معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات العلامة الطهراني > كتاب أنوار الملكوت > نور ملكوت الصلاة > المجلس الرابع: المجلس الرابع: الصلاة رمز عبودية الإنسان لله

_______________________________________________________________

هو العليم

سلسلة مباحث أنوار الملكوت
نور ملكوت الصلاة

المجلس الرابع:
الصلاة رمز عبودية الإنسان للـه

(مواعظ شهر رمضان المبارك من عام 1390 )

من مصنّفات العلاّمة الراحل

آية اللــه الحاجّ السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني قدس اللـه نفسه الزكيّة

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

بسم اللـه الرّحمن الرّحيم
والصّلاة على محمّد وآله الطّاهرين
ولعنة اللـه على أعدائهم أجمعين
من الآن إلى قيام يوم الدّين

قال تعالى: {وأقيموا الصّلاةَ ولا تكونُوا مِنَ المُشرِكين}.[1]
روح الدين هي العبادة، وروح العبادة هي الاتّصال باللـه عزّ وجلّ، ولذ فإذا تأمّلنا في جميع العبادات فسنجد أنّ أقواها في التوفّر على حقيقة العبادة هي الصلاة، ومن هنا كانت أفضل عملٍ يُوصلنا إلى تحقيق الهدف المنشود من تشريع الدين.

    

للصلاة ظاهر وباطن

إنّ للعبادات ظاهراً وباطناً، وفي بعضها يكون الجانب الظاهريّ قويّاً، كما في الجهاد والخمس وصلة الرحم والإنفاق على الفقراء؛ فقد لوحظت في هذه العبادات جهة المصلحة النوعيّة والاجتماعيّة، فإذا أدّاها الإنسان لوجه اللـه، وقعت صحيحة ومستوجبة للأجر والثواب. وأمّا الصلاة فهي على خلاف سائر العبادات من جهة عدم لحاظ أيّ جانبٍ ظاهريّ فيها، ولا أيّة منفعةٍ خارجيّةٍ، شخصيّةً كانت أم اجتماعيّةً، بل ما لُوحِظ فيها هو الجانب العباديّ والاتصال القويّ باللـه تعالى والانقطاع إليه فقط. وحضور هذا المعنى في الصلاة أقوى منه في سائر العبادات.
إنّ الاشخاص الذين يتصوّرون أنّ للصلاة عللاً مادّيّةً ومنافع شخصيّةً أو اجتماعيّةً؛ من قبيل: النظافة والحركة وعدم الاعتداء على حقوق الناس والإنفاق على الفقراء وأمثال ذلك، هم مشتبهون غاية الاشتباه؛ لأنّ هذه الآثار لا تختصُّ بالصلاة، بل من الممكن أن نعثر عليها ـ بل على أزيد منها ـ في أفعال آخر.

    

الصلاة هي اتصال باللـه وإقرار له بالربوبية

والسرّ في تشريع الصلاة هو الاتّصال باللـه تعالى، وفتح الطريق إلى ما وراء الطبيعة، والاتصال بالأبديّة، والمناجاة مع ربّ الأرباب. وهذه هي حقيقة الصلاة التي تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر.
الصلاة هي التجلّي بأنوار جمال اللـه، والتحلّي بأسمائه وصفاته الكريمة، الصلاة هي التي ترفع الانسان عن مستوى البهيميّة، وتوصله إلى مقام الإنسانيّة، فهي وإن كانت لها منافع أُخر، إلا أنّها بأسرها منافع ضمنيّة وتبعيّة، وهي كالقطرة في مقابل البحر إذا ما قورنت مع اتّصال العبد باللـه عزّ وجلّ.
كَتَبَ الامام الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى عليه السلام إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِيمَا كَتَبَ مِنْ جَوَابِ مَسَائِلِهِ: «أَنَّ عِلَّةَ الصَّلَاةِ أَنَّهَا إِقْرَارٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَلْعُ الْأَنْدَادِ، وَقِيَامٌ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ [بالذلّة] بِالذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ والْخُضُوعِ، وَالِاعْتِرَافِ وَالطَّلَبِ لِلْإِقَالَةِ مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَوَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ إِعْظَاماً لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَأَنْ يَكُونَ ذَاكِراً غَيْرَ نَاسٍ ولَا بَطِرٍ، وَيَكُونَ خَاشِعاً مُتَذَلِّلًا رَاغِباً طَالِباً لِلزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيجَابِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذِكْرِ اللـه عَزَّ وَجَلَّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، ولِئَلَّا[2] يَنْسَى الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وَمُدَبِّرَهُ وَخَالِقَهُ فَيَبْطَرَ وَيَطْغَى، وَيَكُونَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِهِ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَقِيَامِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ زَاجِراً لَهُ عَنِ الْمَعَاصِي وَمَانِعاً لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ».[3]
وبعد أن اتّضح هذا المعنى، نفهم حقيقة أنّ الصلاة عمود الدين، وأنّه من دون الصلاة لا يتحقّق المفهوم الصحيح للتديّن. روي في «الكافي» عن زرارة عن أبي عبد اللـه عليه السلام أنّه قال:
«قَالَ رَسُولُ اللـه (صلّى اللـه عليه وآله وسلّم): مَثَلُ الصَّلَاةِ مَثَلُ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ! إِذَا ثَبَتَ الْعَمُودُ، نَفَعَتِ الْأَطْنَابُ وَالْأَوْتَادُ وَالْغِشَاءُ، وَإِذَا انْكَسَرَ الْعَمُودُ، لَمْ يَنْفَعْ طُنُبٌ وَ لَا وَتِدٌ وَ لَا غِشَاءٌ».[4]
كما وردت هذه الرواية في «من لا يحضره الفقيه»، دون أيّ اختلاف في الألفاظ، ولكن لم يذكر سندها إلى رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله.[5]

    

الصلاة وصيّة الأنبياء والأولياء

وبما أنّ الصلاة عمود الدين وحقيقته، فقد أمر اللـه عزّ وجلّ كلّ نبيّ بإقامتها. يقول لقمان الحكيم[6]: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.[7]
ويتحدّث اللـه تبارك وتعالى عن لسان المسيح بن مريم عليه السلام أنّه:
{قالَ إِنِّي عَبْدُ اللـه ءاتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا}.[8]
ويُلاحظ في هذه الآية أنّ المسيح عليه السلام يصرّح بأنّ اللـه تعالى أوصاه بالصلاة طوال الحياة، وكأنّ الصلاة من الفرائض التي لا ترفع عن الحيّ أبداً. كما وردت روايات عن أهل البيت (سلام اللـه عليهم أجمعين) مفادها أنّ الصلاة لا تُترَك بِحالٍ، أو أنّ الصلاة لا تسقط بحالٍ. فلا تسقط الصلاة في الشريعة الإسلاميّة عن الإنسان المكلّف في أيّ لحظة من اللّحظات، ومهما كانت الأعذار. وقد خاطب ربُّ العزّة موسى بن عمران عليه السلام قائلاً: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى * إِنَّني أَنَا اللـه لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْني وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري}.[9]
ويعلّل اللـه تعالى في هذه الآية وجوب الصلاة بذكره، والمراد: عليكم بإقامة الصلاة لكي تذكروني. وأمّا إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيقول في دعائه لله عزّ وجلّ:
{رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}،[10] إلى أن يقول في الآية 40: {رَبِّ اجْعَلْني مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ}.
ويُعلَم من ذلك أنّ إقامة الصلاة أفضل أعمال الخير، حتّى أنّ إبراهيم عليه السلام قد طلبها له ولذرّيّته. ثمّ دعا وقال: ربّنا! استجب دعائي وتقبّله منّي!
وأمّا إسماعيل (على نبيّنا وآله وعليه السلام) فيقول:
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً}.[11]

ويُلاحظ في هذه الآية المباركة أنّ اللـه قد بيّن ـ في مقام مدح إسماعيل عليه السلام وتمجيده ـ أفضل أفعاله، وهو أنّه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة. وفي سورة الأنبياء التي تستعرض حالات أنبياء اللـه: إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب عليهم السلام قال تعالى: {وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدينَ}.[12]
وأمّا خاتم النبيّين محمّد بن عبد اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم، فيقول اللـه تبارك وتعالى له: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى}.[13] يطلب اللـه عزّ وجلّ من نبيّه في هذه الآية الشريفة أنْ يأمُر أهله بالصلاة ويثبت على هذا الأمر ويبذل فيه الصبر.
وأمّا الأئمّة المعصومون (صلوات اللـه وسلامه عليهم أجمعين) فإنّ اللـه تعالى بيّن في آية النور المباركة حقيقة الوجود، وكيفيّة انعكاس الأنوار الأحديّة في مشكاة وجودهم، قائلاً: {رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللـه وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ}.[14] والحقّ أنّه لا يوجد شيءٌ يردعهم أو يحجزهم عن ذكر اللـه وإقام الصلاة، بل كلّ صفحةٍ من التاريخ الناصع والمتألّق لأئمّة الشيعة الاثني عشر شاهد صدق على أنّه لم يأتِ في عالم الوجود أمثالهم في ثباتهم واصطبارهم على إقامة الصلاة.
أورد في «مستدرك الوسائل» عن «النفليّة» للشهيد عن أبي ذر الغفاري عن الرسول الأكرم صلّى اللـه عليه وآله وسلّم أنّه قال:
«الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ».[15]
وبيان هذا الحديث أنّ أفضل موضوعٍ من الموضوعات الشرعيّة الوضعيّة، وأفضل تحفةٍ وهديّةٍ من هدايا عالم المعنى وسماء الحقيقة للعبد المؤمن هي الصلاة، فكلّما ازداد فيها وأكثر منها، كان ذلك خيراً له.
والحاصل أنّ ما يُستفاد من الآيات القرآنيّة المرتبطة بوصايا اللـه تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام هو أنّ الصلاة أفضل عملٍ للعبد. ومن الواضح أنّه ليس المقصود من هذا العمل هو رعاية الآداب الظاهريّة التي لا فائدة منها، وإلاّ كان هذا العمل مساوياً لسائر الأعمال، بل المقصود هو حفظ الحقيقة واتّصال العبد بالمعبود تبارك وتعالى وحسب! ولذا كان الميزان الذي يقاس به الإيمان والكفر هو الصلاة.

    

الصلاة ميزان الإيمان والكفر

قال المحقّق الكاشاني في «المحجّة البيضاء»: وفي الصحيح عن الباقر عليه السلام قال:
«قال رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم: ما بين المسلم وبين أن يَكفُر إلاّ أن يترك الفريضة متعمّداً، أو يَتَهاوَن بها فلا يصلّيَها».[16]
وورد في روايةٍ أخرى أنّ: «مَن تَرَك الصلاة مُتعمّداً، فقد كَفَر».[17]
والآية الواردة في صدر البحث تفيد حقيقة هذا المعنى، وهو أنّ الصلاة هي الطريق إلى التوحيد، وأنّ تركها يسوق الإنسان من عالم التوحيد إلى عالم الشرك والتشتّت. ولذا فقد ورد في «الكافي» عن السكونيّ عن أبي عبد اللـه عليه السلام أنّه قال:
«قال رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله: الصلاة ميزانٌ، مَن وَفَّى استَوفَى». [18]
وورد نحوه في «من لا يحضره الفقيه»، دون إسناده إلى رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم.
ويمكن القول: بأنّ الصلاة هي الميزان والمعيار بين التوحيد والشرك، فكلّ من يؤدّي حقّها، فإنّه سيغترف من المعارف الإلهيّة وينهل من الوحدة الإلهيّة بالمقدار الكافي. فمن يصلّي كأمير المؤمنين عليه السلام؛ فانياً وغارقاً في الأنوار الإلهيّة، بحيث ينسى نفسه، يكون ميزانه ثقيلاً واستيفاؤه وافياً وكافياً. أمّا من لم ينل من الصلاة سوى الألفاظ ولقلقة اللّسان فقط، فسيكون ميزانه خفيفاً، ولن يستوفي من المعاني وحقيقة الصلاة شيئاً أبداً.

    

دور حضور القلب في عروج المصلّي

عن أبي الحَسَن الرَضَا عليه السلام: «إَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَانَ يَقُولُ: طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَلَمْ يَشتغِلْ [يَشْغَلْ] قَلْبُهُ بِمَا تَرَى عَيْنَاهُ، وَلَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللـه بِمَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ، وَلَمْ يَحْزَنْ صَدْرُهُ بِمَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ».[19]
وعن الرسول الأكرم صلّى اللـه عليه وآله وسلّم:
«إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أُمَّتِي ليَقُومَانِ إلى [يقومان فِي] الصَّلَاةِ، وَرُكُوعُهُمَا وسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا [مِثْلُ] مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».[20] وهذه إشارةٌ إلى الخشوع وعدمه.
ولا شكّ أنّ الفاصل بين صلاة من كان في صلاته فانياً في الذات الإلهيّة، وبين صلاة من لم ينسلخ عن وجوده مقدار ذرّة، كالفاصل بين السماء والأرض.
يقول المحقّق الكاشاني في «المحجّة البيضاء»: يُنسب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه وقع في رِجله نَصلٌ، فلم يُمْكِن إخراجه، فقالت فاطمة عليها السلام: أخرجوه في حال صلاته؛ فإنّه لا يُحسّ بما يجري عليه. فأُخرِج وهو عليه السلام في صلاته.[21]
وللمرحوم حجّة الإسلام الغزالي تحقيق في «إحياء العلوم» يقول فيه: لا تقبل الصلاة من دون التوجّه وحضور القلب أبداً. والدليل الأوّل قوله تعالى: {وأَقِم الصلاة لِذِكرِي}،[22] والثاني قوله تعالى: {ولا تكُن مّنَ الغافلين}،[23] والثالث قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون}.[24]
علّل ففي الآية الأولى وجوب إقامة الصلاة بذكر اللـه، فإذا لم تتحقّق علةّ الحكم في الصلاة؛ وهي الذكر والتوجّه إلى اللـه، كانت الصلاة حينئذٍ بلا قيمةٍ. وأمّا الآية الثانية فهي صريحةٌ في النهي عن الغفلة. وأمّا الآية الثالثة فقد فسّرها بعضهم بأنّ المقصود من السُكارى سكارى من كَثرة الهمّ، وقيل: من حبّ الدنيا. وعلى فرض أنّ المراد هو ظاهر الآية ، أي سُكارى من شرب المسكرات، فبما أنّ الآية الشريفة قد بيّنت العلّة حينما قالت: {حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون}، فيُعلم حينئذ أنّ من لم تتحقّق فيه هذه العلّة (أي: العلم بما يقول) سواء كان من حبّ الدنيا أو من كثرة الهموم، فإنّ عليه أن لا يدخل في الصلاة، حتّى يدفع عنه كلّ الموانع التي تصدّه عن التوّجه التامّ، انتهى.[25]

    

الحالات التي كانت تحصل للأئمة عليهم السلام عند الصلاة

وعن عَائِشَةَ أنّها قالت:
كَانَ رَسُولُ اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم يُحَدِّثُنَا وَنُحَدِّثُهُ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْنَا وَلَمْ نَعْرِفْه، اشتغالاً بعظمة اللـه.[26]
وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام:
إنّه سُئل عليه السلام عن حالة لَحِقَته في الصلاة حتّى خَرّ مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قيل له في ذلك، فقال: «ما زلت أُردّد هذه الآية على قلبي حتّى سمِعتُها من المتكلّم بها، فلم يلْبَث جِسمِي لمُعاينة قُدرَته».
ونقله المجلسي رحمه اللـه في «البحار» من «فلاح السائل» للسيّد ابن طاووس.[27] والظاهر أنّ المراد بهذه الآية في كلامه عليه السلام هي: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعين}، كما في «فلاح السائل» أيضاً نقلا عن الكليني.
ورُوي عَن عَلِيّ بنِ الحُسَينِ عَلَيهِما السَّلامُ أنّه كانَ إذَا تَوَضَّأ، اصفَرَّ لَونُهُ، فَيَقُولُ لَهُ أهلُهُ: ما هَذا الَّذي يَعْتارُكَ[28] عِندَ الوُضوءِ؟ فَيَقُولُ: «أتَدرُونَ بَينَ يَدي مَن أريدُ أن أقومَ؟»[29].
وكانَ الحَسَنُ عَلَيه السّلامُ إذَا فَرَغَ مِن وُضُوئِهِ، تَغَيَّرَ لَونُهُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: «حَقٌّ عَلَى مَن أرادَ أن يَدخُلَ عَلَى ذِي العَرشِ أن يَتَغَيَّرَ لَونُهُ» وروَي نحوه عَن زَينِ العابِدِينَ عَلَيه السّلامُ.[30]
وروي في كتاب «التهذيب» عَن أبِي حَمزَة الثُّمالِي أنّه قالَ: رَأيتُ عَلِيّ بنَ الحُسَينِ عليهما السّلام يُصَلِّي، فَسَقَطَ رِداهُ عَن مَنكِبِهِ، فَلَم يُسَوِّهِ حَتَّى فَرَغَ مِن صَلاتِهِ. قالَ: فَسَألتُهُ عَن ذَلِكَ، فَقالَ: «وَيحَكَ أتَدرِي بَينَ يَدَي مَن كُنتُ؟ إنَّ العَبدَ لا تُقبَلُ مِنهُ صَلاة إلّا ما أقبَلَ فيهَا». فَقُلتُ: جُعِلتُ فِداكَ! هَلَكنا. فَقالَ: «كَلّا! إنَّ اللـه تَعالَى يُتِمُّ [يُتَمِّمُ] ذَلِكَ بِالنَّوافِلِ».[31]
وفي الصَّحيحِ عَن الصَّادق عَلَيه السَّلام:« كانَ عَلِيّ بنُ الحُسَينِ عليهما السّلام إذا قامَ في الصَّلاة، تَغَيَّرَ لَونُهُ، وإذا سَجَدَ، لَم يَرفَع رَأسَهُ حَتَّى يَرفَضَّ عَرَقًا».[32]
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«كانَ أبِي عليه السّلام يَقُولُ: كانَ عَلِيّ بنُ الحُسَينِ عليهما السّلام إذا قامَ إلى الصَّلاة، كَأنَّهُ ساقُ شَجَرَة لا يَتَحَرَّكُ مِنهُ إلّا ما حَرَّكَت الرِّيحُ مِنهُ».[33]

    

طرف من مصائب سيّد الشهداء عليهم السلام

وفي «منتهى الآمال» عن القطب الراونديّ عن المِنهال بن عَمرو أنّه قال:
أنا واللـه.. رأيت رأس الحسين عليه السلام حين حُمِل وأنا بدمشق، وبين يديه رجلٌ يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ قوله: {أم حَسِبْتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عَجَبَاً} [34]، فأنطق اللـه الرأس الشريف فقال: واللـه لقِصّتُنا أعجَبُ!
ثمّ أقيم حرم رسول اللـه في المسجد الجامع بدمشق حيث يقام السَبْي، فدنا شيخ من أهل الشام من الإمام السجّاد عليه السلام، فقال:
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكُم و[أهلَكَكُم] وأراحَ البِلادَ مِنكم، وسَلَّطَ أمِيرَالمُؤمِنِينَ يزيدَ عَلَيكُم!
وكان الإمام عليه السلام يصغي لكلامه جيّداً، فلمّا انتهى قال عليه السلام:
«يا شَيخُ! هَل قَرَأتَ القُرآنَ؟» قالَ: نَعَم! قالَ عَلَيهِ السّلامُ: «هَل قَرَأتَ هَذِهِ الآيَة: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّة فِى الْقُرْبى}؟». قالَ: نَعَم! قالَ عَلَيه السَّلامُ: «هَل قَرَأتَ هَذِهِ الآيَة: {وَءاتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه}؟». قالَ: نَعَم! قالَ عَلَيه السَّلامُ: «هَل قَرَأتَ هَذِهِ الآيَة: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى}؟».[35]
قالَ: نَعَم! قالَ عَلَيه السَّلامُ: «هَل قَرَأتَ هَذِهِ الآيَة: {إِنَّما يُريدُ اللـه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً}؟»؟.[36] قالَ: نَعَم!
قال الشيخ العجوز: لقد نزلت هذه الآيات بذراري نبيّنا، فما شأنكم أنتم بها؟
قال عليه السلام:
«وَاللـه نَحنُ هُم. بِاللـه نَحنُ هُم. تَاللـه نَحنُ هُم».
فرمى الشيخ بعمامته على الأرض ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللـهمّ إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّدٍ من الجنٍّ والإنسٍ! وتاب من فعلته.
[37]


[1] ـ سورة الروم (30) الآية 31.

[2] ـ لم تُثبت الواو في مصادر الحديث سوى في كتاب مسند الإمام الرضا عليه السلام.

[3] ـ من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 214.

[4] ـ الكافي، ج 3، ص 266.

[5] ـ من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 211.

[6] ـ وقع خلاف في نبوّة لقمان، ومنشأه هو دلالة بعض الاخبار على نبوّته، ودلالة البعض الآخر على جلالة قدره دون نبوّته.

[7] ـ سورة لقمان(31) الآية 17.

[8] ـ سورة مريم (19) الآية 30 و 31.

[9] ـ سورة طه (20) الآية 12 إلى 14.

[10] ـ سورة إبراهيم (14) الآية 37.

[11] ـ سورة مريم (19) الآية 54 و 55.

[12] ـ سورة الأنبياء (21) الآية 73.

[13] ـ سورة طه (20) الآية 131 و 132.

[14] ـ سورة النور، (24) الآية 37.

[15] ـ مستدرك الوسائل، الطبعة القديمة، ج 1، ص 175؛ طبعة مؤسّسة آل البيت، ج 3، ص 43.

[16] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 340؛ وروي أيضاً في محاسن البرقي، ج 1، ص 80؛ بحار الأنوار، ج 79، ص 216؛ وفي عقاب الأعمال، للصدوق (ره)، ص 231.

[17] ـ بحار الأنوار، ج 30، ص 673؛ رواه الطبراني في الأوسط على ما نقل عنه في التعليقة (تعليقته) على المحجّة البيضاء.

[18] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 340؛ وفي تعليقتها أسندها إلى الكليني، ج 3، ص 267؛ من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص207.

[19] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 353؛ الكافي، ج 2، ص 16.

[20] ـ في المحجّة البيضاء، ج 1، ص 341؛ بحار الأنوار، ج 81، ص 249.

[21] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 397.

[22] ـ سورة طه (20) الآية 14.

[23] ـ سورة الأعراف (7) الآية 205.

[24] ـ سورة النساء (4) الآية 43.

[25] ـ على ما نقله عنه القاشاني في المحجّة البيضاء، ج 1، ص 349.

[26] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 350؛ وفي التعليقة نسبها إلى الراوندي رحمه الله في لبّ اللّباب كما في مستدرك الوسائل، ج 1، ص 266.

[27] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 352، نقلاً عن بحار الأنوار، ج 18، ص 197.

[28] ـ وردت في بعض المصادر يعتريك. (م)

[29] ـ علل الشرائع، عن أبان بن تغلب على ما روي عنه في المحجّة البيضاء، ج 1، ص 351.

[30] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 351.

[31] ـ على ما نقل عنه في المحجّة البيضاء، ج 1، ص 352.

[32] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 352؛ وفي تعليقته نقلاً عن الكافي. وارفضاض الدموع: ترشيشها.

[33] ـ المحجّة البيضاء، ج 1، ص 352؛ وفي تعليقته نقلاً عن الكافي.

[34] ـ سورة الكهف (18) الآية 9.

[35] ـ سورة الأنفال (8) صدر الآية 41.

[36] ـ سورة الأحزاب (33) ذيل الآية 33.

[37] ـ منتهى الآمال، ج 1، ص 307 (بتصرّف).

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->