البالغة التعقيد؛ فجميع تلك الأمور عبارة عن رموز السير والسلوك؛ إذ قد تحصل للإنسان بعض الحالات يأتيه فيها الشيطان، ويبعثه على البكاء، فتراه يقرأ أشعار حافظ أو دعاء السمات، ويبكي،  لكنّ الذي يبكي حقيقةً هو الشيطان، حيث بوسع الإنسان أن يختبر نفسه، ويرى هل سيبقى محافظًا على نفس الحال فيما إذا سلبوا منه ذلك المقام، أم لا؟ فإذا رأى نفسه أنّه لن يبقى كذلك، فما هو السبب؟ لأنّ الدعاء هو نفسه ولم يتغيّر؛ ومن هنا، يُعلم أنّ تلك الدموع التي كنت تسكبها، وتلك الحالة التي كنت تعيشها، وذلك التوجّه الذي كان لديك كان توجّهًا للنفس وليس لله تعالى؛ لأنّه لو كان توجّهًا له سبحانه، لصار ألطف كلّما قلّت التعلّقات.
إنّ الإنسان الكيّس والفطن هو الذي يحرص على إبقاء نفسه أبعد وأبعد، ولا يُبرز نفسه للآخرين، ويحرص على ألّا يعرفه أحد، ولا يلتفت له إنسان؛ وخلاصة القول أنّه لا يُحبّ أن يشتهر ويُعامل معاملةً خاصّة؛ فهذا هو الإنسان الفطن، اللهمّ إلاّ أن يتعيّن عليه التكليف بأداء عمل ما؛ فهنا، لا يُمكنه الرفض، وإلاّ ستصير في هذه الحالة معارضتُه واقعةً تحت دائرة النفس.
وعليه، فإنّ لبّ كلام الإمام عليه السلام يكمن في أنّ السالك عليه أن يتخلّق بهذه السيرة، ويُخرج نفسه من تلك المسائل، ويحصر رغبته واهتمامه في طلب الحقائق وإدراك المعاني.
 نرجو من الله تعالى أن يُثبّت أقدامنا ـ إن شاء تعالى ـ على طريق العظماء وسيرتهم، وأن يمنّ علينا بفهم وإدراك أسرار هذا الطريق ورموزه، وألاّ يقطع أيدينا عن التمسّك بأذيال أهل البيت عليهم السلام، وأن يغرس في وجودنا الشعور بحالة الفقر والحاجة أكثر فأكثر؛ لأنّ سرّ السلوك وطريقه يكمنان في هذا الأمر؛ أي أن نرى أنفسنا دائمًا فقراء لا أغنياء؛ فالذي يمتلك هكذا حال هو الغنيّ، وأمّا ذاك الغنى، فلا ينسجم مع السلوك والحركة؛ لأنّ الغنى ينحصر في نقطة واحدة فقط، والغنى يتجلّى في أفق واحد وحسب، وأمّا نحن، فجميعنا فقراء، مهما كان المظهر الذي نُريد أن نظهر به، وبأيّ نحوٍ أردنا أن نكون.
اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد

 


[1] ـ كتب الإمام الحسن العسكري عليه السلام وصيّته إلى أحد أعلام أصحابه وهو علي بن الحسين بن بابويه القمي جاء فيها :« أوصيك ... بتقوى الله وإقامة الصلاة –الى أن قال وعليك بصلاة الليل فإنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أوصى علياً عليه السلام فقال : يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، ومن استخفّ بصلاة الليل فليس منّا..» شعب الإيمان : ٢ / ٤٣ ح ١١٢٤ وعنه في الأنوار البهية ، القمي : ٣١٩. ومثله قال الصادق علیه السلام: لیس من شیعتنا من لم یصل صلاة اللیل. .بحار الأنوار، ج 87، ص 162.

[2] ـ أسرار الملكوت، ج 1، ص 98.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی