معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ ق > شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436هـ ـ الجلسة 16: الأمل المحرك الأساسي للسير والسلوك

____________________________________________________

هو العليم

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي لعام 1436 هـ

المحاضرة السادسة عشر:
الأمل المحرك الأساسي
للسير والسلوك

ألقيت هذه المحاضرة في الليلة الثامنة والعشرون من شهر رمضان المبارك لعام 1436 هـ. ق.

ألقاها سماحة آية اللـه

السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني
حفظه اللـه

____________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
وعلى آل بيته الطاهرين
واللعنة على أعدائِهم أجمعينَ

 

"أَيْ رَبِّ، جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ"

تأتي هذه الفقرة من الدعاء على نفس نسق تلك الفقرة التي شرحتها للإخوة [في الليالي الماضية] والتي يقول فيها الإمام عليه السلام: هَبْنِي بَفَضْلِكَ وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ؛ أي: ما دمتُ صفرًا يا ربِّ، وما دام كلّ ما يصدر عنِّي من نعمة وبركة فهو إنَّما يكون منك وحدك، لأنَّك أنت أساس كلّ ما في العالم من خير وبركة ومصدره؛ فما دام الأمر كذلك، فعاملني بأسمائك الجماليّة يا ربِّ، ولا تعاملني بأسمائك الجلاليّة مثل اسم: القهّار، والجبّار، والقاصم، وكلّ ما يعمل على إبعادي عن رحمتك وقربك، بل عاملني بأسمائك الجماليّة كاسم: الرؤوف، والعطوف، والرحيم، والرحمن وخذ بيدي في طريق الهداية بواسطة هذه الأسماء.

 

    

لا حركة في الحياة من دون أمل

 

 

إنَّ طبيعة المقام تقتضي الحديث عن الفرق بين الأسماء الجماليّة والأسماء الجلاليّة، غير أنَّ ذلك يتطلّب بحثًا مستقلاًّ وليس هذا الوقت هو الوقت المناسب للخوض فيه؛ فما يمكن الحديث عنه هنا هو: عندما يريد العبد الحركة نحو الله، فلا بدَّ وأن تكون حركته مبنيّة على الأمل، وهذا موضوع في غاية الأهميّة؛ فينبغي أن يكون الأمل هو الحاكم على جميع نشاطاتنا، فعندما يخرج الكاسب من بيته قاصدًا مكان عمله صباحًا، فإنَّما يذهب على أمل أن يربح شيئًا؛ فلو لم يكن لديه مثل هذا الأمل، فهل هو مجبورٌ على مغادرة منزله، ولو كان يعلم بأنَّه إن ذهب اليوم إلى محلّ عمله أو مكتبه التجاري أو شركته وبقي هناك حتّى العصر، لن يكسب من ذهابه هذا شيئًا، فلماذا يذهب إذًا؟! اللهمّ إلاّ إن ضاق صدره جرّاء بقائه في المنزل، وأراد مغادرته بأيّة طريقة كانت، فيمكن له أن يختار الذهاب إلى مكتبه أو أن يهيم في الصحراء أو الجبال، فسيكون ذلك ـ والحال هذه ـ أمرًا آخرًا؛ أمّا من كان يريد الذهاب إلى محلّ عمله، فهو يذهب وهو مفعم بأمل أن يكسب شيئًا، فهذا الأمل هو بمثابة رأسماله في سعيه وكدحه؛ فلولا وجود مثل هذا الأمل، لبقي في بيته وأغلق عليه الباب، أو لذهب للتنزّه.

وكذلك الطالب الجامعي الذي يرغب في الذهاب لمحلّ الدراسة، فهو إنَّما يفعل ذلك أملاً بأن يتعلّم شيئًا؛ فالأمل بصورة عامّة هو أصل وأساس كلّ نشاطٍ.

 

    

النية الصحيحة لطالب العلم وراء دراسته للعلوم الدينيّة

 

 

وكذلك الأمر بالنسبة لطالب العلوم الدينيّة، فعندما يبدأ دراسته للعلوم الإلهيّة والإسلاميّة، فهو إنَّما يفعل ذلك أملاً بأن يتعرّف على التعاليم الإلهيّة، والمباني المستمدّة من الوحي، وهو يأمل في الحصول على أكبر قدر ممكن من المعارف الإلهيّة التي يستطيع أن يتعلّمها من أولياء الدين، أو من العظماء الذين يستطيع الوصول إليهم، وذلك من أجل الوصول إلى هدفه الأسمى؛ نعم، إنَّه يفعل ذلك أملاً بأن يصبح من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، لا من أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأمثالهم، وأملاً بأن يضع قدمه حيث وضع أصحاب الإمامين الباقر والصادق أقدامهم، وأن يتحقّق له ما أوصى به العظماء؛ فهذا ممّا يجب على طالب العلوم الدينيّة والمعارف الإلهيّة أن يسعى للحصول عليه.

أمّا إن كان هدفه من وراء مطالعته للكتب أن يصبح كاتبًا أو خطيبًا أو قاضيًا أو مسؤولاً في إحدى الدوائر، فإنّ جميع هذه الأشغال ستغدو نظير بقيّة الأعمال والأشغال الظاهريّة الأخرى؛ أفهل يكمن هدف الطالب الجامعي الذي يقصد الجامعة من أجل الدراسة في أن يصبح عالمًا ربّانيًّا؟! [كلاّ بالطبع]، فالعلوم الهندسيّة لا تحتوي على شيء من المعارف، بل تهتمّ برسم الخرائط والمعادلات التي تساعد على وضع التصاميم الخاصّة بالهندسة المعماريّة وحساب كمّيات المواد اللازمة للبناء!

فهل حصل مرّة أن دخل أحدهم الجامعة لدراسة الهندسة المعماريّة، وأدّى به ذلك إلى الوصول إلى الله؟ كلاّ، لأنّ هذه العلوم بحدّ ذاتها ليس فيها أيّ علمٍ إلهي! نعم، إن كان الإنسان يفعل ذلك بقصد تقديم الخدمات إلى الآخرين تقرّبًا إلى الله، فسيكون ذلك شيئًا آخرًا؛ أما نفس تلك العلوم فليس فيها شيء؛ إذ لا يوجد في تلك المناهج الدراسيّة غير الحسابات الرياضيّة والهندسيّة وما شابهها؛ وكذا الأمر بالنسبة إلى علم الطبّ وسائر العلوم والفنون والحرف الأخرى، فهي تعتبر من المهن الظاهريّة والدنيويّة.

وكذلك الأمر بالنسبة لدراسة علم الفقه وعلوم اللغة وعلم الأصول والتأريخ والتفسير والحكمة والعرفان فيما إن كان الهدف من وراء تعلّمها هو أن يصبح صاحبها رجلاً معروفًا أو مدرّسًا أو مبلّغًا؛ فيشتغل الرجل بهذه العلوم من أجل الوصول إلى ذلك الهدف الظاهري؛ فلا يتفاوت أمر هذه العلوم ـ والحال هذه ـ عن سابقاتها من سائر الفنون والحرف، بل إنّ طلب هذه العلوم يحتوي على مخاطر.

 

    

معنى أنّ الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم المخلص

 

 

وعلى هذا، ما يأمله طالب العلم عند بدايته لطلب العلم، والهدف الذي ينبغي عليه أن يقصده من دراسته هو الوصول إلى مضمون المفاهيم والآثار التي وصلت إلينا من عظماء الدين؛ فما دام هذا هو هدفه، فسيكون والحال هذه مسدّدًا ومُمَدًّا من قبل النفوس القدسيّة والملائكة.

ولقد جاء في الروايات حديث عن رسول الله يقول فيه: «وإنَّ المَلائِكَة لَتَضَعُ‏ أجنِحَتَها لِطَالِبِ العِلم‏»[1]؛ يعني بأنَّ الملائكة تفرش أجنحتها لكي يجلس عليها طالب العلم، فهم يحتضنون طالب العلم؛ وعندما يحتضن الملَك رجلاً، فإن أفكاره ستكون بِيَد الملَك، وستكون تصوّراته تصوّرات ملائكيّة، وستكون تصديقاته ملقاة من ناحية الملك، وستصبح نفسه وروحه وسرّه وضميره متشكّلة على شاكلة تلك الإلقاءات والحقائق الوحيانيّة، وكذلك بالنسبة لجميع تصرّفاته، حيث إنّ حركاته وسكوناته ووقوفه وممشاه كلّها سيكون مبنيًّا على أساس تلك الحقائق التي تُوحى إليه من قِبَلهم؛ إذ إنَّ الملائكة تُوحي إلى بني آدم.

 

    

كيفيّة وحي الشياطين والملائكة إلى أوليائها

 

 

فالوحي الذي يختصّ بالأنبياء، إنّما يتعلّق بأمور الشريعة، ولا علاقة له بإفاضة العلوم الوحيانيّة؛ لأنَّ هذه الإفاضة هي عامّة لجميع الناس؛ فكما أن الملائكة تُوحي إلى بني البشر، فإن هناك وحي مضادّ له.. ألم نقرأ ما جاء في هذه الآية القرآنية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ﴾[2]؟! فالشياطين يوحون في المقابل إلى أوليائهم كذلك؛ فيُعلم من هذا بأنَّ الشياطين يستطيعون الإيحاء أيضًا، فهم يقولون: وما الذي ينقصنا لكي لا نستطيع الإيحاء؟! فكيف يمكن للملائكة أن تفعل ما لا نستطيع فعله؟! غاية الأمر أنّه ينبغي وجود رجل لديه الاستعداد لتلقّي هذا الوحي؟! فنحن لا نستطيع أن نُوحي إلى أمثال سلمانٍ وأبي ذرٍّ، ولهذا فنحن نرى أنفسنا مجبورين لإلقاء وحينا إلى عمرٍ وأبي بكرٍ والمغيرة بن شعبة وخالد بن الوليد وأمثالهم، والذين يتقبّلون بدورهم ما نُوحي إليهم؛ فمسألة تلقّي الوحي هي من المسائل الكلامية المهمّة جدًّا، [حيث يُبحث فيها  عن كيف] يتلقّى الأنبياء الوحي، ويحفظونه، ويقومون بإيصاله إلى أهله، فكذلك الأمر بالنسبة للآخرين، حيث إنّهم يتقبّلون ما يوحي الشياطين إليهم، ويحفظونه، ويدأبون على تنفيذه بكلّ دقّة؛ فالشياطين ينشغلون الليل كلّه وحتّى الصباح في الإيحاء إلى أوليائهم، ليشتغل أولئك من الصباح وحتّى المساء بتنفيذ ما تلقّوا من وحيٍ!

فما يُشاهد من قيام الكثيرين ببعض الأعمال، فهم إنَّما يعملون على تنفيذ ما تلقّوه في المساء؛ فسماحة الشيطان يُوحي إلى أحدهم أمرًا، فينهض الرجل صباحًا في الوقت الذي يكون فيه قد صلّى صلاة الصبح أم لم يصلّها بعد، ليقوم بإيصال هذا الوحي إلى أهله، فيقول لصاحبه: ها قد خطرت على بالي هذه الفكرة الليلة الماضية، فتعال لنقوم بهذا العمل معًا! إنَّ هذه الفكرة التي خطرت على بالك هي وحي شيطانيّ يا سيّء الحظ! فكلّ ما يقومون به من كتابة مقالة، أو إعلانهم لأمرٍ ما، أو قيامهم بفضح رجل آخر، إنَّما هو ممّا أوحي إليهم.

فالملائكة يوحون إلى طالب العلم إذًا؛ فقد جاء في الرواية بأنَّ الجميع يدعون لطالب العلم بما في ذلك الحيتان في البحار[3]؛ وإنَّ هذا لأمر عجيب حقًّا، فهو يعكس الانسجام الموجود بين جميع ما هو موجود في عالم المثال وعالم الملكوت؛ فلم يقل رسول الله ذلك جزافًا عندما قال بأنَّ الأسماك في البحر تدعو لطالب العلم، ولم يكن في معرض المزاح، ولم يكن يُرد إلهاءنا بذكر مثل هذه الأمور، بل هو ينقل إلينا أمرًا واقعيًّا؛ فما عليك إلاّ أن تحصل على الفهم والبصيرة اللازمة لإدراك حقائق عالم المثال والملكوت، لكي تستطيع أن تسمع دعاء الأسماك في البحار والطيور في الهواء لطالب العلم وما الذي تقوله في دعائها.

كنت قد ذهبت برفقة أحد الأصدقاء للاصطياف في أحد الأماكن الواقعة في أطراف طهران؛ فبينما نحن جالسون في إحدى الليالي لوحدنا نتحدّث في شرفة المنزل ــ حصل ذلك في الماضي البعيد، ويحصل الكثير مثله عادة، فهذا نموذج واحد منه ـ إذ جاء طائر صغير يشبه العصفور ـ لم يكن عصفورًا ولكنَّه كان يشبه العصفور ـ فغرّد قليلاً ثم غادر المكان؛ فنظرتُ إلى صاحبي فوجدته يضحك، فقال لي: لقد صلّى هذا الطائر على محمّد وآل محمّد، ثمّ دعا لسالكي طريق الله قائلاً: إلهي وفّق أولئك الذين يطوون طريق السلوك إليك، وزِد في همّتهم، وقدرتهم، ووفّقهم.

فالطيور تدرك ما يجري من حولها من أمور، هذا في الوقت الذي نعتقد فيه بأنَّها لا تقوم بأكثر من التغريد، وهذا ما يشير إليه مولانا الرومي رضوان الله عليه حين يقول:

نـطق آب و نـطـق خــاك و نـطق گل                             هـست محـسـوس حـواس اهـل دل
جـمـلـهء ذرات عــالــم در نــــهـان                             بـا تـو مـیـگویـنـد روزان و شــبــان
مـــا سمـيعــيم و بـصـيريم و هـوشيم                             با شما نامـحـرمـان مـا خــامــشيــم
 (يقول: إنَّ تكلّم الماء والتراب والطين، هو مما تدركه حواس أهل القلوب؛ فجميع الذرات في العالم تتكلّم معك في الخفاء ليل نهار؛ وهي تقول: نحن نسمع ونبصر ونفهم، غير أنَّنا نلتزم جانب الصمت ولا نتكلّم معكم أيّها الغرباء.. يا من أنتم من غير محارمنا)

[فهم يقولون:] نحن نفهم وندرك كلّ شيء، غير أنَّك أنت الذي تتصوّر بأنَّنا لا نفهم شيئًا، وأنت الذي لا ترانا سوى تلك المخلوقات التي تقتات على الماء والحبوب والأعشاب، وأنت الذي تتصوّر بأنَّنا مجرّد طيور تطير هنا وهناك؛ فأنت الذي لا تفهم، وها أنت ترى نفسك نجمًا لامعًا، وترى أنك علاّم الغيوب وأنّك العقل الكلّي للعالم؛ هذا في الوقت الذي لا تعلم فيه ما الذي يجري خلفك، ولا تدري ماذا يوجد خلف النافذة، فإن أردت أن تعرف ذلك، فلا تستطيع معرفته ما لم تقم بفتح النافذة والنظر من خلالها، ومع كلّ هذا، فأنت تعتبر نفسك النجم اللامع، وترى نفسك خليفة الله على الأرض.

 

    

كيف يبدّل الإنسان قابليّته إلى فعليّة

 

 

نعم، إنَّ الإنسان يمتلك الاستعداد لأن يكون خليفة الله على الأرض، ولكن بشرط أن يعمل على تبديل هذا الاستعداد بالفعليّة، لا أن يُمضي عمره بالغفلة ويعمل على خنق هذا الاستعداد وتبديل تلك النورانيّة التي وهبها الله له إلى ظلمة؛ فالإنسان هو خليفة الله، ولكن بشرطها وشروطها؛ فلقد كان هنالك الكثير ممّن صاحب رسول الله، وكان الرسول يتحدّث للجميع ويقدّم لهم النصح، غير أنَّ المتواجدين لديه كانوا على أشكال مختلفة، فمنهم من كان ينصت جيّدًا لما يقوله، وكان يحدّق في وجهه، ليرى ما الذي يخرج من الفم المبارك للنبيّ، ليقوم بتلقّفه، والعمل بموجبه وعدم الغفلة عنه، ولا يدع كلمة واحدة ممّا يقولها النبيّ تفوته؛ هذا في الوقت الذي كان هنالك من يكتفي بالنظر إلى الرسول وترديد هذه الكلمات: كم هو كلامٌ جميلٌ ذلك الذي يتكلّم به رسول الله! وهو رحمةٌ للعالمين حقًّا، وكم هي عالية أخلاق هذا الرسول! فإن طلبنا منه أن يحكي لنا من قصص الأمم السابقة، كان يفعل، وإن طلبنا منه أمرًا آخرًا، كان يفعل، فكم هو من نبيٍّ ذي خلق عظيم! ألم يكونوا يقولوا ذلك؟!

ألم يقولوا عن المرحوم العلاّمة في حياته: كم هو رجل عجيب! وكم هو بهيّ! وكم يحمل من أخلاق سامية! وكانوا يبكون عندما كانوا يردّدون هذا الكلام! كما كانوا يقولون: لقد رأينا بأنفسنا كيف يقبّل يد الطفل ذي الخمس سنوات! نعم، لقد كان يفعل ذلك، ولكن ما الذي جنيته أنت من رؤيتك لذلك؟ فلقد اكتفيت بترديد هذه الكلمات: كم هو رجلٍ طيّبٍ! فها قد رحل المرحوم العلاّمة عن الدنيا، فما الذي استفدته أنت منه؟ وما الذي أدركته من علومه؟ وأيّ مرام قد تعلّمته منه؟ وأيّة استقامة وإتقان في العمل قد تعلّمتهما منه؟ وهل ثبتَّ على نفس المرام والنهج الذي كان عليه؟ فما الذي استقرّ في نفسك من كلّ ذلك؟ فهل ما تعلّمته منه هو أن تتمسّك بما يكون في مصالحك الدنيويّة وتتنصّل عمّا تراه لا يتماشى مع مصالحك الآنيّة، حيث تنسحب بكلّ هدوء عندها وتغادر!!

فترى أحدهم ثابتًا على مسيره ما دامت الأمور تجري وفقًا لمصالحه، وبما أنّ الأوضاع هادئة لا يوجد فيها أيّ إزعاج، وأمّا إن رأى إمكانيّة أن يتسبّب الآخرون في إيجاد مشاكل له، ويذكرونه بالسوء، فإنّه يفضّل أن يحافظ على مكانته الاجتماعية واحترامه أمام الناس؛ فما هو الفرق حينئذٍ بينك وبين أصحاب رسول الله؟ فقد كانوا كذلك، حيث كانوا يقولون: كم هو من نبيٍّ رائعٍ! فانظر كيف أحاط به الأطفال بينما كان متوجّهًا إلى المسجد، فلا يسمحون له بالحركة! وانظر كيف وقف معهم يلاطفهم! في الوقت الذي يكون فيه وقت صلاة الظهر قد فات، والأطفال لا يدعونه يواصل طريقه.

إنَّ الأطفال يعرفون باطن الآخرين جيّدًا، فلماذا لا تراهم يأنسون بغيره؟ إنَّهم مطّلعون على حال باطن الآخرين جيّدًا؛ فلمّا يرى النبيّ بأنَّ الأطفال لا يتركونه وحاله، يلتفت إلى أحد أصحابه قائلاً: لا يوجد في جيبي ما أعطيه إيّاهم، فاذهب إلى البيت لعلّك تجد شيئًا، فيذهب ويجلب عددًا من الجوزات معه، فيعطيهم النبيّ الجوز ويودّعهم، فيقنعون بما أعطاهم النبيّ، ويجلسون منشغلين بأكل الجوز، بينما يذهب النبيّ للصلاة؛ فترى الآخرين يقولون: كم هو من نبيٍّ ذي خلق عظيم! وكم هو متواضع! فانظر كيف يتعامل مع الأطفال! فهو لا يقول: أنا نبيّ وذو مقام رفيع فكيف ألعب مع الأطفال؟!

حسنًا، فصحيح ما تقولون، ولكن ما الذي استفدّتم ممّا رأيتموه منه؟! فلما كنتم قد رأيتم ذلك بأنفسكم، فلماذا لم تقتدوا به؟! ولماذا لم تتمسّكوا بأخلاقه وطريقة تعامله مع الآخرين؟! لكي تحصل لكم الاستقامة والثبات على الطريق بالشكل الذي لا تستطيع معه تلك الأجواء والحوادث التي وقعت بعد رحيله من أن تخدعكم، وتسيطر على طريقة تفكيركم، وتجعل الخشية والخوف يستوليان عليكم! وتجعلكم ترجّحون المصالح الدنيويّة، والاعتبارات الاجتماعيّة على مسيركم، وعاقبتكم! فلماذا لم تتبعوا عليًّا بعد ارتحال النبيّ عن الدنيا؟

فتراهم يقولون: لقد حصل ما حصل، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فلدينا ما نخشى عليه، فلدينا أُسَر وأطفال، وها أنتم ترون كيف أحاط الطرف الآخر نفسه بجمع من الأراذل والمكّارين، فإن اعترضت عليهم، قاموا بالافتراء عليك وإلصاق ألف تهمة بك، ثمّ يقومون برجمك ـ وهم لا يتورّعون عن فعل مثل هذا الأمر حقًّا ـ فلا يوجد أمامنا من خيار سوى متابعتهم، ثم نعتذر إلى عليّ ونقول له: كنا مقصّرين معك؛ ولكن ما الذي كان بوسعنا فعله؟! فلم نستطع متابعتك هذه المرّة، وسنتبعك مستقبلاً إن شاء الله وتبدّلت الظروف عمّا هي عليه الآن، فدعنا ننتظر حتّى تهدأ الأمور.

فيقول أمير المؤمنين: انظر ماذا يقول القوم؟! ولقد كنت أسلِّي نفسي بوجود مثل هؤلاء الناس حولي بعد رحيل النبيّ، وإذا بهم يغادرون الواحد تلو الآخر، فمن بقي معي؟ لم يبقَ معي سوى أربعة رجال ونصف الرجل، فلم يبقَ معي سوى سلمان وأبو ذرٍّ والمقداد ولا غير.

فبالنسبة إلى أولئك الذين كانوا يقولون: كم هو من نبيًّ عظيمٍ! فإلى أيّ حدٍّ سيبقى عظيمًا؟ نعم، إنَّه عظيم ما دام لا يمسّ مصالحنا الدنيويّة، وما دام لا يتعارض مع علاقاتنا الاجتماعيّة، وما دامت إرادته لا تتعارض مع أهوائنا ورغباتنا النفسيّة، أمّا إن فعل ذلك، فتراهم يختفون عن الأنظار لعدّة أيّام ثم يعاودون الظهور مرّة أخرى؛ نعم، هكذا كانوا مع أمير المؤمنين، وكذلك كانوا مع النبيّ، وكذلك مع الحسن والحسين عليهما السلام، فهم إنّما يبقون معه إلى حدٍّ معيّن وبمقدار محدّد.

 

    

علائم وحي الملائكة ووحي الشيطان

 

 

وعلى هذا، فالملائكة تقوم بمساعدة الإنسان متى ما رأت بأنَّ غايته هو الله، فمتى ما رأته كذلك، فهي تحيطه برعايتها، فيصبح ما يتلقّاه صحيحًا، وتصبح طريقة تفكيره صحيحة، وتتوجّه نفسه بالاتجاه الصحيح؛ فعندما يجلس رجلان في مجلس واحد، ترى أحدهما يدرك الأمر بالشكل الذي لا يدركه الآخر؛ فالسبب في ذلك يعود إلى أنّ الملائكة قد شملت أحدهما بعنايتها، بينما لم تشمل الآخر بتلك العناية، فالملائكة لا يمكن أن تقوم بإلقاء أمرين متناقضين، فإمّا أن يكون ما تلقّاه الأول هو الصحيح، أو ما تلقاه الثاني.

كنت أحضر أحد المجالس الذي كان يتحدّث فيه المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، فتكلّم عن موضوع ما ـ أنا لا أريد أن أقول هنا بأنَّ الملائكة تحيطني برعايتها، ولكنَّني أريد أن أقول: بما أنَّني على علم واطّلاع بالنهج الذي ينتهجه المرحوم العلاّمة والمباني التي يتبنّاها، لذا فأنا أستطيع والحال هذه  إدراك ما الذي يقصده من كلامه، وإلاّ فأين نحن من الملائكة ـ ففَهم كلامه بعض الحاضرين بنحوٍ معيّنٍ، بينما فهمه البعض الآخر بالعكس تمامًا؛ فهل يمكن أن يتكلّم شخص واحد وفي زمان واحد وفي مكان واحد بكلام واحد فيفهمه أحدهم بنحو ويفهم الآخر عكسه تمامًا، ويكون كلام كلاهما صحيحًا؟! بالطبع لا يمكن ذلك، فقطعًا لا بدّ أن يكون أحدهما قد فهم المسألة بشكل خاطئ؛ فلماذا أخطأ في فهمه للمسألة؟ إنَّه قد أخطأ الفهم، لأنَّه وفي نفس الوقت الذي كان فيه حاضرًا لدى المرحوم العلاّمة، فإنَّ الشيطان كان ملازمًا له! لا تتعجبّوا لهذا الأمر كثيرًا ولا تُصدموا بما تسمعون!!

إنَّ السبب في ذلك يعود إلى أنَّ ذلك الرجل وفي ذات الوقت الذي يكون فيه حاضرًا لدى المرحوم العلاّمة، فهو يفترض صحّة ما في ذهنه، ويتمسّك بمرتكزاته الذهنيّة، و يجلس إلى العلاّمة في حالة اعتراض نفساني؛ فهو ينظر إلى المرحوم العلاّمة في ظاهر الأمر، وهو يستمع لما يقول، غير أنَّه يهدف من استماعه له إلى جعل كلام العلاّمة يتوافق مع ما يضمره هو في باطنه؛ لذا، إذا نظرت إلى وجهه، ترى آثار الخوف والاضطراب ظاهرة عليه، وتراه يرتجف خوفًا أن ينطق هذا الوليّ الإلهيّ بما لا يمكن معالجته ـ أرأيتم كيف ضربت على الوتر الحسّاس ـ وخوف أن يصدر عن هذا الوليّ ما يتعارض مع ما في قلبه، فما الذي يمكن فعله إن حصل مثل هذا الشيء؟!!

وقد كانت في السابق في بعض الأحيان تعتريني بعض الحالات الغريبة كما هو حالي الآن!!! فبدلاً من أركّز على ما يتحدّث به المرحوم العلاّمة، كنت أنظر إلى الوجوه؛ ما الذي تقوم به ولماذا تنظر يا هذا؟! [يخاطب سماحة السيِّد نفسه بذلك] لقد قلتُ لكم، فقد كان يصيبني شيء بعض الأحيان فأنا هكذا منذ ذلك الحين، وهذا ممّا لا يمكن تغييره، فالعنيد يبقى على الدوام عنيدًا؛ فكنتُ أنظر إلى تلك الوجوه الواحد بعد الآخر، وكنت أرى كم بلغ ذلك الرجل من سوء الحال، وكم هو رائع حال الآخر، وكم مقدار الخوف الذي استولى على ذاك بحيث تكاد روحه أن تفارق جسده، وهو يتمنّى أن يتبدّل مجرى الحديث عندما يرى بأنَّ السهم يكاد يُوجّه صوبه؛ وبما أن المتكلّم هو وليّ إلهي، فهو لا يلجأ للتصريح، بل تراه يناور في كلامه ويجرّ الحديث ذات اليمين وذات الشمال، ويقوم بموازنة كفّتي الميزان، فيزيد وزن إحدى الكفّتين تارةً، والكفّة الثانية تارةً أخرى، فلا يمكن له أن يقول لأحدهم وبصراحة: يا فلان إنّ كلامك خاطئ؛ إنَّه لا يمكن أن يفعل ذلك مطلقًا، إذ سيترتّب على كلامه هذا ألف تبعة وتبعة، وعليه أن يقوم بالإجابة عن كلّ ذلك فيما بعد، فسيُقال له: أيّ كلام هذا الذي قلته؟! وأيّ فعل ذلك الذي قمتَ به؟!

لذا، فإنّه لا يصرّح بكلامه، بل يبيّنه من بعيد ويلمّح له؛ وحينئذٍ، فإنّ ذلك الرجل المسدّد من قبل الملائكة سيفهم هذا الكلام على نفس النحو الذي يقصده الوليّ، أمّا ذلك الذي يلازمه الشيطان ـ وها أنا أقولها صراحة ومن دون مجاملة بأنَّ الشيطان هو قرين هذا النوع من الناس ـ فتراه يقول: أرأيتم كيف أنَّ السيِّد العلاّمة قد قال نفس ذلك الشيء الذي كنت قد قلته من قبل؟

انظر ما الذي يقوله الرجل! فها هو والدي يتحدّث لمدّة ساعة من الزمان، وها قد أتعب نفسه في الحديث لكي يتمكّن من إيصال ما يريده إليهم، وإذا بالرجل يقول ما يقول! فلقد تحدّث السيِّد العلاّمة لمدّة ساعة، وإذا بالرجل يقول: لقد كان ذلك هو مقصوده! ولا يزال الرجل مصرًّا على ما كان يقوله وإلى هذا اليوم، فها قد مضت على وفاة المرحوم العلاّمة عشرون سنة، والرجل يقول: لقد كان يقصد في كلامه أمرًا آخرًا؛ فلو وضعنا بين يديه ألف كلام ممّا ينقض ما ذهب إليه، لوضعها بأكملها جانبًا، وذلك لأنَّ الشيطان قد استولى عليهم؛ فكيف يمكن لمن يستولي عليه الشيطان من أن يفهم كلام وليّ الله على حقيقته؟ إنَّ ذلك لا يمكن أن يحصل أبدًا؛ وإن حصل مرًّة ومن باب الاستثناء وسمع كلامًا صريحًا من وليّ الله ترى جميع أموره تضطرب ـ فالأمر قد طُرح هنا بصراحة وهو ممّا لا يقبل التأويل ـ فتراه يُذهل ويتلعثم ولا يستطيع نوم ليله.

لقد رأيت الكثير من هذه الأمور بنفسي وبجميع حالاتها، فلقد جاءني أحدهم يومًا قائلاً: لم أذق طعم النوم منذ يومين؛ فقلت له: ما الذي جرى؟ ما الذي حلّ بك؟ فقال: "لقد سمعت هذا الكلام من المرحوم العلاّمة" فرأيت بأنَّ الرجل يكاد يفقد حياته؛ فقلتُ له: لعلّه كان يقصد أمرًا آخرًا، ولعل الأمر يكون بذلك الشكل لا كما فهمتَه أنت، فعملت على تهدئته بهذه الطريقة؛ فقال: نعم، نعم، لعلّ الأمر يكون كذلك؛ فعملت على تسوية المسألة بهذه الطريقة وانصرف الرجل؛ فما الذي كان يجب أن أقوله له؟! فهل كان عليّ أن أقول له: نعم، إنَّه كان يقصد ذلك الذي فهمته أنت من كلامه؟! [لا يمكنني أن أقول له ذلك] وذلك لأنَّني رأيته يكاد يفقد كلّ ما لديه.

نقل لي أحد عباد الله هذه الحكاية ـ وهو قد ارتحل عن الدنيا ـ قائلا: كنت في أحد المجالس التي كان يتواجد فيها عدد من الأشخاص، فطرحتُ في ذلك المجلس قضيّة ما؛ فما أن طرحت تلك القضيّة، إلاّ ورأيت أوضاع أحدهم ـ والذي لا يزال على قيد الحياة ـ قد اضطربت وتزلزلت؛ فقلت عندها: ما دمتم قد سمعتم منِّي هذه الحكاية، فاسمعوا الحكاية التالية إذًا؛ فقال لي ذلك الرجل: لا، لا تحكيها، فقلت له: ولماذا لا أحكيها فهي مسألة قد رأيتها بنفسي وشاهدتها؛ لذا أريد أن أنقلها لكم؟ فقال لي: لا تنقلها، لأنَّك وبنقلك للحكاية الأولى قد عملت على تهديم كلّ ما بنيته لنفسي من بناء، فلا تستمرّ في كلامك هذا لئلاّ تعمل على هدم ما تبقّى منه؛ فلو نقلتَ الحكاية الثانية، فلربما سيعمل ذلك على هدم كلّ ذلك البناء الذي كنت شيّدته لنفسي وارتفع عاليًا في الهواء عن بكرة أبيه.

 

    

منشأ تصرّفات الإنسان وأقواله وأفكاره إما رحمانيٌ وإما شيطانيٌ

 

 

من المعلوم بأنَّ [الشيطان هو قرين] هذا الرجل إذ تراه يتكلّم بمثل هذا الكلام؛ فلا بدّ وأن يكون إما الملَك أو الشيطان هو من يرافق الإنسان في كلّ لحظة من لحظات حياته، فلا يمكن أن تتخلّى الملائكة والشياطين عن الإنسان في آنٍ واحدٍ وتتركه لوحده، فهذا ممّا لا يمكن حصوله أبدًا، بل لا بدَّ وأن يعيش الإنسان إمّا في كنف الملائكة، وإمّا في كنف الشياطين والأبالسة وبقيّة جنود الشيطان.

ففي كل فكّرة تخطر على ذهن الإنسان وفي كل خطوة يمشيها وفي كل حركة يتحرّكها لابدّ أن يكون أحد هذين الأمرين: إمّا أن يكون الشيطان هو الذي يلقي إليه ذلك ويوحيه إليه ويوجهه نحوه، وإماّ أن تكون الملائكة، فلا يخلو الأمر من أحدهما؛ وذلك لأنّ منشأ جميع أفكار الإنسان وتصوّراته، إمّا أن يكون منشًا عقلائيًّا أو شيطانيًّا؛ فلا يمكن أن يحصل هذا التعقّل والتصوّر الجزئي والمقيّد، وذلك التوهّم والتخيّل والفكر الذي هو تصوّر وتخيل جزئي ومقيّد ومشخص، لا يمكن أن يحصل عشوائيًا ويظهر من غير سبب، بل لا بدّ وأن يخضع لسيطرة سلسلة من العلل التي تنتهي إلى مصدرٍ تصدر منه هذه الأمور؛ فعلينا اليقظة والحال هذه، وعلينا أن نعلم بأنَّ كلّ ما يرد على أذهاننا، فهو لا يَرِد جُزافًا، بل لا بدَّ وأن يكون له منشأ قد جاء منه ومصدرٌ قد صدر عنه.

