معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1438 هـ ق > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1438 هـ ـ الجلسة 11: تجلّي الله في أوليائه

_______________________________________________________________

هو العليم

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1438 هـ

المحاضرة الحادية عشرة
تجلّي الله في أوليائه

ألقيت في 17 شهر رمضان المبارك لعام 1438 هجري قمري

سماحة آية اللـه

السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه اللـه

_______________________________________________________________

تحميل ملف البي دي أف تحميل ملف البي دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيِمِ
وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِهِ الطَيِّبِينَ الطَاهِرِينَ وَاللَعْنَةُ عَلَى أَعْدَائِهِم أَجمَعِينَ

«ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته لا لأنّك أهون الناظرين وأخفّ المطّلعين، بل لأنّك يا رب خير الساترين وأحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين»
لو كنت أخشى أن لي تعجّل العقوبة يا ربّ لكنت اجتنبت الذنب والمعصية، وهذه الحالة عندي ليست لأنّك غير ناظر إليّ، ولا لأنك غير مطّلع على أعمالي وأفعالي، ولا لأنّ اطّلاعك عليّ يسير جدًّا ولم يصل إلى مرتبة يمنعني من ارتكاب الذنب. لا، ليس الأمر كذلك، بل هو لأنّك لست فقط أفضل ناظر، ولديك أعلى مرتبة من الاطلاع بالعلم الحضوري وبالعلم العِلِّي، فاطلاعك اطلاع عِلِّي، وعلمك بأعمالي وتصرّفاتي علم حضوريّ ـ لا حصوليّ بحيث لا يحصل اطلاع العالِم على المعلوم إلا بعد توسّط الوسائط والأدوات ـ بل لأنّك أفضل ساتر لعيوبنا، فلهذا السبب [ارتكبتُ المعصية]، فعندما أرى بأنّك تستر الذنب، تحصل لديّ الجرأة على ارتكاب المعصية وعلى صدور الخطأ منّي!
ولأنّك أحكم الحاكمين؛ فأنت في مقام المحاسبة على أعمال عبادك وأفعالهم أفضل حاكم وقاضٍ ومحاسب؛ تضع كلّ عمل في موضعه، لا أعلى ولا أسفل.
والصفة الثالثة هي لأنّك أكرم الأكرمين، فأنت بالإضافة إلى أنّك خير ساتر وأفضل محاسب، وليس لديّ أي قلق أو خوف من الجور في حسابك؛ لأنّي أعلم بأنّ حسابي عليك، ولستَ كالقاضي الذي يتصرّف بملف القضيّة [ويغيّر فيه] فيأخذ منه بعض الملفّات ويضيف أخرى من عنده.. لا! فمثل هذه الأمور غير موجودة عندك، بل إنّ حسابك اللّائق وحُكمك الحسن هو الذي سيحكم عليّ ويحاسبني، فبالإضافة إلى ذلك فأنت أكرم الأكرمين؛ يعني في مقام الكرم وفي مقام عظمتك التي تُعامل بها عبادك، لديك مرتبة لا يمكن تصوّرها أبداً، ولا يُدركها التصوّر!

    

صفاء تجلّي الله في أوليائه ولوازمه

أحياناً نرى آثار كرم الله في أوليائه، واقعاً عندما يريد الإنسان أن يرى الله، عليه أن ينظر إلى الأولياء ويرى كيف يتعاملون في المسائل والأمور الدقيقة، ويرى كيف يتعاملون مع الناس، وكيف يلتفتون إلى بعض النقاط الدقيقة، فكم لديهم من الكرم؟! وكم لديهم من العظمة؟! بحيث يقف الإنسان مبهوتاً ومتحيّرًا من أفعالهم! لماذا نتحيّر ونُبهت منها؟! لأنّنا بعيدون عنهم جدًّا، فلأنّنا بعيدون جدًّا عن تصرّفات العظماء والأولياء فلذلك نتحيّر من أعمالهم ولا ننسجم معها، فأعمالهم لا تتوافق مع فكرنا ومنطقنا، ولا تنسجم مع معادلاتنا! ولأنّ هؤلاء الأولياء والعظماء بالإضافة إلى كونهم تجلّياً لله، فهم تجلٍّ لظهور الله وظهور لأسمائه بدون اختلاط وبدون امتزاج بتلوّثات عالم الكثرة! وبدون اختلاط بتجاذبات ومعاملات عالم الكثرة، فتأتي الحقائق إلى أنفسهم وتخرج على لسانهم وعبر قلمهم وعبر آرائهم [ دون تغيّر]. أما نحن فلا، بل عندما تريد العلم الإلهيّ أن يظهر فينا، فما إن يقارب الخروج أوووه ماذا يحلّ به؟! يكون على حال ويخرج منّا على حال أخرى! مثل الماء الذي يخرج من النبع، تنظر إليه النظرة الأولى فتتعجّب: يا له من ماءٍ زلال! بحيث تبدو صورة الإنسان فيه، كم هو ماء صافٍ وزلال! بحيث يرى الحصى داخل الماء من خلاله، ويتمكن من عدّها وإحصائها، وبعد أن يبتعد كيلومتراً واحدًا عنه يرى أنّ هذا الماء الذي كان صافياً صار شيئاً آخر! فماذا جرى على هذا الماء في الطريق من النبع إلى هنا، وبماذا ابتلي حتى خرج بهذا الشكل بحيث لم يعد ينفع إلا للمزروعات؟ هذا إذا احترمناه، وإلا فيقول بعضهم بأنّ هذا الماء لا ينفع حتى للزرع! كيف حصل ذلك؟! فهذا الماء لم يكن كذلك في البداية! الماء الذي يُشبّه به الأولياء هو ما يخرج من النبع ويبقى هو عينه إلى ما بعد كيلومتر؛ يبقى كما هو في خصوصياته وكيفيّته، لذا بعد كيلومتر يكون مثلما خرج من النبع. أو إذا فرضنا الماء الذي يكون في الأنبوب، فالماء لا يتّسخ في الأنبوب، بل يبقى كما هو إذا كان الأنبوب سالماً ونظيفاً، فإنّ الماء الذي يخرج منه هو نفس الماء الذي يدخل فيه. لذا ينبغي اتّباع الأولياء؛ لأنه لا شوائب لديهم، فخروج الماء عندهم ليس فيه شوائب.

    

تكدر مرايا غير الأولياء

أما نحن فكلّنا شوائب، جميعنا كذلك دون مجاملة، جميعنا، لكن نسأل الله أن يرفعها عنّا، ونسأل الله أن يأخذ بأيدينا، أما نحن فنعرف أنفسنا فلا نخدعها، جميعنا لدينا شوائب! عندما نسمع كلمة من الأولياء أو من النبيّ، نجعلها تجول في ذهننا قليلًا حتى نجعل لها صبغة فنمزجها بشيء آخر، ونضيّقها أو نوسّعها، ففي النهاية نتصرّف بها بأي شكلٍ كان! ثم عندما ننقل الموضوع نرى أنّه يختلف عمّا ذكره الأولياء، نقول: ماذا قال السيّد؟ ـ وقد جرت مثل هذه الأمور كثيراً في زمان المرحوم العلامة ـ
فيقول: قال كذا، يعني رأيي أنّه قال كذا.
يا عزيزي لا أريد أن تقول لي رأيك، بل قل لي نفس عبارة العلامة!
يقول: أنا أعتقد بهذا وقد فهمت من كلامه ومراده هذا الأمر.
فترى أنّه لا ينسجم مع كلام العلامة، ففي النهاية نحن نعرف كلام أبينا، لا أقل نعرف كلامه بهذا الشكل! إذ لم نكن بُلَهاء إلى هذا الحدّ بحيث لا نفهم، بل يكفي الحدّ الطبيعي والاستعداد العادي حتى يفهم الإنسان ماذا هناك! ليس بحاجة إلى أن يكون لديه استعداد ابن سينا حتى يفهم، ويكفيه الفهم الطبيعي.
رأينا أنّ هذا الكلام ليس كلام والدنا، ثمّ بحثنا فوجدنا أنّه لا ربط له به أساساً، بل قال أمراً آخر تماماً. وأحياناً كنّا نسأله عن بعض الأمور فيجيب: لم أقلها. بل إنّ نفس المرحوم العلامة قال: يا سيد محمّد محسن! قد أقول شيئاً في مشهد، فينتقل إلى قم بشكل معاكس! يعني هذا يقول لذاك وذاك يقول للآخر، وهذا يزيد شيئاً وذاك ينقص شيئاً، ويوجّه الكلام يمينًا وشمالاً، بحيث تصل المسائل وتُطرح في مكان آخر بشكل آخر تماماً. فهل يمكن والحال هذه أن يثق الإنسان بأحد؟!

    

عدم حجيّة خبر الواحد في الاعتقاديّات

وهنا يمكن أن يُطرح مبحث أصولي من الناحية الفنّية، وهذا الطّرح والمبنى الأصولي والذي يعتقد به كثير من العظماء ومن جملتهم العلّامة الطباطبائي رضوان الله عليه، وهو أنّه لا حجيّة لخبر الواحد في المسائل الاعتقاديّة، فالمسائل الاعتقادية والعقائد والأصول تعدّ من مباني التكاليف، ومبادئ الأحكام، فإذا أتى ناقل ونقل خبراً عن الإمام... فلو سمعت من الإمام أمراً بنفسك فلا إشكال؛ إذ أنت سمعت من الإمام مباشرة، ولا حاجة لأن يكرّر الإمام المسألة، بل يكفي أن يقولها مرّة واحدة وينتهي الأمر. لكن أحياناً لا يكون الأمر كذلك، بل تسمع خبراً من زرارة، وهو أفضل راوٍ فليكن، لكنّه في النهاية بشرٌ، والإنسان لديه أذن، وأذنه فيها غشاء الطّبلة، وفيها عظيمات، ومطرقة وسندان، وألف أمر آخر حتى يدخل الكلام، وبعد ذلك كيف يدركه؟ ثم كيف ينقله؟ وغير ذلك من الأمور المعقّدة جدًّا! فكيف يمكن له [القبول بخبر الواحد] في مسألة مهمّة كهذه والتي يرتكز عليها اعتقاد الإنسان، وعلى أساس هذا الاعتقاد يتعيّن تكليفه. فكيف يمكن للإنسان أن يتمسّك بخبر الواحد ويجعله الملاك في ذلك؟! وقد جرّبنا ذلك بأنفسنا، لقد جرّبنا صحّة هذه المسألة بأنفسنا، وهي أنّه لا يمكن الوثوق بخبر الواحد والاعتماد عليه! نعم جرّبنا ذلك، جرّبنا ذلك في موارد عديدة، وفي مسائل مختلفة.
نعم، لا إشكال بالعمل بالأخبار الموثوقة في الأحكام ضمن شروط وقرائن، فإذا كان الخبر موثوقاً فللإنسان التمسّك به، وأما في المسائل الاعتقاديّة والأساسيّة والأصوليّة فلا يمكن ذلك أبداً أبداً! فليس فيها قابليّة العمل بخبر الواحد، نعم.

    

ضرورة التمسّك بأولياء الله والوظيفة في حال عدم توفّرهم

فلهذا السبب ينبغي على الإنسان أن يجعل سلوك الأولياء أسوة له، لماذا؟ لأنّ عمل الأولياء لا يمتزج بالحوادث ولا يمتزج بالظّواهر الماديّة وعالم الشهوات، ولا يمتزج بعالم الهوى والميول النفسانيّة، ولا يختلط بها. بل يأتون بالواقع كما هو، ويقولونه كما هو.
وإذا لم يوفّق الإنسان للوصول إلى الأولياء، فعليه أن يبحث عن واسطةٍ ثقةٍ في نقل أقوال الأولياء! فالأولياء غير متوفّرين في كلّ حين؛ مثل هذا الوقت، من هو وليّ الله في هذا الوقت؟! لا نعلم. والذي كان موجودًا وكنّا نعرفه قد ارتحل عن الدنيا، والآن لا نعرف أحداً فجميعنا سواء، فنحن رأينا ذاك العظيم وسمعنا حديثه وجلسنا بعض الشيء في مجالسه، وكنّا من أولئك الذين كانوا ورأوا، ففي النهاية نعرف بأنّ هؤلاء [الأولياء] يختلفون عنّا، وحسابهم مختلف كذلك، نعم، فهنا ينبغي على الإنسان أن يبحث عن صديق ورفيق يكون أولاً: لديه حافظة جيّدة فلا ينسى، ويكون السّهو والخطأ والنّسيان أقلّ في كلامه، لا أن يكون بدون ذلك، فتلك صفة المعصوم.. لا، فجميعنا لدينا ذلك، فيبحث عن الأقل [خطأ ونسيانًا وسهوًا] وهذه من مرجّحات الرواية والراوي في السند؛ وهي أن يكون خطأه وسهوه ونسيانه أقل [من الآخرين] .
وثانياً: أن تكون خصائصه ومسائله النفسانيّة أقلّ مشاكلَ، وهذه مهمّة جدًّا. وعلينا أن نبحث عن هكذا إنسان بحيث لا يأتي ويخلط أهواءه بما يقوله؛ بأن يقول: رأي المرحوم العلامة هو كذا، والحال أنّ رأيه ليس كذلك! وأنا شخصيًّا سمعت بنفسي أكثر من مرّة من المرحوم العلامة في حياته بأنّه قال: الطلاب الذين هم في مشهد إذا أرادوا استمرار دراستهم وتحصيلهم، والاستمرار في التقدّم في مراتبهم العلميّة، ورأوا مكاناً أفضل لهم ـ سواء في قم أو في أيّ مكان آخر ـ فعليهم الذهاب إليه بدون الرجوع إليّ وأخذ إجازتي! وقد سمعت ذلك أكثر من مرّة، وأنا أشهد الله أنّه قال هذا الأمر لي؛ ولكن بعد وفاة المرحوم العلامة سمعنا بأنّه نقل عنه أنّه قال: على الطلاب الذين يريدون الانتقال من مشهد أن يأتوا إليّ لأرى إلى أيّ مكان عليهم أن ينتقلوا وفقًا لمصلحتهم!! يا للعجب!! يا عزيزي، لقد قال هذا الكلام لي مراراً!! فكيف يحصل ذلك؟! هل التفتم؟!
هذه إحدى الموارد، ولن أوضّح أكثر من ذلك، هذه إحداها إذ طُرحت خلافًا لرأيه الصّريح وخلافًا لما نتوقّعه منه، يعني حتى لو لم يكن قد قال ذلك لنا، لكان هذا الأمر متوقّعاً منه؛ فأنا ابنه وأعرف مزاجه وكيفيّة تعامله مع مثل هذه المسائل! فيُمكن للإنسان توقّع ما يصدر [عن الشّخص إثر معاشرته] وبعد وفاة المرحوم العلامة رأينا أنّ المسألة اختلفت فنحن لا نعرف من الذي أشاع هذا الأمر، فهناك الكثير من الأشخاص والدّوافع مختلفة! [يقولون] رأيه كان بأنّ الطلاب لا ينبغي أن يذهبوا إلى مكان آخر قبل مجيئهم إلي وأخذ الإجازة؛ إذ قد لا يكون في ذهابهم مصلحة لهم! وعلى أساس هذه المسألة حصلت مسائل أخرى وابتنت عليها.
نحن نعلم بأنّ هذا الكلام خاطيء! كلامٌ خاطيء، حسناً؟ وبعد ذلك طُرحت مسائل وأمور مختلفة في هذا المجال. وكما قلت لقد جرّبنا هذه المسألة، وخلصنا إلى أنّه ينبغي التدقيق في مثل هذه المسائل؛ فينبغي أن لا يسمع الإنسان أيّ شيء، وأن لا يقبل من أيّ إنسان، ولا يرتّب الأثر مباشرة ويعكس مسيره بناءً على أيّ أمر يُنقل له؛ فقد يكون لا أصل له أساسًا! لا أصل له ولا فرع ولا شيء.. لا شيء ! والآن الأمر كذلك، يعني الآن أيضًا تحصل معنا أمور مشابهة، إذ يأتي بعض الأفراد فينقلون أمرًا عنّا، وبعد ذلك يبلغني سؤال:
هل أفتيت بالحُكم الفلاني في المسألة الفلانيّة؟
أصلًا هل يُمكن أن يكون هذا رأيي؟!!
فيقول: لقد نُقل ذلك عنك!
كيف يُمكن أن تصدر منّي هذه الفتوى؟! وهل ذلك ممكنٌ أصلاً؟! ألا ينبغي على الإنسان أن يدقّق أكثر في الأمور؟! ألا ينبغي عليه ذلك؟ فذاك الذي نقل المسألة بشكل مختلف لم يكن متعمّداً في ذلك إن شاء الله! لكن ينبغي على الإنسان أن يعرف عواقب الأمور التي ينقلها.

    

عدم ضرورة إجابة الفقيه البصير على بعض المسائل

وهناك الكثير من المسائل التي لا آتي على ذكرها، مثلاً يأتي سائل ويسألني عن حُكم وتكليف فلا أجيب بشيء!
سيّدنا ماذا أفعل في الأمر الفلاني؟!
الأمر إليكم.
نريد أن نعرف رأيكم.
الأمر إليكم!
سيّدنا ماذا نفعل في هذه المسألة؟
الأمر إليكم. ولو سألتموني عن هذه المسألة إلى العام القادم سيكون جوابي: الأمر إليكم! فاسأل. فإذا قلتُ لك مرّة واحدة: «الأمر إليكم» وكان لديك ذكاء وفطنة وقدرة على فهم كلامي، فافهم! وإذا لم تصل إلى هذه الدّرجة من الفطنة فجوابك هو هذا: الأمر إليكم! لماذا؟ لأنّ الجواب على هذه المسألة يحمل آلاف التّبعات، فإن قلت: نعم، فسيترتّب عليه تبعات! وإن قلت: لا، فسيترتّب عليه تبعات أخرى! والفقيه لا ينبغي أن يجيب على كلّ مسألة يُسأل عنها، كلا، المسألة ليست كذلك، بل كلّ شيء له حسابٌ خاص!

    

قصّة قتل المرحوم الجنابذي ومحاولة استفتاء الميرزا الشيرازي فيها

الآن تذكّرت هذه المسألة، في زمان المرحوم الآخوند الميرزا الشيرازي، عندما أثيرت مسألة «گناباد» والمرحوم الآخوند الملا سلطان محمد گنابادیی[1]، الذي كان من العظماء ومن العرفاء العظام، وله مقام وقدر رفيع جدَّا؛ حيث كان هناك گناباد وكان لديه محفل ومجلس يأتي إليه الناس ويستفيدون منه، وبطبيعة الحال كان هناك بعض المخالفين له والمعارضين للعرفان، مثل بعض المعمّمين الذين عادةً لا يصدر منهم غير الفتنة وأمثالها! والحاصل أنّه بعد مضايقته وأذيّته، ذهب بعضهم إلى سامرّاء، حيث كانت المرجعيّة في ذلك الزمان، فقد كانت المرجعيّة العامّة للمرحوم الميرزا حسن الشيرازي في سامرّاء، وكان المرحوم الميرزا حسن رجلًا ذكيًّا، بل كان حادّ الذّكاء وكان رجلاً فَطِناً وكان من أهل المعنى والباطن وكان لديه نصيب من ذلك، وكان لديه أحوال ومسائل، وكان من أهل البصيرة، وكان في علاقته بالمجتمع وبالناس يرجع إلى أمور أخرى [غير ظاهريّة] وكان لديه أحوال خاصّة به، والحاصل أنّه كان إنساناً عظيماً جداً، هذا بالنسبة إلى المرحوم الميرزا حسن. وكذا الميرزا محمد تقي الميرزا الأصغر كان رجلاً عظيماً جدًّا، وقد قال عنه المرحوم العلامة مراراً بأنّه كان رجلاً بلا هوىً نفسانيّ، نعم المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان يلقّب بالميرزا الأصغر أو الميرزا الثاني، وكان المرحوم الميرزا محمد تقي في كربلاء، بينما كان المرحوم الميرزا حسن في سامرّاء.
الحاصل أنّهم أرادوا أن يؤذوه [الجنابذي] فجاؤوا إلى سامرّاء لأخذ الإجازة في القضاء على المرحوم سلطان محمد ومحو أثره، فأتوا إلى منزله [الميرزا حسن] وقالوا للخادم: نحن جماعة أتينا من جنابذ لنقابله، فأجابهم بأنّه لا يمكنه الآن، فقالوا سلّمه هذه الرسالة، فأخذ الخادم الرسالة وسلّمها إلى المرحوم الميرزا حسن، فنظر في الرسالة ثم وضعها تحت الفراش الجالس عليه وعاد لمواصلة أعماله! مضت خمس دقائق، وعشر دقائق، ونصف ساعة، وساعة! وهم ينتظرونه في الخارج لمدّة ساعة، فقالوا: كم تحتاج هذه الرسالة حتى يجيب عليها! فجاءه الخادم وسأله: يقول الرجال لماذا لا تجيبهم على رسالتهم؟! فقال: قل لهم لا جواب على هذه الرسالة! هذا هو قولنا "الأمر إليكم" ولكن بصورة مختلفة. هذه الرسالة لا جواب لها! فماذا يجيبهم في هذه الحالة؟! هل يقول لهم أنا لا أقول كذا.. فسوف يعترض عليه جماعة، أو لا قدّر الله ـ نعوذ بالله نعوذ بالله ـ يصدر فتوى بجواز...

    

قصّة قتل الشيخ فضل الله النوري ولعنه على المنابر وتوبة أحد الخطباء عن لعنه

ألم يفعلوا ذلك في قضيّة الحركة الدستوريّة والمشروطة؟! فمن الذي أصدر فتوى قتل الشيخ فضل الله النوري؟! المطّلعون على تلك الأحداث يعلمون من أولئك الذين أصدروا الفتوى! فهل كان ذلك صحيحاً؟! أن يأتي عالم ويصدر فتوى بقتل الشيخ فضل الله النوري؟! رحمة الله على المرحوم... فقد كان لدينا صديق سابق في زمان المرحوم العلامة، وهو الخطاط الهمداني المرحوم السيد همايوني، لا بدّ أن بعض الرفقاء كانوا قد رأوه سابقًا، كان في ذلك الزمان السابق، كان خطّاطًا من أصدقاء المرحوم العلامة، وكان رجلاً جيّدًا جدًّا، حيث كان مستقيماً في عمله وتصرّفه.. نقل للمرحوم العلامة هذه القصّة، وهي أنّ المرحوم الأنصاري رضوان الله عليه قال بأنّ أحد السادة، وكان قد ذكر اسمه كما ذكر ذاك الرجل اسمه؛ لكنّني نسيته، كان ذلك السيد من المعمّمين ومن الخطباء المعروفين في همدان، أو في طهران، ظاهراً كان في طهران، كان من الخطباء المعروفين في طهران، وكان سيّداً من السّادة، فكان في كلّ محاضرة يلقيها يلعن الشيخ فضل الله ـ حيث كان من أنصار الحركة الدستوريّة، وكان مع المرحوم الشيخ فضل الله النوري الذي كان أيضاً من أنصار الحركة الدستوريّة ثم تراجع بعد أن التفت إلى حقيقة المسألة، والذين قتلوه هم أنصار الحركة الدستوريّة ـ كان يلعن المرحوم الشيخ فضل الله النوري على المنبر! وكانت هذه عادته، يقول المرحوم الشيخ الأنصاري: رأى هذا الرجل في منامه يوماً بأنّ القيامة قد قامت، والنبيّ واقف والناس يأتون إليه ويسلّمونه رسالة، فيأمرهم النبيّ بالذهاب إلى هذا الاتجاه أو ذاك، بعد أن ينظر في رسالة أعمالهم، فجاء هذا الرجل ووقف إلى جانب النبيّ وصحيفته في يده، يريد أن يعطيها لجدّه ليحدّد له مسيره، نظر فإذا برجلٍ يقف إلى جانب النبيّ، والنبيّ ينظر إليه باحترام وتعظيم، نظر جيّدًا فإذا به الشيخ فضل الله النوري، يقف إلى جانب النبيّ والنبيّ يعامله باحترام وتعظيم ويتحدّث معه، فلمّا أراد أن يعطي صحيفته إلى النبيّ، نظر الشيخ فضل الله النوري إلى النبيّ وقال له: يا رسول الله أنا أشكو إليك ابنك هذا.
قال النبيّ: وما هي شكواك؟
قال: إنّه يلعنني في كلّ يوم على المنبر، فأنا واحد من الذين يلعنهم، فهو يلعن الذين تسبّبوا في هذه الأحداث لا سيّما الشيخ فضل الله.
فقال النبيّ: ما دام الأمر كذلك فقد أخرجناه من بنوّتنا.
فلمّا قال النبيّ هذا الكلام أفاق هذا السيّد الواعظ من نومه، وأخذ يلطم على رأسه ويقول: يا لتعاستي، لقد خسرت الدنيا والآخرة، وانتهى أمر حياته وصار يقضي وقته بالبكاء والنحيب أن ما هذا الخطأ الذي كنت أرتكبه!
لم يكن هذا المسكين يعلم حقيقة الأمر، ولم يكن معاندًا، والخلاصة وبعد ذلك يقرّر أن يزور السيّدة المعصومة في كلّ أسبوع مرّة في يوم الجمعة، ويزور قبر المرحوم الحاج الشيخ فضل الله ـ والذي يقع في صحن السيدة المعصومة الكبير الذي في وسطه حوض ماء، ويقع قبره على يسار الداخل إلى الحرم من جهة المدرسة الفيضيّة في الغرفة الثانية أو الثالثة ـ فيزوره ويزوره ويزوره حتّى يشفع له ويُعيده [رسول الله ابنًا له] وكأنّه ألهم أن يقوم بذلك.
والحاصل أنّه بدأ بالمجيء والزيارة. يقول المرحوم الأنصاري: جاء إلى قم أربعين مرّة في أيام الجمعة وجلس قرب قبره في كلّ مرّة ساعة يقرأ القرآن والفاتحة يريد منه أن يشفع له ويصلح الأمر. وبعد المرّة الأربعين رأى النبيّ ليلةً في منامه وتكرّر ذلك المشهد نفسه، فقال المرحوم الحاج الشيخ فضل الله: يا رسول الله لم تعد لديّ شكوى على ابنكم هذا فاقبلوه من جديد ابنًا لكم.
قال النبيّ: جيّد جدًّا، قبلنا شفاعتك وقبلناه من جديد ابنًا لنا.
انظروا كم هو دقيق حساب هذه الأمور! فهناك حساب ودقّة، ولا يكفي أن تكون ابنًا للنبيّ، بل هناك حساب وتدقيق، ولا بدّ أن تكون الأمور في مواضعها، صحيح؟! ماذا صنع أتباع المشروطة هذه؟ إنّهم من أصدروا فتوى القتل.

    

حكمة موقف الميرزا الشيرازي في قضيّة الجنابذي

ثمّ ولمّا يئسوا من المرحوم الميرزا حسن ذهبوا إلى الآخرين وحصلوا على فتوى قتله [المرحوم الجنابذي] منهم، ثمّ قاموا بقتله في منتصف الليل حين قام لصلاة الليل، فهاجمه رجلان أو ثلاثة من الذين كانوا قد جاؤوا وكمنوا له في منزله، وكان يمرّ في منزله نهر ، فقاموا بخنقه بمنديل ورموا به في النهر، فلمّا أفاق الناس في الصباح جاؤوا ووجدوه ملقى، ثمّ وأثناء تغسيله تنبّهوا إلى آثار الخنق على رقبته. وقد مات كلّ واحد من هؤلاء بنحو مُفجع، حتّى غدوا مضربًا للمثل واشتهر أمرهم، فقد أصيب هؤلاء الذين أقدموا على قتله بشقاء عجيب، وابتلي كلّ واحد منهم بأمراض غريبة وماتوا على إثرها. فهل الأمر بهذه البساطة لتأتوا وتحصلوا على فتوى وتقتلوا أولياء الله؟! بهذه السهولة؟ كيف يكون ذلك؟! فهل اتضح الأمر؟ لا يمكن للإنسان أن يقول كلّ ما يخطر على باله وكلّ ما يحلو له، بل عليه أن يتأمّل.
وعلى الفقيه أن يكون ذكيًّا، حادّ الذكاء وواعيًا، فإن لم يكن على اتصال بتلك العوالم، فعلى الأقلّ ومن ناحية ظاهريّة عليه أن لا يقول كلّ ما يجول في باله، وعليه أن لا يطرح أيّ شيء، هناك آلاف المفاسد خلف كلّ كلمة «نعم» أو «لا».
فقبل عدّة أيّام اتصل بي رجل من طهران وسألني عن قضيّة معيّنة ـ والآن هناك من يسألني عنها ـ فيقول: سيّدنا هل نحجّ هذه السنة أم لا؟ خصوصًا النساء، ما هو رأيكم؟ وأنا أقول: ليس لي كلام في هذا الموضوع أبدًا، والآن أيضًا أكرّر فلا داعي لأن يسألني أحد عن هذا الموضوع. ليس لي رأي في هذا الموضوع وكلّ منكم يعرف تكليفه بنفسه. حسنًا؟
وأمثال هذه المسائل وهذه القضايا كثيرة جدًّا، ونحن تعلّمنا منها مقدارًا بسيطًا من والدنا، فقط مقدارًا يسيرًا منها. ففي أيّ مرتبة كان هؤلاء؟ أين نحن منهم؟! ولكن في النهاية لقد تعلّمنا مقدارًا ما في تلك الأوضاع التي كنّا نراها وهو أنّه لا ينبغي أن يُقال كلّ شيء. هل التفتّم؟ ولا ينبغي أن تضع قدمك في أيّ موضع، ولا ينبغي للإنسان أن يزجّ بنفسه في كلّ قضيّة بل اجلس جانبًا، استر ذهبك وذهابك ومذهبك، نعم، ففي فترة من الزّمان كنّا نقوم ببيان المسائل بشكل أكثر وضوحًا وصراحة ثمّ تحمّلنا عواقب ذلك، فقلنا علينا أن نتكلّم بنحو أكثر هدوءًا واتّزانًا، وباحتياط أكبر، صحيح سيّد اشكوري؟ أتؤيّدون هذه الطريقة وهذا النّهج؟ ولن يختلف الأمر فلا فرق.
قيل: ليحترق قلبكَ على شخصٍ يحترق قلبُهُ كثيرًا لأجلكَ، وعندما يرى الإنسان أنّ هناك من هم ليسوا في هذه العوالم فهل يجب عليه أن يحمل أوزارهم وأحمالهم؟ فما هو الداعي إلى أن يتكلّم الإنسان بهذا الكلام؟ لا، فهو ليس مكلّفًا بذلك، يريد أن يكون ملكيًّا أكثر من الملك ويتدخّل، لا داعي لذلك.
أيكفي أم نستمرّ بالبيان؟ [السيد ممازحًا] الحقيقة أنّي عندما جئت إلى هنا لم أكن أنوي أن أتكلّم؛ لأنّي كنت مدعوًّا في مكان وكان هناك جلسة طويلة، ثمّ لمّا جئت إلى هنا كانت طاقتي قد نفدت كليًّا، أردت أن أستريح في الطابق العلويّ، ثم قلت لآتي وأجلس مع الرفقاء على الأقل، فإن لم تكن محاضرة، فعلى الأقل أراهم ويروني، فقال لي السيد مير حسيني ماذا ستفعل؟
فقلت: لأذهب وأنظر ماذا أصنع، فجئت وجلست وفرض الحديث نفسه.
وتتمّة المسائل والكلام ـ إذا شاء الله وبتوفيقه ـ نتركها للّيالي القادمة.
اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

 


[1] ـ صاحب تفسیر بیان السعادة ویسمى بالعربية الجنابذي. (المترجم)

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی