معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ق > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ـ الجلسة 7: العبودية التامة للإمام مقابل الله تعالى

_______________________________________________________________

هو العليم

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ

الجلسة 7:
العبودية التامة للإمام عليه السلام مقابل الله تعالى

ألقيت في الثاني عشر من شهر رمضان المبارك لعام 1436 هجري قمري.

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني
حفظه اللـه

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلَّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
(اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد)
وعلى آله الطيِّبين الطاهرين واللعنة على أعدائِهم أجمعينَ

(هَبْنِي بَفَضْلِكَ وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ؛ أَيْ رَبِّ، جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ).
إنَّ المضمون الذي تنطوي عليه جميع هذه العبارات واحدٌ؛ فالإمام يُشير هنا إلى جوّ العبوديّة وفَناء العبد..

    

عبودية الإمام والأولياء أمام الله

يجب التفريق هنا بين مصطلحي الفَناء والفِناء؛ فالفِناء يعني باحة الدار؛ فقد جاء في المأثور: إلهي عُبيدُك بِفِنائِك. فالفِناء هو باحة أو عتبة البيت، حيث كان للبيوت القديمة ولبعض البيوت في الوقت الحاضر مدخل، عبارة عن درج أو مكان يؤدِّي إلى البيت.. كان للبيوت القديمة مدخل مسقّف يحتمي به الوارد للبيت من المطر، يقال له فِناء. قال عليه السلام: إلهي عُبيدُك بِفِنائِك،[1] فالإمام السجاد لم يستخدم حتّى كلمة "عبدك"، بل استخدم كلمة عُبيدك والتي تُطلق على العبد الصغير والحقير الذي لا يُعيره أحدٌ اهتماماً.
فالعبيد كان لهم في الماضي درجات ومراتب مختلفة؛ يتمتّع بعضهم بمراتب من الفضل والكمال والعلم ويتميّزون عن غيرهم بخصال ظاهرية مميّزة وجذّابة، أمّا البعض الآخر فكان على درجة من الحقارة والوضاعة وعدم اهتمام الآخرين؛ بحيث يُطلق عليه اسم عُبَيد. فالعُبَيِد هو الذي لا يلتَفت إليه أو يُفكِّر من يقدم لشرائه بالقيمة التي يستحقّها، بل تتوجّه الأنظار نحو أولئك الذين يمتلكون مؤهلات معينة؛ كأصحاب الحِرف والفنون وذوي الفضل والكمال. فيُطلق اسم العُبيد على العبد المريض أو الوضيع أو من لا يكون سنّه أو وزنه مناسباً، كالعبد المسن أو مقوّس الظهر.
فيقول الإمام هنا: أنا لست بعبدٍ، بل أنا عُبيدٌ، أي ذلك الذي لا يُحسب له حساباً بين العبيد. انظروا أيّ دروس يعلّموننا! فإن كنَّا ندّعي بأنَّنا من أتباع الأئمّة، فأي تصرّفات وأخلاق للأئمة نتّبع نحن؟ ونقول بأننا نقتدي بالأئمة وحدهم ولا يهمّنا أمر ما سواهم! هذا ما يُعلّمنا إيّاه أئمتنا! فهل نحن عبيدٌ حقاً؟ وهل طريقة تكلّمنا مع الآخرين قبل تسلّمنا مسؤوليةً معيّنة وبعدها على نحو سواء؟ وهل لحن كلامنا عندها كالسابق؟ وهل العبارات التي نستخدمها واحدة؟!
الوحيد الذي يمكنه أن يدّعي ذلك هو زينب الكبرى؛ فقد كان أسلوب كلامها عندما كانت في المدينة هو نفسه في يوم عاشوراء، وهو نفسه في مجلس يزيد وابن زياد؛ حيث كان لها شخصيتها وأبّهتها ومقامها المتميّز، لماذا؟ لأنَّها لم تكن تنظر إلى الكثرة، بل كان نظرها متمركزاً حول الوحدة، وباتجاه الأعلى؛ فمن يكون ابن زياد؟ وهل هو إلا كواحدة من الأنعام لكي تحسب له حساباً! وهل يكون يزيد سوى عجل حتّى تعيره اهتماماً! لم تكن تعبأ به [عندما خاطبته:] أمِنَ العدلِ يا ابن الطلقاء تخديرُك حرائِرَك وإماءَك، وسوْقُك بناتُ رسول الله سبايا؟[2] قالت له بأنّك أنت ابن من أطلقنا سراحهم.. فمن يستطيع أن يتكلّم بهذا الكلام؟ الذي يستطيع ذلك هو من كان يمتلك نفساً كبيرةً وروحاً عظيمة، فزينبٌ مستغرقة في الملكوت ولا تنظر إلى الدنيا وكثراتها، ولا تعتبر هؤلاء من بني البشر أساساً، بل تراهم مجموعة من الأنعام، أو من السحالي والضفادع، قد أمسك كلّ منهم بسيف أو برمح، فهم يقفزون ويتراكضون هنا وهناك؛ فمن يكون أولئك؟ إنَّها تسخر منهم حقاً!
أمّا نحن، فما إن يمدحنا أو يتملّق إلينا أحد، إلاّ ويتبدّل أسلوبنا في الكلام ويتبدّل لحن صوتنا. لماذا يحصل ذلك؟ لأنَّنا لا نعتني بمن هو الأعلى ولا علاقة لنا به، نعم نحن نؤمن به اسماً فقط، ونقول بأنّ إلهاً ما موجود، غير أنَّنا لسنا مطمئنين من وجوده، غاية الأمر أنّنا وجدنا آبائنا يقولون ذلك، ونحن نكرّر قولهم فقط. من كان يعتقد بالله تعالى، فهل يتصرّف هكذا تصرّف، أو يتكلّم بهذا الكلام، أو يعمل هكذا عمل؟! من يكون معتقداً بوجود الله وبيوم الجزاء حقاً هل يفعل ذلك؟!
الأولياء دائماً نظرهم نحو الأعلى، لا ينظرون إلى الأسفل! فالكلام الذي صدر من الإمام الحسين ومن أبي الفضل عليهما السلام في المدينة هو نفسه الذي تكلّموا به مع عمر بن سعد في ليلة عاشوراء ويومها؛ فلم يتبدّل كلامهم أبداً، بل بقيت شخصيتهم ثابتة في مختلف الأزمنة والظروف.

    

اهتمام غير الأولياء بمقامهم الظاهري وغفلتهم عن الله

لننظر إلى أنفسنا ونرى هل نحن مثلهم؟ مثلاً رجل لا يكاد أحدٌ يردّ عليه السلام في الشارع، ولكن إذا اكتسب مكانة ما [يصير مصداقاً للآية:] {وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً}[3]، انظروا إلى وصايا لقمان لابنه في هذه الآيات؛ {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً}[4]. فما لك تمشي متكبّراً؟
ترى أحدهم وكأنَّه لا يستطيع الذهاب إلى مكان ما بمفرده، بل لا بدَّ من مرافقة ستة أفراد ليحيطوا به عن اليمين وعن الشمال. [يا عزيزي] امش بمفردك! ضع عباءتك وامش في طريقك، وأنا أضمن بأنّه لن يحصل لك أي مكروه، فلن يُكسر رأسك، ولن تسقط في حفرة ولن يحدث لك شيء؛ ولكن كأنَّ هذا الأمر لا يتم إلا أن يرافقه عدد من الأفراد.
لقد أقمنا مجلس عقد في طهران، وكان ذلك في عهد النظام السابق؛ وكان أحد المدعوّين من الرجال الكبار ـ لا أذكر اسمه هنا فنحن جميعاً مبتلون ببلاء ـ وهو يمتلك مكانة مرموقة في المجتمع إذ كان رجلاً صالحاً.. لا أذكر هنا مزيداً من التفاصيل حتى لا تتحدّد الشخصية ويتحوّل الأمر إلى غيبة لا سمح الله، على أنَّ للرجل خصوصية بين الناس.. وكنت أقف عند الباب [لاستقبال القادمين] وكان الوقت بعد الظهر؛ فرأيت سيارة تدخل الزقاق وتتقدّم نحو البيت، وعندما أمعنت النظر رأيت أنَّه هو الراكب فيها؛ فتوقفت السيارة ونزل منها السائق مسرعاً وجاء باتجاه المنزل [يطلب منِّي التقدّم لاستقباله]، والرجل لا يزال جالساً في السيارة لم ينزل منها بعد؛ فجاء السائق وقال: السلام عليكم، لقد حضر آية الله فلان؛ فقلت له: أهلاً وسهلاً به، ليتفضّل فقد سَرَّنا قدومه.. فنظر إليَّ السائق متعجّباً! وقال: قلت لك إنَّ آية الله قد جاء، فقلت له: نعم! نعم فهمت ذلك، فليتفضّل، فلقد أحسن بقدومه. فنظر إليَّ ثانيةً [بتعجّب]؛ فقلت له: لقد علمت ذلك، فليتفضّل. هذا وأنا واقفٌ مكاني.
فليأتِ، لماذا عليَّ أن أذهب إلى هناك؟ ولماذا أقوم بصرف سعرتين حراريتين إحداهما في ذهابي والأخرى في إيابي؛ بل ينبغي أن أوفّر على نفسي هذه السعرات، والحال أنّه سيأتي على كلّ حال. ويبدو بأنَّه لم يحصل له أن زار مكاناً كهذا من قبل.. وخلاصة الأمر أنَّ ذلك العالم لم ينزل من السيارة.. [فقلت في نفسي] عليك أن تنزل ما دمت قد رأيت الوضع بهذه الصورة.. هكذا كان طبعي منذ البداية، فلم يكن المرحوم العلاّمة قد قالها اعتباطاً عندما كان يقول لي: لديك وضع خاص... [ضحك]. وفي نهاية المطاف نزل الرجل من السيارة ومشى إلى البيت؛ وأنا أعتقد بأنَّ ذلك كان أفضل موقف له في زياراته، فلم يحصل له موقف كهذا طيلة حياته؛ فجاء وحيداً فريداً في حال من العبودية، لا بحال من... لا أستطيع أن اصرّح به. جاء يمشي خطوة خطوة وحيداً، ولم يحصل له أيّ مكروه في مجيئه هذا، فلا السماء سقطت على الأرض، ولا الأرض ابتلعته! فقطع تلك المسافة البالغة ثلاثين إلى أربعين أو خمسين متراً وألقى عليَّ السلام، فاستقبلته وعانقته، إذ لا بدّ من مراعاة كلّ شيء في محلّه، ثم رافقته إلى داخل المنزل، وصرفت عدة سعرات حرارية في صعود الدرج؛ فاستقبله الموجودون في الأعلى؛ إذ قد وصل جناب المحترم.
علينا أن نعرف بأنَّ هذا هو الأسلوب الصحيح في التصرّف؛ فنحن عبثاً شغلنا أنفسنا بتلك الأوهام والتصورات الخاطئة. عندما كان المرحوم العلاّمة ينوي الذهاب إلى الحرم، أو عندما كان يعود من المسجد، ما إن يرى أحدهم يريد مرافقته في السير، كان يتوقف ويقول له:
تفضّل، هل لديك ما تريد أن تطرحه؟
أردت أن أرافقك!
ابق أنت مكانك، وأنا أذهب بمفردي.
كان يمشي بمفرده، أو كنَّا نحن[أولاده] نرافقه؛ فلم يكن هنالك من يرافقه في مسيره، ولم يحصل أن سار خلفه جمع من خمسة عشر رجلاً.
كنت قد زرت النجف الأشرف في عهد النظام السابق، وكان عمري حينها بحدود السبعة عشر عاماً، بل كنت في الثانية عشر عاماً؛ حيث تشرّفت مرتين بالذهاب، مرة في الثانية عشرة والأخرى في السابعة عشرة من عمري.. وفي يوم من الأيام رأيت جمعاً من طلاب العلوم الدينية يقدّر عددهم بالعشرين أو الثلاثين طالباً يتقدّمهم رجلٌ؛ فاقتربت أكثر وأكثر ــ وكان عمري بحدود الثانية عشر أو الثالثة عشر عاماً ــ فعلمت عندها بأنَّ أحدهم ينوي الدخول إلى حرم أمير المؤمنين عليه السلام.
يا سيدي كان بإمكانك أن تقول لهم بأن يتقدّموك أو يتأخروا عنك في الذهاب، وتدخل أنت بمفردك، فصحن أمير المؤمنين ليس مكاناً لحصول مثل هذه الأمور! فإن كنت تفعل مثل هذا الشيء في أماكن أخرى، فلماذا تفعله هنا أيضاً؟ بل علينا أن نُظهر الخضوع والخشوع هنا وأن نتخلّى عن مظاهر القدرة ونطرحها أرضاً، وعلينا أن ننزع عنَّا تلك الرُتب والنياشين.
ما الذي تبدّل في الأمر؟ في عهد النظام السابق، والآن كذلك.. كنا نشاهد هذه العلامات والرتب والنجوم.. فلعلّه من الضروري أن يضع العسكريّون من الضباط وغيرهم تلك الأشياء التي يضعونها على أكتافهم، حيث يتم منحهم واحدة أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، لا أدري كم واحدة! أما في السابق فكانوا يعلّقون عليهم ستين علامة، بحيث تمتلئ أكتافهم وثيابهم منها! ما هذا؟ وما الذي تريد أن تفعله بها؟ كان بإمكانك أن ترتدي معطفاً بدلاً من كلّ هذه الرتب! ولا يزال الوضع الآن على ما هو عليه في السابق! أتلاحظون؟
جميع شخصيّة الإنسان صارت تتمثّل بهذه العلامات البرونزيّة الرخيصة مختلفة الأحجام والتي توضع على الكتفين.. نعم تمام شخصيّته، وحيثيّته، وهويّته، وإنسانيته، وصفاته، وملكاته.. تتمثّل بهذه الأربع قطع.. لا أدري هل هي من القماش أو من المعدن!؟ هذه هي شخصيّة الإنسان! نحن أصبحنا كذلك، فكلّ وجودنا وشخصيتنا وحيثيتنا وهويتنا ومكانتنا تتمثّل في أن يسير أربعة أفراد عن يميننا وأربعة عن شمالنا؛ ليتم جلب أنظار الآخرين إلينا. أتلاحظون؟ فكلّ ذلك يعود إلى هذا الأمر.
في سفري الأخير الذي تشرّفتُ فيه لزيارة العتبات المقدّسة لعدّة أيّام، كنت خارجاً من حرم سيِّد الشهداء عليه السلام يوماً، فرأيتُ أحد الأشخاص المعمّمين جالساً حيث يخرج الناس من الحرم ليذهبوا لاستلام أحذيتهم ــ وكنت أرتدي الملابس العربية، ولا أتذكر فيما إن كنت معمّماً ذلك اليوم أم لا، حيث كنت أضع العمامة على رأسي في بعض الأحيان، وأحياناً أرتدي الثوب العربي الأبيض والكوفية ــ فرأيته جالساً هناك وهو يُسلّم على الداخل والخارج من الحرم؛ ويبدو أنَّه كان يريد... لا أقول ما الذي كان يريده من وراء ذلك! فلعله كان يريد أن يراه الآخرون.
فخطر ببالي أن أوجّه له نصيحة من ذلك النوع الذي تعرفونه [ضحك] فأقول له: هل جئت إلى هنا للزيارة، أم لأمر آخر؟ فالزيارة لا تتلاءم مع هذا النوع من اللعب؛ فما معنى جلوسك على كرسي للسلام على الداخل والخارج؟ فبدلاً من ذلك ضع عباءتك على رأسك، وأطرق برأسك إلى الأرض لكي لا ترى أحداً واذهب للزيارة، ولا تحيط نفسك بستة من الأفراد! فهل أتيت إلى هنا لتفتح دكّاناً؟! فالدكان دكان لا يختلف أينما كان، إذا أردت أن يراك الناس، كان بإمكانك أن تُعلن عن مكان تواجدك وتقول للناس: كلّ من يعرفني ويرغب بزيارتي، فليأت إلى هناك! فما معنى أن تضع كرسيّاً بباب الحرم في طريق الزّوار الخارجين وتسلّم عليهم: السلام عليكم.. بلهجتك الخاصّة؟!

    

عدم التفات الأولياء إلى أحد غير الله في أعمالهم

فأيّ زيارة تلك التي يزورها هؤلاء الناس؟ حقيقة الزيارة هي تلك التي كان يقوم بها المرحوم العلاّمة عند زيارته للإمام الرضا عليه السلام ماشياً على قدميه؛ فإن أراد أحد مرافقته في الطريق، كان يتوقّف ويقول له: إمّا أن تتقدّم أمامي أو تتأخّر عنِّي، وكان يذهب وحيداً في حين أنّه كان قد بلغ السبعين عاماً! فإن رافقه أحد، فإنَّما كنَّا نحن فقط الذين نرافقه، أقصد أبناءه أنا أو أحد إخوتي، وذلك بسبب ما كان يعانيه من أمراض، وكنَّا نتعمّد مرافقته ولا ندعه يذهب وحيداً؛ بسبب الضعف الذي كان يعتريه أحياناً، وما كان يعاني منه من مرض السكّر، إضافة إلى ما كان يعانيه من آلام الظهر ومرض القلب. فكلّما أراد أن يذهب للزيارة، كان أحدنا يرافقه، وقد حصل أكثر من مرّة أن كنَّا نجلس في الطريق لمرّة أو مرتين؛ إذ لم يكن يستقل سيارة في ذهابه للزيارة أبداً، بل كان يذهب ماشياً على قدميه، وكان يغلبه الضعف في العودة مما كان يضطرنا للجلوس إلى جنب المحلاّت المتواجدة في طريقنا ــ فلا وجود لمكان للاستراحة هناك ــ إلى أن نعود إلى المنزل.
لقد أتيت إلى الزيارة! فالزيارة لا تتماشى مع ما تقوم به من فتح دكان ومكتبٍ لك، بل عليك أن تأتي وحيداً؛ فلا تجلب معك أحداً، وكان عليك أن تُغطِّي عمامتك بعباءتك لكي لا يعرفك أحد وتؤدّي زيارتك وترجع. بلى إذا أراد أحد أن يسألك أو يتحدّث إليك، فبإمكانك أن تعيِّن مكاناً لمقابلة الناس، أمّا هذا الذي تقوم به فهو ضرب من اللعب؛ ما معنى أن يقوم الإنسان بهذه الأفعال قبال الإمام الحسين عليه السلام، وما معنى أن تقوم بذلك في مثل هذا المكان؟ فهذا ليس المكان المناسب لمثل هذه الأعمال، بل هذا مكان إبراز المسكَنة والخروج عن كافة أنواع التخيّلات والأوهام والتصوّرات، وهنا ينبغي على المرء أن يخرج من تلك الأمور؛ لينال نصيباً من الفيض، وإلا إذا أراد أن يأتي وهو غارق في هذه الأوهام والتخيّلات، فستكون زيارته مجرّد زيارة ظاهرية وتمثيلية، لا تتجاوز رؤيته للضريح والذهب الذي يغطّيه، ويصير همّه المقارنة بين كمية وكيفية الفضة المصنوع منها هذا الضريح مع تلك التي كانت على الضريح السابق.
لقد رأيت بنفسي كيف أنَّ أولئك الذين يأتون إلى حرم الإمام الحسين يقولون لبعضهم: انظر إلى النقوش والزخرفة، وكم هي تختلف عن تلك التي كانت موجودة على الضريح السابق! فهو يتابع مثل هذه التفاصيل وهو في حرم الإمام الحسين، نعم هؤلاء أنفسهم! فهل تعدُّ تلك زيارة؟! هل هي زيارة في واقع الأمر؟! وهل تتوقّع أن ينال فيضاً أو تنال عناية أو اهتماماً من هكذا زيارة؟
ذلك هو الأمر الذي ينبّهنا إليه الإمام السجاد عليه السلام عندما يقول: إلهي عُبِيدك بِفِنائِك. فالعُبيد هو ذلك العبد الذي لا يُحسب له حساباً أبداً، ولا يُنظر إليه ولا يُفكِّر أحد بشرائه. فالإمام يقول: لقد وقف هذا العُبيد بفِنائك وهو يستأذن بالدخول عليك.. إلهي عُبِيدُك بِفِنائِك، مسكينُك بِفِنائِك، فقيرُك بِفِنائِك، سائِلُك بِفِنائِك. فهذا هو معنى الفِناء. أمّا الفَناء فيعني العدم.
لذا نرى العظماء والأولياء عندما يتوجّهون بحاجاتهم وأدعيتهم إلى الله يأخذون موضوع فنائهم وحقيقة كونهم عدماً في نظر الاعتبار، فهم عندما يبتهلون إلى الله بالدعاء وعندما يطلبون منه حاجاتهم يرون أنفسهم عدماً، ثم يأتي من يسمع منهم هذه الأدعية ويحاول شرحها وبيانها في الكتب وغيرها، ليُطلع الآخرين على الحالة التي كان هؤلاء عليها.
فعندما يقول الإمام السجّاد: هبني بفضلك، وتصدّق عليَّ بعفوك، فهو إنَّما يقول: أنا لست مؤهّلاً لأن تتعامل معي بعطفك، فإن نظرتَ إليّ على حقيقة ما أنا عليه، فأنا لست مؤهّلاً لأن تتعامل معي على هذا الأساس. فأولياء الله عندما يطلبون من الله شيئاً، لا يرون لأنفسهم وجوداً فيطلبون، لا أنَّهم يرون لأنفسهم وجوداً، ثم يطلبون طلباتهم من الله بناءً على هذا الوجود.
تقدَّم في الليلة الماضية الكلام عن الفرق بين علماء الظاهر وعلماء الباطن؛ فعلماء الظاهر يرون لأنفسهم مكانةً، لذا فهم يقولون: لقد خلقتنا يا ربِّ، وفرضت علينا تكاليف، وقد أنجزنا هذه التكاليف بوجهها الصحيح؛ فكانت صلاتنا وصيامنا صحيحةً ومطابقةً لما أمرتنا به، وكذا الأمر بالنسبة للحج وبقية التكاليف! ثمَّ إنَّك قد وعدتنا وأنت صادق الوعد، فيقومون بترتيب هذه المقدمات واستحضارها، ثم يقولون: بناءً على هذا فنحن نريد منك يا ربّ أن تفي لنا بما وعدتنا يوم القيامة؛ وإلاّ لو كان الأمر غير ذلك، لكانت المسألة مختلفة.. والمفروض أنهم لم يرتكبوا ذنباً في حياتهم، وإلا فليس حديثنا مع مرتكبي الذنوب، بل الحديث هنا عمّن لم يكذب طيلة حياته كذبةً واحدةً، وكان إنساناً صادقاً وَرِعاً تقياً متجنّباً للكذب والغيبة، فهو مستقيم في حياته، لا أنّه من أولئك الذين يوجّهون التهم للآخرين ويعملون أعمالاً مخالفة للشرع أساساً، فهؤلاء خارجون عن مجال حديثنا هذا! بل يدور الحديث عمّن يؤدِّي صلاته في أول الوقت، ويصوم ويحج ويساعد الفقراء والمساكين والمحتاجين، ويقوم بما شابه ذلك من أعمال الخير.. فإذا حضرته لحظة الوفاة، فماذا سينتظر من الله؟ إنَّه يقول [في قرارة نفسه]: أرأيت يا ربّ كيف أنِّي لم أكذب كذبة واحدة في حياتي؟!

    

قصة من تباهى بصلاة الليل منذ بلوغه

هناك مسجدٌ في إحدى القرى القريبة من طهران، لا أتذكر اسمه، ولكني ذهبت إليه. يُقال بأنَّ أحدهم ــ ولعله كبير تلك القرية ــ كان قد تبرّع بقطعة أرض لكي يُقام عليها مسجداً، غير أنَّه اشترط أن يكون من يضع الحجر الأساس للمسجد ممن لم تفته صلاة الليل مرةً منذ سنِّ التكليف إلى هذا اليوم! فلم يتقدّم أحدٌ، وهو أمر نادر الحصول أن لا تفوت أحدهم صلاة الليل ولو ليوم واحد منذ سنّ التكليف والذي هو الخامسة عشر عاماً، فأنا واحد ممن لا ينطبق عليه هذا الشرط، لا أعلم حال الآخرين، أما أنا فلم أتوفّق لذلك، بل لست مداوماً عليها الآن، فما بالك بذلك الوقت. والحاصل أنه لم يتقدّم أحدٌ لذلك.
لقد تذكّرت الآن بأنَّ هذه القضيّة تتعلّق بمدرسة "مروي" في طهران، فقد كنت أذهب إلى هناك في فترة من الفترات وكنت قد سمعت هذه الحكاية بشأنها، إن لم أكن مخطئاً؛ فالأمر يتعلّق بمدرسة "مروي" الواقعة قرب سوق طهران.
وبعدها قام هذا الرجل بالإمساك بمعول وبدأ بحفر أساس البناء، فتعجّب جميع الحاضرين من ذلك! فقلت: كم هو عمل خاطئ هذا الذي قام به الرجل، فلو كان عاقلاً ويمتلك ذرّة من معرفة أولياء الله، لوقف في آخر صفٍّ من صفوف الحاضرين، ولطرح طلبه بشكل آخر، لا أن يأتي ليتباهى بصلاة ليله أمام هذا وذاك. وحتى لو طُرح مثل هذا الأمر [من قبل رجل آخر] لكان عليه أن يقف في الخلف ولا يتقدّم. فمن الممكن أن يكون مقام ذلك المذنب الذي ندم على ذنبه أكثر قرباً إلى الله من ذلك الذي لم تفته صلاة الليل منذ سنّ التكليف حتّى سنّ السبعين عاماً. أتعلمون السبب في ذلك؟ السبب هو أنَّه نادم ومنكسر أمام الله، لا أنّه يتباهى بصلاته ويقول: لقد صلّيت صلاة الليل منذ أن كان عمري خمسة عشر عاماً، وأنا أتحدّى من يتقدّم ويقول بأنَّه قد فعل مثل هذا!
إنَّك تتراجع بصلاتك هذه منذ خمسين عاماً أيها مسكين! لا أنك تتكامل بها. إنَّك منذ خمسين سنة تبتعد عن الله وعن مقام رحمته، إذ صلاة الليل إنما هي للتقرّب إلى الله، لا للابتعاد عنه ونمو حالة التفرعن والنمردة والأنانية لديك، فلو واجهت ملك الموت وأنت على هذا الحال، لقبض روحك بالشكل الذي لم يقبض معها روح أحد من قبل! فهل تعتقد بأنَّك مُتفضّل على الله بصلاتك هذه وتكون قد أتيت بعمل خارق؟ فمن الذي أيقظك لصلاة الليل؟ ومن الذي أعطاك العزم والهمّة على أدائها؟ ومن الذي وفّقك لهذا العمل؟! فبدلاً من أن تعمل هذه الصلاة على إيجاد حالة من الخضوع والخشوع في نفسك، تأتي هنا لتتفاخر وتتباهى بها على الآخرين وتقول: هذا لم يصلّ صلاة الليل البارحة، أمّا أنا فقد صلّيتها؛ لقد نهضت البارحة في شدّة برد الشتاء القارص وكسرت الجليد كي أتوضأ وصلّيت لمدة نصف ساعة.. كنت قد سمعت أحدهم يقول لصاحبه: استيقظت البارحة من أجل صلاة الليل، فلم أجد ماءً، فعمدت إلى كسر الجليد الموجود على سطح الحوض، وتوضأتُ لصلاة الليل. فقلت: لقد أخطأتَ! فلو أنَّك نمت بدلاً عن ذلك لكان خيراً لك، أمّا الآن فقد خسرت فرصة نومك من ناحية، ومن الناحية الثانية قد أتيت بصلاة لا يمكن أن ترفعك؛ فهذا ليس من الأمور التي تُطرح على هذا وذاك. فهل يُفترض بالإنسان أن يتباهى بذلك التوفيق الذي منَّ الله به عليه؟!
تراهم كلّما عملوا عملاً وبيّنوه استدلّوا بالآية: {وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [5]؛ إنَّ هذا المورد ليس من موارد الاستدلال بهذه الآية، بل هذه الآية ترتبط بتلك الموارد التي تُسبِّب للإنسان حالة من الخضوع والمسكنة، فيقوم ببيان النِعم للآخرين من أجل إيجاد الأمل لديهم، لا أن يكشف ذلك الأمر ليقول الآخرون: انظروا إلى هذا الرجل كان يصلي صلاة الليل منذ الخامسة عشرة، بينما نحن لم نفعل ذلك، أو يقول أنا لم أصلِّ إلاّ من سنّ الثلاثين، ويقول الآخر: وأنا أصليّها ليلة وليلة لا، ويقول ثالث: كم هو موفق هذا الرجل؟! ذلك مما ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه. من قضى عمره وهو يتصرّف بهذا الشكل كيف سيرحل عن الدنيا الآن؟

    

قصّة السيد البروجردي عند وفاته

يُنقل عن المرحوم السيِّد البروجردي ـ رحمة الله عليه ـ أنَّه كان مضطرباً عند رحيله عن الدنيا، فالأمر أصبح جاداً الآن، إذ هذا هو نهاية الخط! وهنا تنتهي مرحلة المراجعات، ورفع الصلوات، وإغلاق الطرق، وجلب باقات الورود، ونصب أقواس الفرح، بقدوم آية الله.. كلها انتهت! فعندما يأتي ملك الموت يضع خطّاً بين الإنسان وبين كافّة تعلّقاته الدنيويّة، وميوله نحو الكثرات وكثرة التابعين، بحيث لا يمكن سماع صوته من مسافة عشر سنتيمترات، فلا يبقى له حول ولا قوة عندئذٍ، فيعلم حينئذٍ بأنَّ الأمر قد أصبح جاداً.
يُقال بأنَّ السيِّد البروجردي كان مضطرباً حينها، وكان المحيطون به يقولون له: لماذا أنت مضطرب؟ فكان جوابه: ها أنا أرحل عن الدنيا ويديّ خاليتان من كلّ شيء.. نعم كان مصيباً في ذلك، فإن سُئل عن صلاة الجماعة التي كان يصلّيها، وقيل له بأنّ تلك الصلاة كانت تحمل بين طياتها مسائل أخرى، فبِمَ سيُجيب الله عن ذلك؟! فذلك الموقف لا مُزاح فيه! فإن قيل بأنَّ المسجد الأعظم مليء بالمصلين الذين جاءوا من مختلف البقاع لزيارتك.. فهل سيكون حال الإنسان عندئذٍ هو نفسه فيما لو دخل المسجد ووجد فيه خمسة مصلّين لا أكثر؟ كيف له أن يعرف بأنَّ حاله لم يتغيِّر في كلتا الحالتين؟ الذي يعلم ذلك هو الملَكان الجالسان عن يمين الإنسان وشماله؛ فهم يقولون: ذهابك اليوم إلى المسجد في حال فائق من الوجد، فأنت مُعجب بهذا العدد الذي يملأ الشارع وهو في طريقه إلى المسجد..
كان عدد المصلّين خلف مسلم بن عقيل ثلاثين ألف مصلٍّ، ثمّ نظر خلفه فلم يجد إلاّ رجلاً واحداً، حتّى إذا انتهت الصلاة، انصرف هذا الواحد أيضاً. هذا هو حال الناس دائماً!

    

تأكيد الأولياء في وصاياهم على عدم الاكتراث بغير الله

كم كان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه يؤكِّد عليّ ويقول: يا سيِّد محسن، ليكن تفكيرك محصوراً بأحوال نفسك وأمورك، وانظر ما الذي أنت فاعله، ولا شأن لك بإقبال الآخرين عليك، واعلم بأنَّ لهذا الإقبال إدباراً في يوم من الأيام.. انظر إلى نفسك فقط. ولقد لمست هذا الأمر بنفسي في حياة المرحوم العلاّمة وبعد وفاته، صدق والله والدي رحمة الله عليه ورضوان الله عليه. نعم، لقد لمست بنفسي وبجميع وجودي ذلك، ورأيت بعيني صدق هذه النصيحة التي كان ينصحني بها بصورة مستمرة طيلة فترة حياته.. نعم، لقد رأيت صدقها بعيني ووصلت إلى حقيقتها ولمستها ووجدتها وشاهدتها بنفسي؛ ماذا أقول أكثر من هذا! لقد علمت بكلّ وجودي بأنَّه كان محقّاً فيما يقول. لكن نحن الذين كنا مخطئين ونفكّر بطريقة معوجّة، ونحن الذين كنّا مشتبهين في تصوّرنا للأمور؛ فكنا نقول: وهل يمكن أن يصدر من الصديق الذي امتدّت صداقتنا معه لمدّة ثلاثين أو أربعين عاماً أمرٌ كهذا؟ فقد كانت تربطني ببعضهم علاقة منذ أن كان عمري خمس سنوات، فكنَّا متلازمين مع بعضنا في السفر والحضر والتجوال وحضور المجالس وفي جميع تحركاتنا.. وإذا به يضرب بكلّ ذلك عرض الحائط، وكأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وكأن لم يكن لهذا الإنسان وجود في الدنيا، وكأنَّه لم يكن هنالك وجود خارجي في هذا العالم لرجل باسم ومواصفات هذا السيِّد الآثم الذي غطّاه التقصير من رأسه إلى أخمص قدميه، ولا يزال الإعراض والقطيعة كذلك إلى يومنا هذا.
جزاهم الله خيراً، وأسأله أن يمنّ عليهم بكلّ ما يريدون حقاً، وأدعو لهم مخلصاً؛ فلولا هؤلاء لما أمكن أن تصحّ طريقة تفكيري. هؤلاء هم الذين تمكّنوا من تصحيح أفكاري، نعم، هذه الحركات والسكنات والتعاملات هي التي جعلتني أصِلُ إلى ما كان الوالد يكرّره عليّ عشرات المرات، ولم أكن أفهم قصده. فعلاً جزاهم الله خيراً وأعطاهم كلّ ما يريدون ويرغبون؛ فأنا لست ببخيل، فما المانع من أن يحصل ذلك. أنا أطلب من الله ذلك حقاً.
هنالك أشياء لا بدّ من أن يصل إليها الإنسان بنفسه، وإلاّ فحتى لو قرأ مائة كتاب لن يحصل عليها، ولو حضر مائة مجلس من تلك المجالس التي يقيمها الطهراني، فلن يحصل على فائدة، بل لا بدّ من أن تُدركوا ذلك بأنفسكم وتصلوا إلى عمق هذا الموضوع وتعرفوا نكاته، فعندها سيكون كلّ ذلك مفيداً لكم، وسيساعدكم على التشخيص الصحيح للأمور. ولقد ساعدني هذا الأمر على التشخيص الحاسم؛ بحيث لو أنَّ أحدهم [فعل المعجزات و] فصل رأسه عن جسده أمامي، لما كان له أي آثار تترتب عليه لديّ. فلقد علمنا ما كان يجب علينا علمه، وأدركت ما يجب عليّ إدراكه، فلقد أصبحت أفهم الآن المواضيع التي كان يطرحها المرحوم العلاّمة جيداً؛ يعني أنّني أصبحت أدركها أكثر من ذي قبل، ولا أقول أصبحت أدركها جيداً. فأصبحت أرى المواضيع والأحاديث والنصائح التي كان يبديها المرحوم العلاّمة وما ورد في مؤلفاته، أصبحت أراها بمنظار آخر، وأتعامل معها بروحيّة أخرى.
كما أني أصبحت قادراً على فهم مواقف الأئمة بشكل أفضل، فكنت أطالع المواضيع قبل ثلاثين عاماً وأتحدّث عنها ألف مرّة وأدرّسها وأذكرها في مجالسي، غير أنّ ما أفهمه منها الآن أمراً آخر، فأستطيع أن أتصوّر الآن ـ إلى حدّ ما ـ الحال الذي كان عليه أمير المؤمنين بعد ارتحال النبي، كما استطيع أن أرسم لنفسي صورة عن الجوّ الذي كان يعيش فيه الإمام الحسن والإمام الحسين والإمام السجاد والإمام الرضا، وصار بإمكاني معرفة كيفية علاقتهم مع الأفراد المختلفين ومع مجتمعهم وأصدقائهم.

    

ضرورة التأمل في الأحداث التاريخيّة التي جرت على المعصومين واستخلاص العبر منها

كان أمير المؤمنين يسير في أحد طرق المدينة بعد ارتحال النبي، وكانت الزهراء سلام الله عليها بمعيته وكان ذلك قبل استشهادها، فأتى أحد أصحاب أمير المؤمنين..
اعرفوا أحوال الدنيا [أيها الإخوة] فهذه هي الدنيا؛ فكم من المناسب أن يعرف المرء حقيقة الدنيا باكراً، ولا يدع ذلك حتّى يصل به العمر إلى الخمسين، الستين أو السبعين عاماً، بل عليه أن يعرف حقيقة الدنيا وهو في سنّ العشرين أو الثلاثين عاماً؛ فلو عرف حقيقة الدنيا وهو في سنّ العشرين لكان ذلك خيراً له من أن يعرفها وهو في سنّ الستين؛ فسيعرفها حينئذٍ، غير أن الوقت سيكون متأخّراً حينها.
لم أكن أفهم ما كان المرحوم العلاّمة يعنيه عندما كان يقول لي: اشتغل بأمورك الخاصة بك، ولا شأن لك بما سوى ذلك. لقد كان حالي في ذلك الوقت مختلفاً عمّا هو عليه الآن.. لنتجاوز هذا الأمر، فلا طاقة لي لإعادة الشريط مرّة أخرى..
نعم، كان أمير المؤمنين يسير في الشارع، فرأى بأنَّ أحد أصدقائه القدامى قد أشاح بوجهه عنه ولم يسلِّم عليه؛ علماً بأنَّ شوارع المدينة لم تكن عريضة في ذلك الوقت بحيث يبلغ عرضها الستين أو السبعين متراً، بل كانت بعرض أربعة أو خمسة أمتار فقط. فقالت له الزهراء: لقد كان هذا الرجل صديقاً لك، فلِم لم يُسلّم عليك؟ فقال أمير المؤمنين: رحم الله الرجل ــ وأنا أقول: طيّب الله نفسه ــ فهذا قد أشاح بوجهه عنّي فقط، أما بعضهم فأسلّم عليه ولا يردَّ عليَّ السلام.
هذا فيما يتعلّق بما كانوا يتعاملون به مع أمير المؤمنين، والحال أنّه وصيّ النبيّ وهو خاتم الأوصياء وهو المتصرّف بملك العالم وملكوته؛ حيث لم يكونوا يردّون عليه السلام! فما هي قيمة هذه الدنيا والحال هذه؟ وما قيمة تلك الصداقة التي تنتهي بهذا الشكل يوماً ما؟ فلا كانت هكذا صداقة أبداً. ما الذي يجنيه المرء من هكذا صداقة غير وجع الرأس، إن كان أمير المؤمنين ــ مع ما له من السوابق ــ قد جنى منها ما جنى؟!
لقد رأيتم بأمّ أعينكم ــ يا عديمي الانصاف ــ كيف أُصيب أمير المؤمنين بتسعين جرحاً في معركة أحد؛ فأيّكم أُصيب بمثل ما أُصيب به أمير المؤمنين؛ تسعون جرحاً في معركة واحدة؟ أولئك فرّوا من المعركة ولم يعودوا إلى المدينة إلاّ بعد مضي عدّة أيام! والعجيب أنَّ هؤلاء الفارين هم الذين ادّعوا الدفاع عن الإسلام، وجاءوا ليجبروا أمير المؤمنين على مبايعتهم!!
هنا يذهل المرء ويقول: إلهي كيف تدور رحى الأمور في هذا العالم؟! فهذا الذي أُصيب بتسعين جرحاً، يُلفّ الحبل حول عنقه ويُأمر بالبيعة، وذاك الذي فرَّ من المعركة وبقي هارباً لعدّة أيام يأتي ليجلس مكان النبي! فأيّ قانون وأيّ منطق هذا؟ وكيف تجري الأمور؟ هل التفتم؟!
هذه الأمور التي أؤكِّد عليها في هذه الليالي كثيراً، هي أمور حيوية في السلوك، بل إنَّ السلوك يُبنى أساساً عليها. فصلاة الليل مرّة واحدة وأنت على هذا الحال أفضل من صلاة الليل ألف سنةٍ لذلك الذي قال: ليضع حجر الأساس من لم تفته صلاة الليل منذ سنّ العاشرة أو الخامسة عشر. فإن كنت تمتلك هكذا حال، وغلبك النوم فسوف يُكتب لك ثواب صلاة الليل، لكن المهم أن تكون على هذا الحال وبهذا الوضع! هذا هو الذي يدفع الإنسان إلى الحركة نحو الأمام ويدفعه نحو التكامل. هذا هو الذي يجعلك تتقدّم؛ سواء صلّيت صلاة الليل، أم لا، وسواء أدّيتها في وقتها أم قضيتها، بل حتى وإن غلبك النوم يوماً ولم تستطع النهوض، قضيت صلاتك. فما الضير في ذلك؟ وما الإشكال في الصلاة قضاءً؟ بلى يجوز ذلك، وعندئذٍ ليس فقط لن يُحسب ذلك ذنب عليك، بل سوف تُثاب عليه؛ لأنَّ حالتك كانت بتلك الكيفية.
ألا يوجد لدينا رواية عن الإمام عليه السلام بأنَّ من أمضى عمره صائماً نهاره، مقيماً ليله بين الركن والمقام، وكان قد أدَّى ألف حجة وسعى بين الصفا والمروة، وأنفق من أمواله ما أنفق، ومات وهو على هذا الحال، فسيُدخله الله النار إن لم يكن مؤمناً بولايتنا [6]. ما معنى هذا الكلام؟ إنَّه يعني هذا الأمر الذي أشرت إليه! فأيّ حجٍ ذلك الذي يتم بدون ولاية عليّ؟ إنَّه ليس بحجٍ، بل هو سياحةٌ! فهذا لا يُسمّى حجاً، وأيّ صيامٍ ذلك الذي يؤتى به بدون ولاية عليّ عليه السلام؟ إنَّه ليس بصيامٍ، بل هو اتباع حميةٍ ورجيم غذائيٍّ من أجل تقليل الوزن! وأيّ صلاةٍ تلك التي تؤدّى بدون ولاية عليّ عليه السلام؟ إنَّها ليست بصلاةٍ، بل هي رياضة، نعم تُسمّى صلاة لكن لا يُطلق عليها اسم طاعةٍ أو عبوديّةٍ. فالطاعة والعبودية هي تلك التي تكون تحت ولاية عليّ عليه السلام، وهي تعني السير في ظلّ ولاية عليّ عليه السلام، وتسليم الإنسان نفسه وروحه وجميع شراشر وجوده لولاية عليّ وجعل إرادته ومشيئته تحت إرادة ومشيئة عليّ، عندها سيكون مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وآله: كمْ مِنْ صائِمٍ ليسَ لهُ مِن صِيامهِ إلاّ الجُوعُ والظمأ، وكمْ مِنٍ قائمٍ ليس لهُ من قيامهِ إلاً السَّهرُ والعناءُ، حبَّذا نَومُ الأكياسِ وإفطارِهِم[7] .
فتلك الصلاة لا ترفعهم إلى الأعلى أبداً. فحبّذا نوم الأكياس، فالأكياس هم الأذكياء من أهل الفطنة؛ فهؤلاء الناس وإن أفطروا لعذر مشروع، فإفطارهم ممدوح؛ فهم في حال من الحركة والرقيّ في جميع أحوالهم؛ فهو يترقّى بكياسته تلك مع كلّ نَفَسٍ يتنفّسه ومع كلّ حركةٍ يتحرّكها، وفي نومه وفي تناوله للطعام؛ لماذا؟ لأنَّه كيِّس، فَطِن، لأنّه يعلم ما الذي يفعله في كلّ لحظة من لحظات حياته، فقد أصبح حاله بالشكل الذي يكون فيه في مقام عبودية الله وتحت طاعة وصي رسول الله في جميع الأعمال التي يقوم بها. فكيف سيكون حال الرجل؟ إنَّه في حال حركة وترقّي.

    

اختلاف نظرة الولي وغيره إلى الطاعات التي يقوم بها

لو قمنا بتلك الأعمال، فسيُثيبنا الله على ذلك؛ فلو فرضنا رجلاّ لم يرتكب معصية طيلة عمره وكان إنساناً صادقاً، فهذا ممدوح بحدّ ذاته، ولكنَّ الكلام في أنّه إذا قال لله: إلهي أنا الذي أدّيت صلاتي أول وقتها وكما أمرت بذلك، وأنا الذي صمت وحججت طاعة وتلبية لأمرك، فسيقول له الله: ما دمت قد جئت لتستعرض عليّ ما قمت به من عمل، فتعال لنتحاسب على تلك الأعمال لنرى كم منها كان خالصاً لي، وكم منها كان لك ولغيرك. فإذا بالرجل يرى الأمر شبيه بحمله لكيس مملوء بالأرز وقد ثُقب من أسفله، فيأخذ الأرز بالانسكاب من الكيس بشكل تدريجي [وبدون أن يشعر]، وإذا بذلك الكيس الذي كان يزن عشرين كيلوغراماً قد أصبح وزنه تسعة عشر كيلوغراماً، وهكذا حتّى لا يتبقى له في آخر النهار سوى ذلك الكيس الفارغ. فيتساءل الرجل: ما الذي حصل يا ربِّ؟ فيقول له الله: ستشملك رحمتي عندما تأتي إلى ذلك العالم، غير أنَّني أردت تنبيهك إلى ضرورة عدم استعراض أعمالك أمامي، فلا تقل: كنتُ عبداً صالحاً لم أرتكب المحرّمات، وكنتُ أؤدِّي صلواتي في وقتها.. نعم لن أُدخلك جهنّم، ولكنَّني سأمنحك المقام الذي يتناسب مع ما لك من الروحية والحال.
أمّا العارف فماذا يقول؟ العارف يضرب بكلّ شيء عرض الحائط ويقول: أنا لا أمتلك شيئاً من الأساس! وها أنا أوقّع لك صكّاً مفتوحاً يا ربِّ، فاكتب فيه ما شئت أن تكتب. فأعمالنا هي لك لا لنا، وتعاملاتنا ومجالسنا ومؤلفاتنا ومواعظنا وحجّنا كلّها لك وحدك وليس لنا منها شيء أبداً، فأنا لم أقم بأيّ عمل مطلقاً، فهل يوجد أكثر من ذلك؟ نعم، يقول: أوقّع لك صكاً آخر أقرّ فيه: بأنَّ كلّ وجودنا لك وحدك، فليس لنا وجود مستقل لكي نحسب للأعمال التي يقوم بها ذلك الوجود المستقل حساباً..
خطر بذهني الآن مثال لطيف، وهو مثال مناسب. عندما يتم تخدير المرء، فسوف يفقد جميع حسّه وشعوره، بل ويفقد كلّ إدراك، إذ كيف يمكن له أن يشعر بشيء والحال هذه؟ هذا النوع من التخدير ليس هو المقصود من المثال الذي أريد ضربه، فحال الإنسان في مثل هذه الظروف لا يتفاوت مع حال الميت، بل سيكون عبارة عن جسد مُلقى على الأرض ليس له شعور أو إدراك لما يجري من حوله. غير أنَّ هناك نوعاً آخر من التخدير وهو التخدير الموضعي، كما يحصل عند تخدير اللثة مثلاً؛ ففي هذا النوع من التخدير يعلم المرء بأنَّه تحت تأثير التخدير غاية الأمر أنّه لا يحسّ بالألم، فعندما يلمس سنَّه بيده أو عندما يقوم الطبيب بالاشتغال بالسّن، فهو يعلم بكون هذا السنِّ له؛ وهو وإن كان تحت التخدير في هذه الحالة، غير أنَّه يشعر بأعضائه. وهذا النوع من التخدير ليس هو المشار إليه في هذا المثال أيضاً. إذ هنالك نوع آخر من التخدير يعلم فيه المريض بأنَّه تحت التخدير ويعلم بكون هذا العضو له، غير أنَّه لا يحس بكون هذا العضو هو جزء من جسده. فهذا النوع من التخدير هو المقصود من هذا المثال الذي أريد الإشارة إليه.
في مرضي الأخير الذي أجري لي فيه عملية جراحية لم يتم تخديري بشكل كامل، بل تم تخديري في منطقة الخصر فقط. عندما تم تخديري سألني الطبيب ــ حفظه الله ــ هل تشعر أيها السيِّد الطهراني بأنَّه قد تم تخدير رجلك؟ فقلت له: لقد فقدت الحس أساساً.. فكيف يمكنني أن أحسّ بوجود رجلي؟ واقعاً لم أكن أشعر بأيّ فرقٍ بين لمسي للسرير ولمسي لرجلي؛ فلقد كنت أشعر وكأنَّ وجودي يتمثّل في منطقة ما فوق الخصر فقط، وفي نفس الوقت الذي كنت أعلم بأنّ هذه الرجل لي، حيث كنت أراها، كنت لا أحسّ بوجودها من الناحية الأخرى. فكان التخدير بالشكل الذي لا يشعر فيه المرء بكون هذا الجزء له.
هكذا هي رؤية العرفاء للأمور. فهذا المثال مثال جيد لتقريب هذا المعنى؛ يعني أنّهم يعلمون بأنَّ الله هو الذي خلقهم، وهو الذي جاء بهم إلى هذه الدنيا، وعندما يقيمون الصلاة، فهم يعلمون بأنَّهم هم الذين يُصلّون الآن، غير أنَّهم ـ في نفس الوقت ـ لا يشعرون بوجود مستقلّ لهم لكي يقولوا: نحن الذين صلّينا! وإن كان ذلك بتوفيق منك، فأنت الذي منحت التوفيق والرعاية، لكن مع ذلك يقول: أنا لا أشعر بوجود مستقلّ لي لكي أشعر بأنَّني أنا المصلّي. فكيف يمكن أن يحصل مثل هذا الشيء؟ وأيّ نوع من الشعور هذا؟ فذلك هو شعور العارف والوليّ الإلهي.
الإمام السجّاد يُعلّمنا في هذه الفقرات كيفية التعامل مع الله، فهو يقول: يجب أن تكونوا كذلك؛ فعندما يتم تخديرك، فأنت تعلم بأنَّ تلك هي رجلك، غير أنَّك لا تشعر بأنّها منك؛ فمهما تلمسها وتضغط عليها، فكأنّك تضغط على خشب؛ يعني لا تشعر بشيء. عندما كنت ألمس السرير الخشبي أو المعدني، لم أكن أشعر بأيّ فرقٍ بينه وبين رجلي؛ وكأنَّ رجلي لم تعد مرتبطة بي، بل ذهبت أساساً ولم تعد معلّقة بي.. فضحكتُ عندها، فقال الطبيب: لماذا تضحك؟ فقلت له: استمر بعملك، فأنا أضحك على ما يدور في ذهني من أفكار؛ أنا أتذكّر أشياء الآن وأضحك منها.
ففي مثل هذا الحال، لا يمكن للإنسان أن يخاطب الله بغير هذا الأسلوب، لا يمكنه أصلاً.

    

معنى قول الإمام: إلهي لم يكن لي حول فانتقل به عن معصيتك ..

ذكرتُ لكم قبل عدّة ليالٍ كيف كان أمير المؤمنين يخاطب الله في المناجاة الشعبانية، فهو يقول في إحدى فقرات المناجاة: إِلـهي لَمْ يَكُنْ لي حَوْلٌ فَانْتَقِلَ بِهِ عَنْ مَعْصِيَتِكَ إِلاّ في وَقْتٍ أَيْقَظْتَني لِمحَبَّتِكَ[8]. يقول الإمام: إلهي لا قدرة لي عن الانصراف عن نيّة ارتكاب الذنب، إلاّ في ذلك الوقت الذي تقوم فيه أنت بتنبيهي بسبب حبّك لي، حيث تقول لي حينها: ما هذا الذي تفعله؟ إنَّك ترتكب ذنباً الآن! أنت تُقدِم على ارتكاب عمل شائن! فبما أنّك تحبّني، تُطلق لي جرس الإنذار فجأةً، وعندها فقط سأتمكّن من الانصراف عن ارتكاب الذنب وأتوجّه [نحو التوبة].
العارف يقول: إلهي إنَّي إذ لم أذنب، فلا يعود الفضل في ذلك لي، بل لك أنت يا ربِّ، ولو لم تقم بتنبيهي، فما الذي كنت سأعمله؟ كنت سأقوم بالغش والتدليس في معاملاتي التجارية، وكنتُ سأكذب وأعمل الأعمال الشائنة، وكانت مظاهر الدنيا الزائفة قد استولت عليّ وجرفتني معها، وقمتُ بالتسويف وإقناع نفسي بإصلاح الأمر في المستقبل.
ولكن عندما تحلّ محبّتك في قلبي، ولا تريد لي بأن يُبعدني عنك تلك الكدورة التي تنشأ عن ارتكاب المعصية، فيأتيني ذلك النداء ليقول لي: ما الذي تفعله؟! فالكدورة الناشئة عن الذنب ستُبعدك عنِّي، ما الذي أنت فاعله؟! فانتَبه لنفسي دفعة واحدة لأقول: يا للعجب! أستغفر الله؛ إنَّني أتوب إليك يا ربِّ، فاغفر لي وسامحني يا ربِّ. فلا تحصل لي تلك الكدورة أساساً.

    

الأولياء يختصرون الطريق إلى الله تعالى

الإمام السجاد يقول: إلهي أنا عندما لا أرتكب المعصية، فلا يعود الفضل في ذلك لي أنا، بل يعود الفضل في ذلك لك أنت، فأنت الذي تصرفني عن ارتكابها.
بناءً على هذا، فقد جاء أولياء الله والعرفاء ليختصروا لنا الطريق.. وسأقوم في المجلس القادم إن شاء الله بتوضيح كيفيّة تحقق هذا الاختصار. فبدلاً من أن نسير في طريق الظاهر ونحاول التقرّب إلى الله عن طريق القيام بالتكاليف والأحكام الإلهية، جاء أولياء الله فاختصروا لنا الطريق وقالوا لنا: اطوِ طريق التكامل بحقيقتك الوجوديّة، لا بواسطة التكاليف والأحكام والأعمال التي تقوم بها، والتي تستمدّ منها لتهذيب النفس، بل اتّجه نحو ذات النفس ومنذ بداية الأمر؛ دَعْ نَفسَكَ وتعال، دعها جانباً وتعال.. فلا تحتاج والحال هذه لأنَّ تكلّف نفسك مشقّة إقناع نفسك بكونك صادقاً، أو أن تقوم بالإكثار من الإنفاق على الفقراء لكي تقضي على صفة البخل لديك، وتحلّ محلّها صفة الجود والكرم، أو ما شابه ذلك. فأنت عندما تتخلّى عن نفسك تكون قد تخلّصت من كلّ شيء دفعة واحدة.
نامِ احمـد نامِ جمله نام انبیــاست
                             چون که صد آمد نود هم پیش ماست[9]
(اسم أحمد يختصر اسم تمام الأنبياء، فالحصول على المائة يتضمن الحصول التلقائي على التسعين).

فإن ضمّت تلك الحقيقة الإنسانَ إليها، فما الذي يحصل لبقية الآثار؟ إنَّها سوف تقوم بحزم أمتعتها والرحيل معه.
مجلس تمام گشت و به آخر رسید عمر
                             ما همچنان در اوّل وصف تو مانده ایم[10]
(ها قد اختتم المجلس ووصل العمر إلى آخره، ونحن ما نزال في حيرة من مقدمات وصفك).

مهما أردنا التوسّع في شرح هذه الفقرات، يبقى أمامنا مجال للحديث أيضاً. لذا سنقوم بمشيئة الله بإدامة الحديث عمّا يتعلق بها من مواضيع في الليلة القادمة إن وفّقنا لذلك.
الّلهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ


[1] ـ يشير سماحة السيد إلى قول الإمام عليه السلام الوارد في «كشف الغمّة» ص 200، الطبعة الحجريّة، ضمن بيان أحوال الإمام السجّاد عليه السلام: وَ قَالَ طَاوُوسُ: رَأيْتُ عَلِيّ بْنَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلَامُ سَاجِداً في الحِجْرِ، فَقُلْتُ: رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ أهْلِ بَيْتٍ طَيِّبٍ، لأسْمَعَنَّ مَا يَقُولُ، فَأصْغَيْتُ إلَيْهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَبْدُكَ [عُبَيْدُكَ خ ل‏] بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ. فَوَ اللهِ مَا دَعَوْتُ بِهِنَّ في كَرْبٍ إلَّا كَشَفَ عَنِّي. للاستزادة راجع "الروح المجرد"‏ ص 491.

[2] ـ بحار الأنوار، ج 45، ص 134.

[3] ـ سورة الإسراء (17)، جزء من الآية 37؛ سورة لقمان (31)، جزء من الآية 18.

[4] ـ سورة الإسراء (17)، جزء من الآية 37.

[5] ـ سورة الضحى (93)، الآية 11.

[6] ـ إشارة إلى الحديث المروي عن أبي حمزة الثمالي قال : " قال لنا علي بن الحسين عليهما السلام : أي البقاع أفضل ؟ فقلنا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، فقال : أما أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أن رجلا عمّر ما عمّر نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله عز وجل بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا ". (من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 245؛ الأمالي للشيخ الطوسي، ص 132).

[7] ـ نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص 495، الحكمة 145.

[8] ـ إقبال الأعمال، السيد ابن طاووس، ج 3، ص 298.

[9] ـ المثنوي، ج 1، ص 55.

[10] ـ گلستان سعدي.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->