أرأيت كيف تكون جالسًا وأنت لا تفكّر بأيّ شيء، وإذا بقضيّةٍ ما قد خطرت على ذهنك فجأة؟ فما هو مصدرها؟ فأنت لم تكن تفكّر فيها؛ وهذا ممّا يحصل لنا باستمرار، فلعلّ ذلك يحصل لنا مائة مرّة في اليوم، فترى نفسك تقول: يا للعجب! فلأتابع هذا الموضوع؛ فمن هو الذي ألقى في ذهنك هذا الأمر؟ فلم تكن تفكّر فيه! ولم تكن تتابع الموضوع ـ على أنَّ ذلك يحصل وأنت تتابع موضوعًا ما أيضًا ـ غير أنَّنا نتكلّم الآن عن الحدّ الأدنى للمسألة.

فقد تكون جالسًا وأنت تنظر إلى المروحة على سبيل المثال، أو تنظر إلى الباب أو الجدار، وإذا بقضيةٍ ما تخطر على بالك فتقرّر على إثرها الذهاب إلى مكان ما لإنجازها؛ فمن الذي ألقى ذلك في ذهنك؟ هل فكرّت في هذا الموضوع لحدّ الآن؟ فإمّا أن يكون الشيطان هو من ألقى ذلك إليك أو الملَك؛ فإن كان هذا الإلقاء يدعوك إلى القيام بعملٍ مخالف للشريعة ومخالفٍ لرضا الله، فاعلم بأنَّ الشيطان هو الذي ألقاه إليك ـ فسيكون ذلك محكًّا جيدًا تستطيع أن تختبر به الحال الذي تمرّ به ـ وأمّا إن كان يدعوك إلى أمر رحماني وإلى ما فيه رضا الله، فاعلم بأنَّه مُلقى إليك من جانب الملَك، فلسان حال الملك يقول هنا: ها قد ألقيت إليك هذا الأمر، فعليك العمل بموجبه ومتابعة مسيرك؛ فإن أطاع الإنسان، فسيكون مسدّدًا من قبل الملائكة، وإن مال إلى الطرف الآخر، فستحتضنه الشياطين والأبالسة وجنودهم.

يوجد في هذا المجال الكثير من الروايات العجيبة والغريبة، ومنها تلك الرواية الواردة عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام والتي يخاطب فيها هشام بن الحكم، والتي يبدو بأنَّها موجودة في كتاب أصول الكافي[4]؛ فعلى الإخوة قراءتها فهي رواية غاية في الأهميّة، ولقد كان المرحوم العلاّمة يوصي طلاّب العلوم الدينيّة وغيرهم بقراءتها بدقّة، وهي تتكلم عن العقل وجنوده؛ فقد بيّن الإمام فيها الكثير من العجائب وأزاح الستار عن الكثير من الأمور، وهي رواية طويلة.

ولهذا السبب نرى كيف أنَّ رسول الله يقول لحسّان بن ثابت: لَا تزالُ مؤیدًا بِرُوحِ القُدُسِ ما دُمْت ناصِرنا[5]؛ فما دمت تحت ظلِّ ولايتنا، فأنت في كنف جبرائيل وحمايته؛ فلقد كان حسّان قد أنشد قصيدته المشهورة في يوم غدير خمّ؛ ومن القصائد الغديريّة المعروفة الأخرى هي قصيدة السيِّد الحميري والتي جاء في مطلعها[6]:

لِأُمِّ عَـــمْروٍ بالّـلـوَى مـَرْبَـعُ                             طَـامـسَـةٌ أعْـلَاَمُـهُ بَـلْـقَــعُ

حتّى يصل إلى هذه الأبيات:

[يَخْــطُــبُ مَـأمُــورًا وَفي كَـفِّــهِ                             كَـفُّ عَـلِيّ نُــورُهَا يَـلْـمَـعُ]‏
  رَافِــعُـهَـا أكْــرِمْ بِــكَفِّ الــذي                             يَرْفَـعُ وَالـكَفِّ الـذي يُـرْفَـعُ

فهي قصيدة عجيبة حقًّا؛ ومن تلك القصائد، قصيدة حسّان بن ثابت، وهي قصيدة رائعة، وقد قال رسول الله لحسّان: لا تزالُ مؤیدًا بِرُوحِ القُدُسِ ما دُمْت ناصِرنا، فأنت مسدّد من قبل جبرائيل ما دمت ناصرنا بلسانك وبيانك؛ أتلاحظون كيف أنَّ جبرائيل مع الولاية دائمًا، فهذا يعني بأنَّ جبرائيل هو في باطن الولاية ومستقرّ فيها.

غير أنَّ حسّان وبعد ارتحال رسول الله قد التحق بالجانب الآخر؛ وهذا ما نؤكّد عليه دائمًا عندما نقول بأنَّ دين الناس لا يتعدّى مصالحهم الاجتماعيّة ومراعاتهم للجوانب السياسيّة ومنافعهم الشخصيّة والقَبَليّة وما شابه ذلك؛ فانحاز حسّان إلى ذلك الجانب وبدأ بمدحهم بقصائده؛ وحينئذ، لن يكون مؤيّدًا من قبل جبرائيل، وهل يمكن لجبرائيل أن يُؤيّده عندما يسعى إلى مدح عمر وعبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد في شعره؟! فهذا ممّا لا يمكن القبول به!

فهذا الأمر يعتبر بمثابة المحكّ الذي يختبر الإنسان به نفسه باستمرار؛ فيستطيع معرفة صحّة أو سقم ما توصّل إليه من فهم لأمر معيّن أو تصوّرٍ يكون قد طرأ على ذهنه، وذلك من خلال معرفة مدى تطابقه مع الموازين الشرعية، فكم يكون متوافقًا معها؟ وهل يساعده هذا الأمر في سيره للوصول إلى رضا الله؟ ومعرفة هذا الأمر يسير على الإنسان ويمكنه معرفته، فمعرفة هذا الأمر ليس أمرًا عسيرًا؛ أم أنَّه يعمل على جرِّه نحو التعلّق بالدنيا، ونحو أمور لا يمكن تبرير صحّتها إلا بإلصاقها بالحق إلصاقًا وحتى تلتصق به نحتاج لألف مادّة من المواد اللاصقة؛ فإن رأى بأنَّه يُجرُّ الآن نحو هذا الجانب، فليعلم بأنَّه قد وقع في أحضان جناب الشيطان أعلى الله مقامه [مزحة من سماحة السيِّد] وتحت رعايته.

 ثمّ إنَّ الشيطان سيعمل على رعايته بالشكل الأكمل، فهو ليس من النوع الذي يتخلّى عن صاحبه، فالتخلّي عن الصاحب من شأن الأشخاص الوضيعين، والشيطان ليس بذلك الوضيع عديم المروءة الذي يتخلّى عن صاحبه، بل على العكس فإنّك تراه يلتصق بصاحبه للحدّ الذي يجعل فيه أذن صاحبه أذنًا شيطانيّة، وعينه عينًا شيطانيّة، وكذلك يفعل بلسانه.. اللسان وما أدراك ما يفعله بلسانه!! فيُصبح لسانه لسانًا شيطانيًّا، كما أنّ عقله وقلبه وسرّه سيُصبح كلّه شيطانيًّا، بل وسيصبح كافّة وجوده شيطانيًّا.

عندما يبدأ البعض حديثه ويقول: بسم الله، فهو كأنَّما يقول: بسم الشيطان؛ فتستطيع وأنت تسمع منه الكلام الخارج من فمه، أن ترى فيه المكر والخداع والكذب والظلمة والكدورة والاحتيال، فهذا ممّا تستطيع معرفته من خلال سماعك للبسملة التي نطق بها فقط، وهذا فضلاً عمّا ستدركه من سماعك لبقيّة خطابه، فذلك ثابت في محلّه؛ بل وتستطيع وبمجرّد تلفّظه بالبسملة من أن ترى بأنَّ ما توحي به عيناه لا يتلاءم مع الكلام الصادر عنه، فالعين تحكي أمرًا آخرًا؛ نعم، يوجد البعض من قساة القلوب، ومن الناس الظلمانيِّين، وأهل المكر والاحتيال، ممن يتعوّذ الإنسان بالله عندما يراهم، فيقول: إلهي أيّ مخلوقٍ هذا؟!! فكلّ ما يدور في ذهنه هو من إلقاءات الشيطان، فتراه حتّى وإن صدق في حديثه، فهو إنَّما يصدق لأنَّه يرى بأنَّ مصلحته تتطلّب ذلك، فصدقه هذا هو صدق شيطاني؛ هذا بالنسبة إلى صدقه، فما بالك بكذبه! فهو ممّا لا مجال للحديث عنه؛ إذ إنَّ الكذب قد أصبح هو ديدنه في الحياة.

يُقال بأنَّ أحد علامات آخر الزمان هو أن يحلّ الكذب محلّ الصدق؛ أي: إن كان الصدق يُعدّ حسنًا وحتى تلك اللحظة، فستنقلب الحال ويصبح الكذب هو الحسن، فيصبح أمرًا مستحسنًا جدًّا ومستحبًّا مؤكّدًا، لا بل ويصبح من الواجبات ويحرم تركه؛ فتلك هي واحدة من علامات آخر الزمان التي ذُكرت في ذلك الحديث المعروف والذي قال فيه رسول الله لسلمان: يصبح فيه الصدق قبيحًا والكذب حسنًا  وَيؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَيخَوَّنُ الأمِينُ، وَيُصَدَّقُ الْكَاذِبُ، وَيكَذَّبُ الصَّادِق‏، حيث يشرح رسول الله جميع تلك العلامات في ذلك الحديث[7].

 

    

النيّة الخالصة لطالب العلم هي فهم كلام الإمام عليه السلام فحسب

 

 

فطالب العلم الذي تحيطه الملائكة برعايتها، هو ذلك الطالب الذي تكون نيّته هي نيّة الإمام الصادق والإمام الرضا والإمام الجواد والأربعة عشر معصومًا؛ فلماذا يكون الأمر بهذا الشكل؟ إنّ السبب في ذلك يعود إلى نفس الأمر الذي قاله رسول الله لحسّان بن ثابت؛ وهو أن يجعل طالب العلم نفسه تحت تصرّف الولاية، وذلك بأن يقول: يا إلهي، إنّي إذ أبدأ دراستي للعلوم الدينيّة، فإنَّما أقوم بذلك لأنَّني أريد أن أفهم كلام الإمام السجّاد فحسب، لا لشيء آخر، وكلام الإمام الباقر والإمام الجواد والإمام الهادي عليهم السلام وأعمل بموجبها، ولا شأن لي بما سواهم؛ فأنا لا أعير اهتمامًا لما يقوله فلان وفلان من الناس، بل كلّ ما يعنيني هو ما يصدر عن المعصومين الأربعة عشر ولا غير، فكلّ هدفي هو فهم كلامهم؛ فإن كان الأمر على هذا الشكل، فستقوم الملائكة عندئذٍ بإلقاء المعنى الصحيح للرواية في قلبه؛ وما دامت تلك هي نيّتك، فاعلم بأنَّ القضيّة أو الحادثة الفلانيّة التي كنتَ قد قرأتها في ذلك الكتاب تعني كذا؛ والعجيب في الأمر هو أن يستنتج رجل آخر معنىً مغايرًا من قراءته لتلك الحادثة!

عندما كنت مشغولاً بتأليف كتاب النوروز، كنت مهتمًّا بتتبّع آراء الآخرين وما كُتب عن هذا الموضوع لكي أكون على علم بما قاله الآخرون عنه؛ فعندما كنت أبدأ بقراءة مقالة لأحدهم، كنت أعرف ومنذ اللحظة الأولى بأنَّ كاتب المقال رجلٌ مخادع؛ نعم، كنت أحدس وبمجرّد قراءتي للسطر الأول من مقالته، ما الذي يريد الرجل أن يقوله؟ وعندما كنت أسترسل في قراءتي للمقالة، كنت أرى صواب ما ذهبت إليه، حيث يحصل أحيانًا أن يأتي حدس الإنسان في محلّه، ويستطيع قراءة ما بين السطور! فعندما يقوم الإنسان بقراءة عبارتين أو ثلاثة من عبارات تلك المقالة، فسيعرف النتيجة التي يريد كاتب المقالة الوصول إليها، وكيف أنّ جميع الطرق تؤدِّي إلى روما!!

فبينما يكون معنى الرواية واضحًا، ترى البعض يفسّرها بشكل مغاير، وعندما لا يجد أيّ طريق للفرار بسبب سلاسة كلمات بعض الروايات ووضوح معناها، تراه يأخذ باللفّ والدوران، فيقول: لم يعمل أحد لحدّ الآن بهذا السند؛ أرأيتم كيف يقوم بالتشكيك في ذلك السند الذي يرجع إلى الإمام موسى بن جعفر والذي لا يعتريه الشك؟! فتراه يقول: لم يعمل أحد بهذا السند، لذا فهي رواية واحدة وضعيفة!! فلمّا كنت على هذا الحال يا هذا، فهل كنت مجبورًا على كتابة مقالة كاملة؟! فكان بإمكانك أن تكتب سطرًا واحدًا تعطي فيه رأيك بالموضوع، ولا تُحمّل نفسك كلّ تلك المشقّة؛ من الواضح جدًا بأنَّ الشيطان قد أخذ بالإملاء عليه ومنذ اللحظة الأولى التي أمسك فيها بالقلم وشرع في الكتابة، فأملى عليه كتابة كذا وكذا حتّى وصل به إلى النتيجة التي يريد الوصول إليها؛ فلم يجعل نفسه في كنف الولاية لكي يأخذ جبرائيل بيده فيهديه إلى كتابة هذا الأمر وعدم كتابة ذاك، بل تراه وبدلاً عن ذلك قد افترض نتيجة مسبقة، وهيّأ لها الأجواء الخاصّة بها، وقام بتحليل المسائل وفقًا لهواه واتّخذ له موقفًا صلبًا من بعض القضايا وبدأ بكتابة المقالة عندها، فكيف سيتمكّن جبرائيل من مساعدته وتسديده والحال هذه؟ بل سيقول له جبرائيل هنا: اذهب لحالك يا هذا، فسأضع زمام أمورك بيدك، ليقوم الشيطان بتحريكك في أيّ اتجاه يريد؛ فعندما أقوم بتسليمك زمام أمورك، فلا تتصوّر بأنَّ الزمام سيكون بيدك، بل سيأتي الشيطان ليأخذ به؛ فلا يمكن أن يبقى اللجام سائبًا، بل لا بدّ من وجود من سيمسك به، فإمّا أن يتولّى جبرائيل الأخذ به أو أن يأخذ به الشيطان.

لهذا، نرى كيف أنَّ البعض لا يرضخ للحقّ حتّى وإن جاء النبيّ وأقسم له بكون هذا الكلام له، فسيبقى مثل هذا الرجل يُشكّك في كلّ شيء ويبحث عن أيّة وسيلة من أجل الفرار من التسليم للحقّ؛ فيجب الاستعاذة بالله من أن يصل الأمر بأحدنا إلى هذا الحدّ، فيقوم بالتشكيك بالكلام الحقّ وبكلام الوحي والأحاديث وتلك الآثار التي لا يعتريها الشك، ويأخذ بالمراوغة والتهرّب ذات اليمين وذات الشمال من أجل عدم الرضوخ للحقّ

 

    

الموارد التي يكون فيها العبد مخيّرًا بين القصر والإتمام

 

 

لم أكن قد راجعت في عهد المرحوم العلاّمة الأدلّة المتعلّقة بموضوع التخيير بين القصر والتمام في الصلاة في الأماكن الأربعة، وهي مسجد الكوفة وجميع المدينة المنورة لا مسجد النبيّ لوحده ـ والتي يُفضّل فيها إتمام الصلاة ـ وجميع مدينة مكّة؛ على أنَّ هنالك أمرًا عجيبًا آخرًا يختصّ بمكّة، حيث إنّ الإنسان عندما يتمعّن في هذه الأمور، فسيتوصّل إلى الكثير من النكات؛ فالمعروف هو عدم جواز المحاذاة بين الرجل والمرأة في الصلاة، فإمّا أن يكون الفاصل بينهما هو ثمانية أذرع تقريبًا وإمّا أن يتقدّم الرجل على المرأة، وإلاّ فستبطل الصلاة؛ بالطبع، إن كان الرجل قد بدأ صلاته، وصلّت المرأة أمامه بعده فستكون صلاة المرأة باطلة، وإن كانت المرأة هي التي بدأت بالصلاة، فستكون صلاة الرجل هي الباطلة، وإلاّ، فعليه أن يغيّر مكانه؛ أمّا في مكّة المكرّمة، فالأمر مختلف، فيجوز للمرأة محاذاة الرجل أو التقدّم عليه في الصلاة، وهذا الحكم لا يشمل المسجد الحرام وحده بل ويشمل جميع أنحاء مدينة مكّة؛ وإنَّه لأمر عجيب أن يجوز محاذاة المرأة للرجل أو تقدّمها عليه في الصلاة في هذه الأرض دون أن يؤدِّي ذلك إلى بطلان صلاتها! وعليكم الانتباه إلى أنَّ هذا الأمر يختص بمكّة فقط.

ومن الأماكن الأخرى التي يجوز فيها التخيير بين القصر والتمام هو حائر سيِّد الشهداء، والذي يشمل المنطقة المحيطة بالضريح إلى حدود ستّة عشر ذراعًا حيث يكون الضريح بيّنًا، وهو لا يشمل منطقة الصحن والأروقة الخلفيّة والأماكن الأبعد عن ذلك، بل يشمل ذلك المحيط الذي يكون فيه الضريح بيّنًا، والذي لا يقتصر على المنطقة الواقعة تحت القبّة مباشرة، بل ويشمل أطراف ذلك المحيط أيضًا، فيكون المكلّف مخيّرًا فيه بين القصر والتمام، على أنَّ التمام هو الأفضل.

وفي سفري الأخير الذي ذهبت فيه إلى مسجد السهلة، رأيت لوحة كُتب عليها رأي بعض السادة والتي بيّنوا فيها شمول مسجد السهلة بالحكم الخاصّ بمدينة الكوفة والتي يكون فيها المكلف مُخيّرًا بين القصر والتمام في صلاته؛ فتعجّبت لما رأيت، وخطر على بالي بأن أقوم بمراجعة الأدلّة المتعلّقة بهذا الموضوع بنفسي، فلم أكن قد حقّقت بشأن هذا الموضوع من قبل، بل كنت أعتمد على ما لديّ من معلومات سابقة، والتي كنت أعتقد فيها بأنَّ هذا الحكم خاصّ بمسجد الكوفة فقط؛ فعندما قمت بمراجعة الأدلّة رأيت صحّة ما ذهبوا إليه، فيجوز إتمام الصلاة في كافة أنحاء مدينة الكوفة، وهذا الأمر لا يقتصر على مسجد الكوفة وحده، وهذا ما توصّلت إليه؛ ففي نفس ذلك الوقت الذي بدا لي هذا الرأي، قلت لا بدّ وأن يكون هذا الأمر صحيحًا، فعليَّ التحقيق فيه؛ أمّا ما يتعلّق من الأمر بكون مسجد السهلة هو جزء من مدينة الكوفة أو لا، فهذا ممّا لا يمكنني القول به.

علينا أن ننتبه إلى هذا الأمر وهو: هنالك خطأ في التصوّر القائل بأنَّ الأجزاء التي يمكن فيها إتمام الصلاة في مكّة، إنَّما تشمل مدينة مكّة القديمة فقط، يعني مكّة التي كانت على عهد رسول الله على سبيل المثال، والتي كانت تشمل المسجد الحرام وعددًا من البيوت المحيطة به؛ فلمّا كان الحكم قد صدر في ذلك الزمان، فهو يشمل تلك المنطقة المعروفة في ذلك الزمان فقط؛ فإن جرى توسيع المدينة وأُضيف إليها كيلومترين آخرين، فلن تكون تلك الزيادة جزءًا من مدينة مكّة؛ إن هذا الكلام كلام خاطئ؛ لأنّ اسم مكّة هو عبارة عن عنوان لتلك المدينة، فمتى ما صدق هذا العنوان العرفي على مكان ما، فسيصدق الحكم المترتّب على هذا العنوان؛ فما هي حدود مدينة مكّة في الوقت الحاضر؟ إنَّها تمتدّ حتّى منطقة مِنى، فبناءً على هذا، يمكن إتمام الصلاة في كافّة أنحاء هذه المدينة وحتّى حدود مِنى وبدون وجود أيّ إشكال؛ فلقد كانت مدينة مكّة ذات حدود معيّنة، ثم أخذت بالتوسّع والتوسّع؛ فحكم التخيير في الصلاة يجري على ما يصدق عليه عنوان مكّة، لا على خصوص أبنية مكّة [ الموجودة في ذلك الزمان]؛ فما دام هذا العنوان صادقًا على هذه المدينة، فسيصدق عليها الحكم أيضًا؛ والعكس بالعكس، فإن قاموا بتخريب الأبنية الموجودة في مكّة بواسطة الجرّافات وجعلوا منها أرضًا مسطحة ـ الأمر الذي سيضطّر أهلها إلى العيش في الخيام ـ واستمرّوا في عملية التجريف، ولم يتوقّفوا حتّى محيط المسجد الحرام، فلن يجوز إتمام الصلاة إلاّ في المسجد الحرام نفسه؛ فما دامت مدينة مكّة قد أزيلت عن الوجود، فلا يمكن لأحدهم أن يقول: لقد كنت أُتمّ الصلاة في هذا المكان الذي قد تمّ تجريفه الآن، لذا فأنا أستطيع أن أُتمّ صلاتي فيه الآن! إذ إنَّ ارتفاع التكليف يشبه ثبوته، فكلاهما يعتمدان على استمرار صدق إطلاق عنوان "مدينة مكّة" على المكان، ولا علاقة هنا لنفس البيوت أو عدمها في هذا الأمر؛ فالملاك هنا هو عنوان المدينة لا البيوت.

فمسجد السهلة يقع ـ وبكلّ تأكيد ـ خارج مدينة الكوفة في الوقت الحاضر، ولا يمكن أن يُعدَّ من أنحاء المدينة، فبناءً على هذا، لا يمكن إتمام الصلاة فيه؛ بل يجوز إتمام الصلاة في مدينة الكوفة وذلك لصدق إطلاق هذا العنوان على المدينة؛ فهذا ما أردت توضيحه هنا.

 كان الحديث يدور حول هذا الموضوع وهو: عندما أُواجه بأمرٍ ما وأقول في نفسي: يجب عليّ التحقيق في هذا الأمر، فلعلّ الأمر يكون على خلاف ما كنت أعتقد؛ إن أصبح الأمر بهذا الشكل، فما الذي سيفعله الله؟ إنَّ الله سيساعد الإنسان ويسدّده، فعندما أقوم بفتح الكتاب، فسوف لن يخطر على بالي هذا الفكر وهو: لقد كنت أُفتي وإلى هذه اللحظة بذلك الشكل، وكانت وجهة نظري على ذلك النحو، فما الذي سيحصل إن قمت بتغيِير وجهة نظري؟ فلو شعر أحدهم بأنَّه من المعيب عليه أن يقوم بتغيير وجهة نظره التي كان عليها لسنوات طويلة، فكيف سيكون تفكيره والحال هذه؟ لا بدّ وأن يكون تفكيره تفكيرًا شيطانيًّا؛ أمّا إن جلس لوحده ومن دون أن ينظر إلى أيّ اعتبار آخر، وقام بإخلاص نيّته لله، وفكّر في الحكم الشرعي أو الحكم الإلهي في الموضوع الذي يواجهه، فما الذي يفعله الله والحال هذه؟ إنَّ الله سيهديه ويدلّه على الصفحات التي يجب عليه مطالعتها وعلى بقيّة الأحكام [التي تعينه في الوصول إلى هدفه]؛ وهكذا يستمرّ معه الأمر حتّى يتّضح له بصورته الجليّة.

فعلى هذا، يجب على الإنسان أن يضع نصب عينيه هذا الملاك في جميع أموره وهو: أن يحصر توجّهه إلى الله، وأن لا يفكّر بغير الله، وأن لا يكون هدفه إلاّ الوصول إلى المباني التي يتبنّاها الأئمّة، ولا يكون عنده غاية سوى تأييد الولاية والأئمّة عليهم السلام، وتأييد العصمة لا غير؛ فلا يكون عنده همّ سوى معرفة ما الذي طرحه زعماء الدين عليهم السلام، ولا يمزج مع ذلك شيئًا آخر؛ فإنّه إن قام بمزج شيءٍ آخر معه، فستفسد عليه الأمور ، وتتلوّث نفسه وتتكدّر، ولن يتمكّن من إدراك الأمور على ما هي عليه، بل سيُدركها على نحوٍ آخر؛ لماذا ستتغير نفسه؟ ستتغيّر نفسه وفقًا للجهة التي هو في كنفها ورعايتها، فهل هو في كنف ورعاية الملائكة، أم أنَّه في كنف ورعاية الشياطين والأبالسة؟ وهذا الأمر يسري على كلّ شيء، ويسري بالخصوص على طلبة العلوم الدينيّة وعلوم أهل البيت عليهم السلام؛ فتعتبر رعاية هذه المسألة من أوجب الواجبات، بل وتعتبر بمثابة عمود خيمة تلك المعارف والمباني؛ فيجب أن ينحصر فكر الطالب وذهنه في الوصول إلى مباني أهل البيت عليهم السلام ولا غير؛ ﴿فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾[8]، فالحقّ يتمثّل في أهل البيت فقط، وكلّ ما سواهم، وكلّ ما يكون في مقابلهم، فلا يكون سوى الضلالة والظلمة والكدورة والخسران والحرمان، ومهما كان ذلك.

 

    

الأمل هو المحرّك الأساسي للسالك

 

 

فبناءً على ما سبق، فنحن نرى العظماء يقولون بأنَّ المركب الوحيد الذي يمكن للسالك أن يمتطيه [من أجل الوصول إلى هدفه] هو الأمل، فلا يمكن لأحد أن ينجز أيّ عمل بدون هذا الأمل؛ فعندما تريد أن تسلك طريق الله، فلا بدَّ وأن يكون لديك أمل؛ أمل بماذا؟ فهل سيكون أملك بقهّارية الله؟! قطعًا لا؛ لأن قهّاريّة الله لا تحتاج إلى أمل، بل عليك أن يكون أملك برحمة الله؛ فيجب أن يغلب على السالك جانب الرحمة والابتهاج، وينبغي عليه أن يكون مشبعًا بالأمل بأنّ الله سيشمله برحمته، وسيأخذ بيده في طريق الهداية؛ فمتى ما خطر في ذهنك هذا السؤال: هل يمكنني أنا أن أعمل هكذا عملاً حسنًا؟! أو هل يمكنني أنا أن أصل لهذه المقامات العالية مع أن الكثير من الأشخاص كانوا في هذا الطريق إلاّ أنّهم لم يصلوا؟! فعليك مباشرة أن تأمل برحمة الله وأنّه سيأخذ بيدك إلى طريق الهداية.

ذهبت في إحدى الليالي مع المرحوم العلاّمة إلى بيت أحد الأصدقاء، وكان ذلك بعد حصول قضيّة ما، فرأيت الرجل مضطربًا؛ فقال لي:

                ما الذي حصل مع فلان؟

                فقلت له: حصل كذا وكذا؛ حيث كان المرحوم العلاّمة قد طرد أحد تلامذته، على أنَّ ذلك الطرد لم يكن طردًا واقعيًّا، بل كان من أجل تنبيهه وتربيته، فتصوّر هذا الرجل بأنَّ الطرد كان طردًا حقيقيًّا.

                فقال: ها قد غادر فلان الجمع.

                فقلت: إن كان قد غادر، فليغادر!

                فقال: هكذا، وبهذه البساطة؟

                فقلت: لقد غادر الآن، فما الذي يمكننا فعله له؟ لم أقل له بالطبع بأنَّ ما حصل كان من أجل التربية، بل تظاهرتُ بأنَّ الأمر كان واقعيًّا.

                فقال: ولكنَّه كان من تلامذة السيِّد الحدّاد، وله كذا وكذا من الامتيازات، ولقد كنَّا قد سمعنا منه الكثير!

                فقلت: ومهما يكن ذلك الشيء الذي سمعتَه منه، فمن يُخالف يُطرد! واعلم بأنَّ السيِّد العلاّمة لا يطرد أحدًا عبثًا، فاسلك الطريق الصحيح واستمع لما يُقال لك، فعندما يقول لك والدي شيئًا، لا تردّ عليه وتقول شيئًا آخر ـ لقد وجّهت كلامي هذا له فقلتُ له: عندما يقول لك والدي شيئًا، فلا تقل شيئًا آخر، ولن تُطرد عندها، وستستمر في طيّ طريقك ولن تكون هنالك أيّة مشكلة؛ فهكذا يكون الأمر.

ثمَّ قلت في نفسي: لماذا يكون الرجل على هذا الحال؟ ولماذا يكون الخوف قد استولى عليه؟ إنَّ السبب في ذلك يعود إلى فقدانه لذلك الأمل الذي كان يجب أن يغمر وجوده! فالأمل هو الذي يدفع السالك إلى التقدّم في سيره وهو الذي يُثبّت قدمه على الطريق؛ فذلك المتذبذب والمتردّد والذي يملأ قلبه الشكّ يبقى يدور حول محور هذا الترديد باستمرار، ويبقى مشوّش الفكر دائمًا؛ فلا تفيده صلاته التي يصلّيها؛ لأنَّه يقول: لقد كان فلان من الناس يصلِّي أيضًا، أرأيت كيف غادر! ولن تفيده قراءته للقرآن أو زيارته بشيء، لأنَّه يقول: لقد أمضى فلان جميع عمره في قراءة القرآن، وكان ذاك يزور الإمام الرضا أكثر ممّا أزوره أنا، [فلم تنفعهم أعمالهم تلك في شيء]، وهكذا الأمر في كلّ عمل عبادي يقوم به، فهو يُقارن نفسه بهذا وذاك؛ ولا يقول لنفسه: إنَّ لكلّ واحد من هؤلاء الناس صحيفته الخاصّة به، والتي لا علاقة لها بما يفعله الآخر.

هل حصل لك مرّة أن كنت في حلقة الدرس تستمع إلى ما يقوله الأستاذ ورأيت أحدهم يعبث في جهاز تلفونه المحمول ويتكلّم فيه مع غيره، فأخرجت أنت أيضًا جهاز التلفون من جيبك وبدأت بالاتّصال بأحد؟! أم أنَّك كنت تقول: دعني أستمع إلى ما يقوله الأستاذ؛ لأنَّني إن لم أفعل ذلك، فسيفوتني الكثير، فذلك الذي يعبث بالجهاز لا يفهم شيئًا! [فإن كان الأمر كذلك] فلماذا لا تتعامل مع قضيّة سلوك الطريق إلى الله بهذه الكيفيّة؟ فتأتي هنا وتقول: هذا ما حصل لفلان! وكذا الحال عندما ترى أحدهم قد ارتكب خطًا ما أدّى إلى خسارته في إحدى المعاملات التجاريّة، فأنت لا تقول هنا: سوف لن أقدم على أيّة معاملة تجاريّة بعد الآن، بل أنت تقول: كان بإمكان ذلك الرجل أن يتجنّب الخطأ الذي ارتكبه.

فأنت لا تتعامل بهذا الشكل فيما يتعلّق بمعاملاتك التجاريّة، أو في تواجدك في الصّف الدراسي، أو ما شابه ذلك، أمّا عندما يتعلّق الأمر بالسير والسلوك، فإنّك تنظر إلى هذا وذاك الذين تركوا الطريق! فمن يقف وراء كلّ ذلك؟ إنَّه الشيطان، فالشيطان يقوم بزرع بذرة اليأس في قلبك، ولا يدعك تتحرّك وأنت مفعم بالأمل؛ نعم إنَّ الشيطان لا يدع الأمل يقوى في قلوبنا، ولا يدع برعم الأمل يتفتّح وينمو؛ فعلينا اليقظة والحذر هنا، وعلينا طرد اليأس بالمراقبة؛ فأينما رأيت بذرة اليأس تحاول أن تنمو في قلبك، فاعلم مباشرة بأنّ الشيطان وراءها.

فعليك أن تتعامل مع الأمور براحة بال، فإن سمعت أحدهم يتحدّث بكلام معيّن، لماذا تبدأ تُنادي بالويل والثبور؟ دعه وشأنه وليذهب في رعاية الله وحفظه؛ أو إن رأيت بأنّ فلانًا لم يعُد يحضر إلى المكان الفلاني، فدعه يذهب في رعاية الله وحفظه، ولتتعامل مع هذه الأمور براحة بال، فلا يعنيك أمره بشيء وسواء أراد الحضور أم لم يرد ذلك.

إنّ إشغال الذهن بالتفكير يمينًا وشمالاً هو أحد الطرق التي ينفذ منها الشيطان إلى قلبك، فما أن تصرف ذهنك نحو الموضوع، [إلاّ ويكون الشيطان قد نفذ إلى قلبك].

 نعم، أخذ العبرة من أخطاء الآخرين هو ممّا لا بأس فيه، بل هو أمرٌ مستحسن؛ لكن أن تستقرّ هذه القضيّة في نفس الإنسان وأن تشغل ذهنه ونفسه، فهو خلاف طريق السلوك تمامًا، وعكس الطريق الموصل إلى الله، ويُعدُّ عاملاً مساعدًا لنفوذ اليأس الشيطاني، وسببًا يمنع السالك من الوصول إلى درجات القرب الإلهي.

نسأل الله أن يحفظنا من تلك الوساوس والأوهام والتخيّلات، وأن يحفظنا في كنف الولاية ورحمتها وعطفها، وأن لا يحرمنا الله عزّ وجلّ ومقام الولاية ممّا مَنَّ به على من اجتباهم لقربه، وجعلهم من الواردين على حرمه.

 الّلهمّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد

 


[1] ـ الكافي، ج 1، ص 34.

[2] ـ سورة الأنعام (6)، مقطع من الآية 121.

[3] ـ جاء في الكافي، ج 1، ص 34: وإنَّهُ يَستَغفِرُ لِطالِبِ العِلمِ مَن في السَّماءِ ومَن في الأرضِ حَتَّى الحُوتِ في البَحر. [المترجم]

[4] ـ الكافي، ج 1، ص 13. وفي تحف العقول للحراني ص 152.

[5] ـ معرفة الإمام، ج 5، هامش الصفحة 199.

[6] ـ معرفة المعاد، ج 9، ص 289.

[7] ـ معرفة المعاد، ج 4، ص 7.

[8] ـ سورة يونس (10)، جزء من الآية 32.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی