معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
اعتقادات و كلام أخلاق حکمة عرفان العلمي و الإجتماعي التاریخ القرآن و التفسير
المكتبة > اعتقادات > معرفة‌ الإمام > معرفة الامام(المجلدالثاني‌عشر)
کتاب معرفة الامام / المجلد الثانی عشر / القسم العاشر: علی علیه السلام و التوحید

خطبة‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد جواباً علی سؤال‌ ذِعلِب‌

 الثاني‌: حديث‌ ذِعلب‌ أيضاً، وقد رواه‌ الشـيخ‌ الصدوق‌ أيضـاً عن‌ علي‌ّبن‌ أحمد بن‌ محمّد بن‌ عمـران‌ الدقّـاق‌ رحمه‌ الله‌، عن‌ محمّدبن‌ أبي‌عبدالله‌ الكوفي‌ّ، عن‌ محمّد بن‌ إسماعيل‌ البرمكي‌ّ، عن‌ الحسين‌بن‌ الحسن‌، عن‌ عبدالله‌بن‌ داهر، عن‌ الحسين‌ بن‌ يحيي‌ الكوفي‌ّ، عن‌ قُثم‌بن‌ قتادة‌، عن‌ عبدالله‌بن‌ يونس‌، عن‌ الإمام‌ أبي‌ عبدالله‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ أ نّه‌ قال‌: بَيْنَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلاَمُ يَخْطُبُ علی مِنْبَرِ الكُوفَةِ، إذْ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذِعْلِبٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ، بَلِيغٌ فِي‌ الخِطَابِ، شُجَاعُ القَلْبِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَالمُؤْمِنِينَ! هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ؟ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبَّاً لَمْ أَرَهُ. قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟

 قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الاَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ. وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ! إنَّ رَبِّي‌ لَطِيفٌ اللَّطَافَةِ ( أي‌: أ نّه‌ لطيف‌ بالنسبة‌ إلی معني‌ اللطافة‌ ومفهومها ) فَلاَ يُوصَفُ بِاللَّطْفِ ( بل‌ هو أعلي‌ من‌ اللطف‌، وخالق‌ اللطف‌ )، عَظِيمُ العَظَمَةِ ( أي‌: هو عظيم‌ بالنسبة‌ إلی معني‌ العظمة‌ ومفهومها ) لاَ يُوصَفُ بالعِظَمِ ( بل‌ هو يفوق‌ العظمة‌، وهو خالق‌ العظمة‌ وموجدها )، كَبِيرُ الكِبْرِيَاءِ ( أي‌: هو كبير بالنسبة‌ إلی معني‌ الكبرياء ومفهومها مع‌ سعة‌ مفادها ) لاَ يُوصَفُ بِالْكِبَرِ ( بل‌ هو أعلي‌ من‌ الكبرياء، وهو خالق‌ الكِبر )، جَلِيلُ الجَلاَلَةِ ( أي‌: هو جليل‌ بالنسبة‌ إلی معني‌ الجلال‌ ومفهومه‌ مع‌ إطلاقه‌ وعمومه‌ ) لاَ يُوصَفُ بِالغِلَظِ.

 قَبْلَ كُلِّ شَي‌ءٍ فَلاَ يُقَالُ: شَي‌ءٌ قَبْلَهُ. وَبَعْدَ كُلِّ شَي‌ءٍ فَلاَ يُقَالُ: شَي‌ءٌ بَعْدَهُ. شَـائِي‌ الاَشْـيَاءِ لاَ بِهِمَّةٍ، دَرَّاكٌ لاَ بِخَدِيعَةٍ. هُـوَ فِي‌ الاَشْـيَاءِ كُلِّهَا غَيْرُمُتَمَازِجٍ بِهَا وَلاَ بَائِنٌ عَنْهَا. ظَاهِـرٌ لاَ بِتَأْوِيلِ المُبَاشَـرَةِ، مُتَجَلٍّ لاَ بِاسْتِهْلاَلِ رُؤْيَةٍ، بَائِنٌ لاَ بِمَسَافَةٍ، قَرِيبٌ لاَ بِمُدَانَاةٍ، لَطِيفٌ لاَ بِتَجَسُّمٍ، مَوْجُودٌ لاَبَعْدَ عَدَمٍ، فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَارٍ، مُقَدِّرٌ لاَبِحَرْكَةٍ، مُرِيدٌ لاَ بِهَمَامَةٍ، سَمِيعٌ لاَ بِآلَةٍ، بَصِيرٌ لاَ بِأَدَاةٍ، لاَ تَحْوِيهِ الاَمَاكِنُ، وَلاَ تَصْحَبَهُ الاَوْقَاتُ، وَلاَ تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ، ( من‌ العلم‌ والقدرة‌ والحياة‌ وما يتفرّع‌ منها ) وَلاَتَأْخُذُهُ السِّنَاتُ. ( لايغفل‌ لحظة‌ واحدة‌ ).

 سَبَقَ الاَوْقَاتُ كَوْنُهُ، وَالعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالإبْتِدَاءَ أَزَلُهُ. بِتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ، وَبَتَجْهِيرِهِ الجَوَاهِرَ ( الطبائع‌ والجبلاّت‌ والكائنات‌ الموضوعة‌ لعروض‌ العوارض‌ ) عُرِفَ أَنْ لاَ جَوْهَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الاَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الاَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ.

 ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالجَسْوَ بِالبَلَلِ، وَالصَّرْدَ بِالحَرُورِ، [1] مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا علی مُفَرِّقِهَا، وَبِتَأْلِيفِهَا علی مُؤَلِّفِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَمِن‌ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [2] ( واعلموا أنّ هذا العالم‌ الفسيح‌ المخلوق‌ من‌ ذَكَرٍ وأُنثي‌ هو تحت‌ عناية‌ الله‌ تعالي‌ ) [3] فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لاَ قَبْلَ لَهُ وَلاَ بَعْدَ. شَاهِدَةً بِغَرَائِزِهَا علی أَنْ لاَ غَرِيزَةَ لِمُغَرِّزِهَا ( هو خالق‌ الغريزة‌ )، مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لاَ وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا.

 حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لاَ حِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ غَيْرُ خَلْقِهِ. ( نفس‌ مخلوقيّتها وإنّيّتها حجاب‌ ) كَانَ رَبَّاً إذْ لاَ مَرْبُوبٌ، وَإلَهَاً إذْ لاَ مَأْلُوهٌ، وَعَالِمَاً إذْ لاَ مَعْلُومٌ، وَسَمِيعَاً إذْ لاَ مَسْمُوعٌ.

 ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

 وَلَمْ يَزَلْ سَيِّدِي‌ بِالحَمْدِ مَعْرُوفَا               وَلَمْ يَزَلْ سَيِّدِي‌ بِالجُودِ مَوْصُوفَا

 وَكُنْتَ [4] إذْ لَيْسَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ              وَلاَ ظَلاَمٌ علی الآفَاقِ مَعْكُوفَا

 وَرَبُّنَا بِخِلاَفِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ                        وَكُلِّ مَا كَانَ فِي‌ الاَوْهَامِ مَوْصُوفَا

 فَمَنْ يُرْدِهُ علی التَّشْبِيهِ مُمْتَثِلاً              يَرْجِعْ أَخَا حَصَرٍ بِالعَجْزِ مَكْتُوفَا

 وَفِي‌ المَعَارِجِ يَلْقَي‌ مَوْجُ قُدْرَتِهِ               مَرْجَاً يُعَارِضُ طَرْفَ الرُّوحِ مَكْفُوفَا

 فَاتْرُكْ أَخَا جَدَلٍ فِي‌ الدِّينِ مُنْعَمِقَاً                       قَدْ بَاشَرَ الشَّكَّ فِيهِ الرَأْي‌ مَأْوُوفَا

 وَاصْحَبْ أَخَا ثِقَةٍ حُبَّاً لِسَيِّدِه‌                    وَبِالكَرَامَاتِ مِنْ مَوْلاَهُ مَحْفُوفَا

 أَمْسَي‌ دَلِيلَ الهُدَي‌ فِي‌ الاَرْضِ مُنْتَشِرَاً              وَفِي‌ السَّمَاءِ جَمِيلَ الحَالِ مَعْرُوفَا

 لمّا سمع‌ ذِعلب‌ وصف‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ هذا، خَرّ مغشيّاً عليه‌، ثمّ أفاق‌، وقال‌: ما سمعتُ بهذا الكلام‌ ولا أعود إلی شي‌ء من‌ ذلك‌.

 وقال‌ المرحوم‌ الصدوق‌ ـ أبو جعفر محمّد بن‌ علي‌ّبن‌ حسين‌بن‌ بابويه‌ القمّي‌ّـ قال‌ مصنّف‌ هذا الكتاب‌: في‌ هذا الخبر ألفاظ‌ قد ذكرها الإمام‌ الرضا عليه‌ السلام‌ في‌ خطبته‌. وهذا تصديق‌ قولنا في‌ الائمّة‌ عليهم‌ السلام‌: إنّ علم‌ كلّ واحد منهم‌ مأخوذ عن‌ أبيه‌ حتّي‌ يتّصل‌ ذلك‌ بالنبي‌ّ الاكرم‌صلّي‌الله‌عليه‌وآله‌.[5]

خطبه‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد

 الثالث‌: الخطبة‌ الاُولي‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »:

 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‌ لاَ يَبْلُـغُ مِدْحَتَـهُ القَائِلُـونَ، وَلاَ يُحْصِـي‌ نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي‌ حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ، الَّذِي‌ لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَيَنَالُهُ غَـوْصَ الفِطَنِ، الَّذِي‌ لَيْـسَ لِصَفَتِهِ حَـدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْـتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيْدَانَ أَرْضِهِ.

 أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلاَصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَ نَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَ نَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. ( وهذه‌ الغيريّة‌ توجب‌ التعدّد والتركيب‌ في‌ ذاته‌ المقدّسة‌. تعالي‌ الله‌ عن‌ ذلك‌ علوّاً كبيراً ).

 فَمَنْ وَصَفَ اللَهَ سُبْحَانَهُ ( ومدحه‌ بصفة‌ زائدة‌ علی الذات‌ ممّا يلزم‌ المحدوديّة‌ بحدّ الصفة‌ ومفهومها المشخّص‌ والمنحصر بها ) فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاه‌ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ( لانّ الإشارة‌ من‌ لوازم‌ الممكنات‌ التي‌ تحتاج‌ إلی جهة‌ )، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ( وهو واحد لابعدد، لانّ كلّ واحد عدد محدود ومركّب‌. والحدّ والتركيب‌ في‌ الذات‌ الاحديّة‌ يستلزمان‌ الفقر والاحتياج‌ )، وَمَنْ قَالَ: فِيمَ: فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: عَلاَمَ؟ فَقَدْ أَخْلَي‌ مِنْهُ.

 كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَي‌ءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ ( لابنحو الحلول‌ والاتّحاد، بل‌ بنحو الوجود الاصيل‌ والواجب‌ والاستقلاليّ مع‌ الوجود التبعيّ والمجازيّ والظلّي‌ّ )، وَغَيْرُ كُلِّ شَي‌ءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ. فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَي‌ الحَرَكَاتِ وَالآلَةِ ( بل‌ هو يريد ويبلغ‌ مراده‌ بنفس‌ الإرادة‌ والمشيئة‌ القاهرة‌ بدون‌ حركة‌ واستعمال‌ آلةٍ )، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ( أي‌: أنّ بصيرته‌ ليست‌ بالإبصار الحسّيّ حتّي‌ تحتاج‌ إلی منظور إليه‌ حسّي‌ّ. هو بصير بالذات‌ لابآلة‌ بصريّة‌ )، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ... إلی آخر الخطبة‌. [6]

 الرابع‌: الخطبة‌ الثالثة‌ والستّون‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »:

 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً ( لانّ جميع‌ أوصاف‌ الله‌ هي‌ صفات‌ ذاته‌، وصفاته‌ واجبة‌ أيضاً بوجوب‌ ذاته‌. ولمّا لاتتغيّر ذاته‌ ولاتتبدّل‌ بسبب‌ وجوب‌ الوجود، فكذلك‌ أوصافه‌ لاتتغيّر ولاتتبدّل‌ ولاتزول‌ ولاتتدرّج‌. ولا تتقدّم‌ صـفة‌ من‌ صـفاته‌ علی صـفة‌ أُخـري‌، ولاتتأخّر عنها أيضاً، هو الاوّل‌ كما هو الآخر، وهو الآخر كما هو الاوّل‌. وأوّليّته‌ وآخريّته‌ وأزليّته‌ وأبديّته‌ شي‌ء واحد، وظهوره‌ وبطونه‌ واحد ).

 كُلُّ مُسَمَّيً بِالوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٍ ( الله‌ كثير مع‌ وحدته‌، لانَّ كلّ موجود غير الله‌ الواحد، هو وحده‌ بلا معين‌ ولا شريك‌ ولا ناصر، وهو حقير ـطبعاًـ لضعفه‌، ولا اعتبار ولا شأن‌ له‌ لعدم‌ وجود المعاضد والمعاون‌. أمّا وحدة‌ الله‌، فهي‌ علوّ ذاته‌ المقدّسة‌ المنزّهة‌ عن‌ التركيب‌، ومعناها بساطة‌ وجوده‌ وإطلاقه‌ وسعته‌ وتفرّده‌ في‌ العظمة‌ والقدرة‌ والحياة‌، وفناء جميع‌ الموجودات‌ واندكاك‌ كافّة‌ الكائنات‌ في‌ ذاته‌ المقدّسة‌. وعلي‌ هذا، فالوحدة‌ في‌ غير الله‌ وحدة‌ عدديّة‌ تستلزم‌ التقليل‌ والنقص‌، وكمالها بالتكثير والاعتبار الزائد. والوحدة‌ في‌ الله‌ توجب‌ سعة‌ الوجود والعموميّة‌ والتكثير. وعلي‌ هذا القياس‌ تكون‌ سائر أوصافه‌ ).

 وَكُلُّ عَزِيزٍ غَيْرُهُ ذَلِيلٌ. وَكُلُّ قَوِي‌ٍّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ. وَكُلُّ مَالِكٍ غَيْرُهُ مَمْلُوكٌ. وَكُلُّ عَالِمٍ غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ. وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرُهُ يَقْدِرُ وَيَعْجِزُ. وَكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرُهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الاَصْوَاتِ وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا. وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَي‌ عَنْ خَفِي‌ِّ الاَلْوَانِ، وَلَطِيفِ الاَجْسَامِ، ( والله‌ هو الذي‌ عنده‌ جميع‌ الاصوات‌: قويّها وضعيفها، وكبيرها وصغيرها متساوية‌. وكافّة‌ الالوان‌ والاجسام‌، خفيّها وظاهرها، ولطيفها وغليظها متساوية‌ أيضاً ).

 وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ بَاطِنٌ، وَكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ( لانّ كلّ موجود وجوده‌ بعناية‌ الله‌ كرمه‌. فهو في‌ ذاته‌ وماهيّته‌ مخفيّ وباطن‌. أمّا وجود الحقّ تعالي‌ فهو مخفيّ في‌ حال‌ ظهوره‌ الذي‌ شمل‌ العوالم‌ كلّها، وهو ظاهر في‌ حال‌ بطونه‌ وخفائه‌: يا باطناً في‌ ظُهوره‌، ويا ظاهراً في‌ بطونه‌ ).

 لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلاَ تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ، وَلاَ اسْتِعَانَةٍ علی نِدٍّ مُثَاوِرٍ ( الذي‌ يحاول‌ المحاربة‌ والمنازعة‌ )، وَلاَشَرِيكٍ مُكَاثِرٍ، وَلاَضِدٍّ مُنَافِرٍ، وَلَكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ.

 لَمْ يَحْلُلْ فِي‌ الاَشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فِيهَا كَائِنٌ، وَلَمْ يَنَأَ عَنْهَا فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ. لَمْ يُؤدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ، وَلاَوَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، وَلاَوَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَي‌ وَقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ، المأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، وَالمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ. [7]

 الخامس‌: الخطبة‌ الخمسون‌ والمائة‌ في‌ « نهج‌ البلاغة‌ »:

 الحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ علی وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ علی أَزَلِيَّتِهِ، ( إذ إنّ الحوادث‌ ينبغي‌ أن‌ تنتهي‌ بالواجب‌ حتماً، وإلاّ تستلزم‌ الدَّور والتسلسل‌. ووجوب‌ وجود الدليل‌ علی الازليّة‌ والسرمديّة‌. ولذلك‌ فإنّ ظهور الحوادث‌ دليل‌ علی أزليّته‌ ) وَبِاشْتِبِاهِهِمْ علی أَنْ لاَ شِبْهَ لَهُ.

 لاَ تَسْتَلِمُهُ المَشاعِرُ، ( لانّ شرط‌ المحسوس‌ وقوعه‌ في‌ جهة‌ وناحية‌، والله‌ ليس‌ في‌ جهة‌، وهو محيط‌ بكلّ مكان‌ ) وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ. ( حُجُب‌ إنّيّات‌ الموجودات‌ من‌ عالم‌ الملك‌ والملكوت‌ لا تستطيع‌ أن‌ تستره‌ ) لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالمَصْنُوعِ، وَالحَادِّ وَالمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالمَرْبُوبِ.

 وكذلك‌ الحمد للّه‌ الاَحَدِ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ، ( أي‌: أنّ العدد ( 2 ) في‌ مقابل‌ ذلك‌ محال‌ ليس‌ في‌ الوجود والتحقّق‌، بل‌ في‌ الفرض‌ والتصوّر. وهذه‌ الوحدة‌ وحدة‌ بالصرافة‌، إذ ينتهي‌ إليه‌ كلّ ما يُفرض‌ غيره‌ بواسطة‌ عمومه‌ وشموله‌ ) وَالخَالِقِ لاَ بِمَعْنَي‌ حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ، وَالسَّمِيعِ لاَبِأَدَاةٍ، وَالبَصِيرِ لاَبِتَفْرِيقِ آلَةٍ ( وهي‌ نشر النور وتفريق‌ الامواج‌ البصريّة‌ من‌ العين‌ )، وَالشَّاهِدِ لاَبِمُمَاسَّةٍ، وَالبَائِنِ لاَ بِتَراخِي‌ مَسَافَةٍ، وَالظَّاهِرِ لاَبِرُؤْيَةٍ، وَالبَاطِنِ لاَبِلَطَافَةٍ. بَانٍ مِنَ الاَشْيَاءِ بِالقَهْرِ لَهَا وَالقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الاَشْيَاءُ مِنْهُ بِالخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ.

 مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ( إذ لابدّ من‌ تحرّي‌ المعدودات‌ في‌ المحدودات‌، ولمّا كان‌ وجود الحدّ يناقض‌ وجوب‌ وجوده‌ وأزليّته‌. لهذا من‌ قال‌ بعدّ الباري‌ تعالي‌، فقد أبطل‌ وجوب‌ وجوده‌، ومن‌ ثمّ أزليّته‌ وسرمديّته‌ ). وَمَنْ قَالَ: كَيْفَ؟ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ. وَمَنْ قَالَ: أَيْنَ؟ فَقَدْ حَيَّزَهُ. عَالِمٌ إِذْ لاَ مَعْلُومٌ. وَرَبٌّ إِذْ لاَ مَرْبُوبٌ. وَقَادِرٌ إِذْ لاَ مَقْدُورٌ. [8] ( صفاته‌ الذاتيّة‌ كالعلم‌، والقدرة‌، والربوبيّة‌ من‌ ذاته‌. ولذلك‌، فهذه‌ الحقائق‌ موجودة‌ في‌ ناحية‌ الذات‌ بحقيقتها، وإن‌ لوحظ‌ متعلّقها من‌ معلوميّة‌ الموجودات‌ ومقدوريتّها ومربوبيّتها في‌ مراتب‌ واطئة‌ ).

 السادس‌: الخطبة‌ الحادية‌ والستّون‌ والمائة‌ من‌ « نهج‌ البلاغةّ »:

 الحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ العِبَادِ، وَسَاطِحِ المِهَادِ، وَمُسِيلِ الوِهَادِ، وَمُخْصِبِ النِّجَادِ. لَيْسَ لاِوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلاَ لاِزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ. هُوَ الاَوَّلُ لَمْ يَزِلْ، وَالبَاقِي‌ بِلاَ أَجَلٍ ( لا نّه‌ قديم‌ بِقِدَم‌ ذاتيّ ودهريّ وزماني‌ّ ). خَرَّتْ لَهُ الجِبَاهُ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ. حَدَّ الاَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا ( بدون‌ حدّ وقيد ) لاَ تُقَدِّرُهُ الاَوْهَامُ بِالحُدُودِ وَالحَرَكَاتِ، وَلاَ بِالجَوَارِحِ وَالاَدَوَاتِ.

 لاَ يُقَالُ لَهُ: مَتَي‌؟ ( لا نّه‌ ليس‌ في‌ زمان‌، بل‌ الزمان‌ ذاته‌ مخلوقه‌ والمحاط‌ به‌ من‌ قبله‌ ) وَلاَ يُضْرَبُ لَهُ أمَدٌ بِحَتَّي‌ ( لانّ هذه‌ الكلمة‌ لتعيين‌ النهاية‌ والغاية‌، والله‌ لا غاية‌ له‌ وهو محيط‌ بالغايات‌ والازمنة‌ )، الظَّاهِرُ لاَ يُقَالُ: مِمَّا؟ ( إذ إنّه‌ ليس‌ ممكن‌ الوجود، وليس‌ له‌ مادّة‌ ومدّة‌ )، وَالبَاطِنُ لاَ يُقَالُ: فِيمَا؟ ( ذلك‌ أ نّه‌ ليس‌ له‌ مادّة‌ ومحلّ ومكان‌ )، لاَ شَبَحٌ فَيَتقَضَّي‌، وَلاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوي‌. لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الاَشْيَاءِ بِالتِصَاقٍ، وَلَمْيَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ. لاَيَخْفَي‌ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَلاَ كُرُورِ لَفْظَةٍ، وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَةٍ ( اقتراب‌ محلّ مرتفع‌ )، وَلاَ انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي‌ لَيْلٍ دَاجٍ وَلاَغَسَقٍ سَاجٍ، يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ القَمَرُ المُنِيرُ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي‌ الاُفُولِ وَالكُرُورِ، وَتَقَلُّبِ الاَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ مِنْ إقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَإدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ. ( في‌ جميع‌ هذه‌ الليالي‌ المظلمة‌ التي‌ تتعاقب‌ وتتخالف‌ إلی أبد الدهر بهذه‌ الوسيلة‌، لا يخفي‌ علی الله‌ ـحتّي‌ في‌ لحظة‌ واحدة‌ـ شي‌ء مختصر منها ولو بقدر لحظة‌ وخطوة‌ ).

 قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ وَكُلِّ إحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ ( هو أزَلُ الآزال‌ وأبد الآباد وهو السرمد علی الإطلاق‌ ). تَعَالَي‌ عَمَّا يَنْحَلُهُ المُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الاَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الاَقْطَارِ، وَتَأَثُّلِ المَسَاكِنِ، وَتَمَكُّنِ الاَمَاكِنِ. فَالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإلَي‌ غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ.

 لَمْ يَخْلُقِ الاَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَلاَ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ. ( بل‌ أوجد الموجودات‌ من‌ عدم‌ محض‌ وكَتْم‌ العدم‌ ) بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ. ( بلا مادّة‌ وأصل‌ كان‌ موجوداً من‌ قبل‌ ) لَيْسَ لِشَي‌ءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَلاَ لَهُ بِطَاعَةِ شَي‌ءٍ انْتِفَاعٌ. عِلْمُهُ بِالاَمْوَاتِ المَاضِينَ كَعِلْمِهِ بالاَحْيَاءِ البَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي‌ السَّمَاوَاتِ العُلَي‌ كَعِلْمِهِ بِمَا فِي‌ الاَرَضِينَ السُّفْلَي‌. [9]

 السابع‌: الخطبة‌ الرابعة‌ والثمانون‌ والمائة‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »:

 مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ( لانّ مثلَ كلّ شي‌ء إمّا مثله‌ في‌ ذاته‌ أو في‌ بعض‌ أجزائه‌ أو صفاته‌. والله‌ تعالي‌ لا مثل‌ له‌ ولاشريك‌ في‌ ذاته‌، وإلاّ كان‌ محتاجاً إلی مميّز من‌ خارج‌ ذاته‌ يميّزه‌ عن‌ الشريك‌. وليس‌ له‌ مثل‌ في‌ الاجزاء، لا نّه‌ ليس‌ جزءاً أساساً، وإلاّ كان‌ مركّباً، والتركيب‌ من‌ صفات‌ الإمكان‌، وهو تعالي‌ واجب‌. وليس‌ له‌ مثل‌ في‌ الصفات‌، لعدم‌ اتّصافه‌ بصفات‌ زائدة‌ علی الذات‌ ). وَلاَ إيَّاهُ عَنَي‌ مَنْ شَبَّهَهُ، وَلاَصَمَدَهُ (قَصَدَهُ) مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ. ( لا نّه‌ ليس‌ له‌ جهة‌، وهو منزّه‌ من‌ كلّ إشارة‌ حسّيّة‌ أو وهميّة‌ أو عقليّة‌ لعدم‌ إحاطة‌ الحسّ والوهم‌ والعقل‌ بكُنه‌ ذاته‌ المقدّسة‌ من‌ كلّ حيثيّة‌) كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي‌ سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لاَ بِحَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِي‌ٌّ لاَ بِاسْتَفَادَةٍ. لاَتَصْحَبُهُ الاَوْقَاتُ. ( لانّ الوقت‌ والزمان‌ معلولان‌ له‌، وفي‌ مرتبة‌ أوطأ ) وَلاَتَرْفِدُهُ الادَوَاتُ. سَبَقَ الاَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ.

 بِتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ. ( إذ إنّ تشعير المشاعر والحواسّ تجهيزها وإعدادها ومنحها الاستعداد بكيفيّة‌ إذا دخلتها الموادّ تنفعل‌ انفعالاً خاصّاً يقال‌ له‌: الإحساس‌. ولهذا فكلّ حسّ من‌ الحواسّ منفعل‌ دائماً. أي‌: هو في‌ حالة‌ القبول‌. والله‌ فاعل‌ لا منفعل‌. أمّا كَونُهُ فاعلاً فلا نّا قلنا: شعّر المشاعر وجعل‌ فيها الإحساس‌، ولذلك‌ لايمكن‌ أن‌ يكون‌ منفعلاً من‌ مصنوعاته‌ ). وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الاُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَه‌. ( لا نّه‌ إذا كانت‌ له‌ طبيعة‌ تضادّ شيئاً، فإنّ ما أوجده‌ من‌ الموجودات‌ ينحصر في‌ الاشياء التي‌ توافق‌ وتلائم‌ تلك‌ الطبيعة‌ لا أ نّها تضادّها وتنافرها. إنّ خلق‌ الاشياء المتضادّة‌ دليل‌ علی عدم‌ وجود ضدّ له‌) وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الاَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَقَرِينَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُلْمَةِ، وَالوُضُوحَ بِالبُهْمَةِ، وَالجُمُودَ بِالبَلَلِ، وَالحُرُورَ بِالصَّرَدِ ( الحرّ بالبرد ). مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعادِيَاتِهَا، ( كالماء والنار ) مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا.

 لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ، ( إنّ أيّ حدٍّ من‌ الحدود والقيود في‌ الملك‌ والملكوت‌ بالمعني‌ الاعمّ، أي‌: عالم‌ الطبع‌ والحسّ والمثال‌ والعقل‌، والناسوت‌ والملكوت‌ بالمعني‌ الاخصّ والجبروت‌، حتّي‌ الاسماء والصفات‌ بحدودها لابحقائقها، أي‌: اللاهوت‌، كلّ ذلك‌ لا يستوعبه‌ ولايحويه‌، ولايحدّ وجودَه‌ البحت‌ البسيط‌ الدائم‌ السرمديّ. حتّي‌ أنّ اسم‌ « لايزال‌ » واسم‌ الوجود البسيط‌ هو اسم‌ وتعبير. وأنّ ذاته‌ المقدّسة‌ فوق‌ كلّ اسم‌ ورسم‌، وفوق‌ كلّ ما ينطبق‌ عليه‌ مفهوم‌ الاسم‌ ) وَلاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإنَّمَا تَحُدُّ الادَوَاتُ أنْفُسَهَا، ( كالحواسّ والمدركات‌ الفكريّة‌ والذهنيّة‌ ) وَتُشِيرُ الآلَةُ إلی نَظَائِرِهَا ( وذاته‌ المقدّسة‌ أسمي‌ وأعلي‌ من‌ كلّ ضرب‌ من‌ ضروب‌ التحديد بالادوات‌ الفكريّة‌ والآلات‌ النفسيّة‌ والعقليّة‌ ) مَنَعْتَها «مُنْذُ» القِدَمِيَّةَ ( إنّ ما نقوله‌ في‌ الموجودات‌: إنّها وُجدت‌ منذ ذلك‌ الزمان‌ (مُنْذ وُجِدَ ) يمنع‌ قِدَمَهَا ويدلّ علی حدوثها. أمّا « الله‌ » تعالي‌، فلا يمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: كان‌ « منذ » ذلك‌ الزمان‌ )، وَحَمَتْهَا «قَدْ» الاَزَلِيَّةَ، ( وما نقوله‌: إنّ الموجود الفلانيّ ( قد وُجِدَ ) في‌ وقت‌ قريب‌ لتقريب‌ تناهي‌ الزمان‌ يزيل‌ أزليّته‌. علی عكس‌ الخالق‌ جلّ وعلا إذ لا يقال‌ له‌: قَدْ وُجِدَ ) وَجَنَّبَتْهَا «لَوْلاَ» التَّكْمِلَةَ. ( وأنّ قولنا: لولا خالق‌ الموجودات‌، ما وُجدِت‌ ( لولا خالقه‌ ما وُجِدَ ) يسلب‌ كمالها، ويختم‌ علی ناصيتها بختم‌ النقصان‌. علی عكس‌ الباري‌ تعالي‌، فإنّه‌ كامل‌ بذاته‌، ووجوده‌ ليس‌ من‌ غيره‌، ولا يقال‌ له‌: لولا فلانٌ مَا وُجِدَ ). بِهَا تَجَلَّي‌ صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ العُيُونِ. لاَ يَجْرِي‌ عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالحَرَكَةُ، ( ولا يمكن‌ أن‌ يقال‌ له‌: ساكن‌ ومتحرّك‌ ) وَكَيْفَ يَجْرِي‌ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ؟ وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيُحْدِثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ؟ إذَاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، ( لانّ الاجسام‌ قابلة‌ للتجزئة‌ والانقسام‌ ) وَلاَمَنَعَ مِنَ الاَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلاَلْتَمَسَ التَّمَامَ إذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ، ( لتصل‌ قواه‌ إلی الفعليّة‌ ) وَإذَاً لَقَامَتْ آيَةُ المَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ. ( بعد أن‌ كان‌ وجوده‌ الاقدس‌ مدلولاً عليه‌ بالموجودات‌ والاشياء والممكنات‌، فإذا الموضوع‌ ينقلب‌ فيصبح‌ هو نفسه‌ دليلاً علی صانع‌ وخالق‌ ). وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي‌ غَيْرِهِ.

 الَّذِي‌ لاَ يَحُولُ، وَلاَ يَزُولُ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الاُفُولُ، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، ( إنّ التولّد ـمهما كان‌ـ يستلزم‌ الإمكان‌ والمحدوديّة‌، سواء كان‌ عن‌ طريق‌ التناسل‌ المعروف‌، أم‌ كان‌ بواسطة‌ النموّ كتولّد النباتات‌ من‌ العناصر، أم‌ كان‌ عن‌ طريق‌ الإيجاد والإخراج‌ من‌ الذات‌. لذلك‌ فإنّ الذين‌ يرون‌ وجود الله‌ محدوداً بوجود الاشياء والممكنات‌، ويعتقدون‌ بوجود الاصالة‌ والاستقلال‌ في‌ الموجودات‌، ولو علی نحو مختصر ومجمل‌، يحسبون‌ الموجودات‌ منحازة‌ ومنفصلة‌ عن‌ الحقّ تعالي‌، ويخالون‌ أنّ المتولّدات‌ منه‌ تعالي‌، وإن‌ لم‌ يصرّحوا بهذا التولّد. وأنّ إيجاد الموجودات‌ ليس‌ علی نحو الوجود الاستقلاليّ، لا في‌ الذات‌، ولا في‌ الصفة‌، ولا في‌ الفعل‌، بل‌ هو ظهور ذات‌ الحقّ فقط‌ في‌ مجال‌ الإمكان‌ ومظاهره‌، ووجودها تبعيّ وظلّيّ وغير استقلاليّ في‌ مقابل‌ وجود ذات‌ الحقّ الذي‌ هو وجود أصيل‌ وحقيقي‌ّ واستقلاليّ. وأنّ وجود الممكنات‌ ظهور، وإيجاد الحقّ تعالي‌ إظهار وجود ذاته‌ لا غير، فتأمّل‌ ) وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً. جَلَّ عَنِ اتَّخَاذِ الابْنَـاءِ، وَطَهُـرَ عَنْ مُلاَمَـسَـةِ النِّسَـاءِ. لاَ تَنَالُهُ الاَوْهَـامُ فَتُقَدِرَهُ، وَلاَ تَتَوَهَّمُهُ الفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلاَ تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ فَتَحُسَّهُ، وَلاَ تَلْمِسُهُ الاَيْدِي‌ فَتَمَسَّهُ. لاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَلاَ يَتَبَدَّلُ بِالاَحْوَالِ، وَلاَ تُبْلِيهِ اللَّيَالِي‌ وَالاَيَّامُ، وَلاَيُغَيِّـرُهُ الضِّيَـاءُ وَالظَّلاَمُ، وَلاَ يُوصَفُ بِشَـي‌ءٍ مِنَ الاَجْـزَاءِ، وَلاَبِالجَوَارِحِ وَالاَعْضَـاءِ، وَلاَ بِعَـرَضٍ مِنَ الاَعْـرَاضِ، وَلاَبِالغَيْـرِيَّةِ وَالاَبْعَاضِ، وَلاَيُقَالُ: لَهُ حَدٌّ وَنِهَايَةٌ، وَلاَ انْقِطَاعٌ وَلاَ غَايَةٌ، وَلاَ أَنَّ الاَشْيَاءَ تَحْوِيِهِ فَتُقِلَّهُ ( تسيطر عليه‌ فترفعه‌ ) أَوْ تُهْوِيهِ ( تُسقِطُه‌ )، أَوْ أَنَّ شَيئَاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ.

 لَيْسَ فِي‌ الاَشْيَاءِ بِوَالِجٍ، وَلاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ. يُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَلَهَواتٍ، وَيَسْمَعُ لاَبِخُروقٍ وَأَدَوَاتٍ. يَقُولُ وَلاَ يُلْفِظُ، وَيَحْفَظُ وَلاَ يَتَحَفَّظُ، وَيُرِيدُ وَلاَيُضْمِرُ، يُحِبُّ وَيَرْضَي‌ مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِمَشَقَّةٍ. يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: «كُنْ» فَيَكُونَ، لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ؛ وَإنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ. ( كالقرآن‌ وجميع‌ الموجودات‌ والكائنات‌ التي‌ هي‌ كلماته‌ ) وَمِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِنَاً، ( فيكون‌ حادثاً ) وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إلَهَاً ثَانِيَاً.

 لاَ يُقَالُ: كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْـرِي‌ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ المُحْدَثَاتُ، وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَصْـلٌ، وَلاَ لَهُ عَلَيْهَا فَضْـلٌ فَيَـسْـتَوِي‌ الصَّانِـعُ وَالمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَأُ المُبْتَدِي‌ُ (المُبْتَدِعُ) وَالبَدِيعُ.

 خَلَقَ الخَلاَئِقَ علی غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ علی خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنْشَأَ الارْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ، وَأَرْسَاهَا علی غَيْرِ قَرَارٍ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الاَوَدِ والاعْوِجَاجِ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالانْفِرَاجِ. أَرْسَي‌ أَوْتَادَهَا، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا، ( أقام‌ الجبال‌ في‌ كلّ إقليم‌ بما يناسبه‌ من‌ أجل‌ حفظه‌ ) وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا. فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ. هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ البَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرَفَتِهِ، وَالعَالِي‌ علی كُلِّ شَي‌ءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَعِـزَّتِهِ. لاَ يُعْجِـزُهُ شَـي‌ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلاَيَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسبِقَهُ، وَلاَ يَحْتَاجُ إلی ذِي‌ مَالٍ فَيَرْزُقَهُ.

 خَضَعَتِ الاَشْيَاءُ لَهُ وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَسْتَطِيعُ الهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إلی غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ، وَلاَ كُفوَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، وَلاَنَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيهِ. هُوَ المِفْنِي‌ لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّي‌ يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا. ( وتُسْتَبْدَلُ صفحة‌ عالم‌ العدم‌ بصفحة‌ عالم‌ الوجود بمظاهرها وظواهرها ) وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا. وَكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، وَمَا كَان‌ من‌ مُراحِهَا ( ما أُخذ إلی حظيرته‌ ليلاً ) وَسَائِمِهَا ( التي‌ تُطلق‌ وترعي‌ في‌ المراتع‌ ) وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا علی إحْدَاثِ بِعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ علی إحْدَاثِهَا، وَلاَعَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إلی إيجَادِهَا، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي‌ عِلْمِ ذَلِكَ وَتَاهَتْ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً عَارِفَةً بِأَ نَّهَا مَقْهُورَةٌ، ( ومغلوبة‌ بقوّة‌ الله‌ وسيطرة‌ سلطانه‌ ) مُقِرَّةً بِالعَجْزِ عَنْ إنْشَائِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا. ( لانّ إفناءها أيضاً بأساب‌ هي‌ بِيَدِ الله‌، فإذا لم‌يَشَأْ، لم‌تستطع‌ أن‌ تُهيّي‌ الاسباب‌، ويمكن‌ أن‌ يفيض‌ الله‌ تعالي‌ علی تلك‌ البعوضة‌ بقدرة‌ تساوي‌ قدرة‌ أهل‌ الدنيا كلّهم‌، وتغلبهم‌ بها ).

 وَإنَّ اللَهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَي‌ءِ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتَدِائِهَا كَذَلِكَ يَكُـونُ بَعْدَ فَنَـائِهَـا بِلاَ وَقْتٍ وَلاَ مَكَـانٍ، وَلاَ حِينٍ وَلاَزَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ وَالاوْقَاتُ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ، فَلاَشَي‌ءَ إلاَّ اللَهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الَّذِي‌ إلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الاُمُورِ.

 بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا. وَلَوْ قَدَرَتْ علی الامْتِنَاعِ دَامَ بَقَاؤُهَا. لَمْ يَتَكَأدْهُ ( لم‌ يعسر عليه‌ ) صُنْعُ شَي‌ءٍ مِنْهَا إذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَؤدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأهُ، وَلَمْ يُكَوّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلاَخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ، وَلاَ لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا علی نِدٍّ مُكَاثِر، ( شبيه‌ له‌ قوي‌ّ منازع‌ ) وَلاَ لِلاحْتِـرَازِ بِهَـا مِنْ ضِدٍّ مُثـاوِرٍ، ( ضدّ يخاصـم‌ ويعانـد ) وَلاَ لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي‌ مُلْكِهِ، وَلاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي‌ شِرْكِهِ، وَلاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إلَيْهَا.

 ثُمَّ هُـوَ يُفْنِيهَـا بَعْدَ تَكْـوِينَها، لاَ لِـسَـأَمٍ دَخَـلَ عَلَيْهِ فِي‌ تَصْـرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إلَيْهِ، وَلاَ لِثِقْلِ شَي‌ءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ. لَمْيُمِلَّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إلی سُرْعَةِ إفْنَائِهَا، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إلَيْهَا، وَلاَ اسْتِعَانَةٍ بِشَي‌ءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلاَ لانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إلی حالِ اسْتِئْنَاسٍ، وَلاَحَالِ جَهْلٍ وَعَميً إلی حَالِ عِلْمٍ وَالتِمَاسٍ؛ وَلاَمِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إلی غِنيً وَكَثْرَةٍ، وَلاَ مِنْ ذلٍّ وَضَعَةٍ إلی عِزٍّ وَقُدْرَةٍ. [10]

 تمّت‌ هذه‌ الخطبة‌ المباركة‌ هنا، ولمّا كانت‌ تحتوي‌ علی موضوعات‌ رائعة‌ سامقة‌ جدّاً، فقد أتينا عليها كلّها مع‌ بعض‌ التوضيحات‌. قال‌ الشريف‌ الرضي‌ّ جامع‌ « نهج‌ البلاغة‌ »: تجمع‌ هذه‌ الخطبة‌ من‌ أُصول‌ العلم‌ ما لاتجمعه‌ خطبة‌. [11]

 الثامن‌: جواب‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ لاعرابيّ يوم‌ الجمل‌ في‌ معني‌ التوحيد: روي‌ الشيخ‌ الصدوق‌ محمّد بن‌ عليّ بن‌ بابويه‌ القمّيّ في‌ كتاب‌ « التوحيد » وكتاب‌ « الخصال‌ » بسند متّصل‌، وفي‌ كتاب‌ « معاني‌ الاخبار » بسند متّصل‌ آخر، وكلا السندين‌ عن‌ المقدام‌ بن‌ شُرَيحْ بن‌ هاني‌، عن‌ أبيه‌ أنّ أعرابيّاً قام‌ يوم‌ الجمل‌ إلی أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، فقال‌:

 يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَتَقُولُ: إنَّ اللَهَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالُوا: يَا أَعْرَابِي‌ُّ! أَمَا تَرَي‌ مَا فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ القَلْبِ؟ ( أي‌ سؤالٍ هذا في‌ تلك‌ الجلبة‌ وهجوم‌ الهموم‌ والغموم‌؟) فَقَالَ أَمِيرُالمُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلاَمُ: دَعوُهُ فَإنَّ الَّذِي‌ يُرِيدُهُ الاَعْرَابِي‌ُّ هُوَ الَّذِي‌ نُرِيدُهُ مِنَ القَوْمِ. ( أصحاب‌ الجمل‌ ).

 ثُمَّ قَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ! إنَّ القَوْلَ فِي‌ أَنَّ اللَهَ وَاحِدٌ علی أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَوَجْهَانِ مِنْهَا لاَيَجُوزَانِ علی اللَهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَوَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ.

 فَأَمَّا اللَّذَانِ لاَ يَجُوزَانِ عَلَيْهِ، فَقُولُ القَائِلِ: وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الاَعْدَادِ. فَهَذَا مَا لاَ يَجُوزُ، لاِنَّ مَا لاَ ثَانِيَ لَهُ لاَ يَدْخُلُ فِي‌ بَابِ الاَعْدَادِ. أَمَا تَرَي‌ أَ نَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ: ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ؟ ( الاب‌، والابن‌، ورُوحُ القُدُس‌. أو الذات‌، والعلم‌، والحياة‌ ) وَقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الجِنْسِ. [12] فَهَذَا مَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، لاِ نَّهُ تَشبِيهٌ، وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَي‌.

 وَأَمَّا الوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ: فَقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي‌ الاَشْيَاءِ شِبْهٌ، كَذَلِكَ رَبُّنَا. وَقَوْلُ القَائِلِ: إنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدِيَّ المَعْنَي‌، يَعْنِي‌ بِهِ أَ نَّهُ لاَيَنْقَسِمُ فِي‌ وُجُودٍ وَلاَ عَقْلٍ وَلاَ وَهْمٍ. كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ. [13]

 التاسع‌: كلام‌ الإمام‌ ـعلي‌ ما نقل‌ الشيخ‌ المفيد في‌ « الإرشاد » ـ في‌ وجوب‌ المعرفة‌ بالله‌ تعالي‌، والتوحيد له‌، ونفي‌ التشبيه‌ عنه‌، والوصف‌ لعدله‌، وصنـوف‌ الحكمـة‌ والدلائل‌. فقـد روي‌ أبو بكر الهُـذلي‌ّ، عن‌ الزُهري‌ّ، وعيسي‌بن‌ يزيد، عن‌ صالح‌ بن‌ كيسان‌ أنّ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ قال‌ في‌ الحثّ علی معرفة‌ الله‌ تعالي‌ والتوحيد له‌:

 أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَهِ مَعْرِفَتُهُ، وَأَصْلُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، وَنِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْي‌ التَّشْبِيهِ عَنْهُ. [14] جَلَّ عَنْ أَنْ تَحِلَّهُ الصِّفَاتُ، لِشَهَادَةِ العُقُولِ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّتْهُ الصِّفَاتُ مَصْنُوعٌ، وَشَهَادَةِ العُقُولِ أَ نَّهُ جَلَّ وَعَلاَ صَانِعٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ.

 بِصُنْعِ اللَهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَبِالعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ، وَبِالنَّظَرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ. جَعَلَ الخَلْقِ دَلِيلاً عَلَيْهِ فَكَشَفَ بِهِ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ. هُوَ الوَاحِدُ الفَرْدُ فِي‌ أَزَلِيَّتِهِ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي‌ إلَهِيَّتِهِ، وَلاَ نِدَّ لَهُ فِي‌ رُبُوبِيَّتِهِ. بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الاَشْيَاءِ المُضَادَّةِ، عُلِمَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الاُمُورِ المُقْتَرِنَةِ، عُلِمَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ. فِي‌ كَلاَمٍ طَوِيلٍ يَطُولُ بِإثْبَاتِهِ الكِتَابُ. [15]

 وذكر الشيخ‌ المفيد بعد هذا الكلام‌ أيضاً أنّ ممّا حفظ‌ عنه‌ عليه‌ السلام‌ في‌ نفي‌ التشبيه‌ عن‌ الله‌ تعالي‌ ما رواه‌ الشعبيّ، قال‌: سمع‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ رجلاً يقول‌: وَالَّذِي‌ احْتَجَبَ بِسَبْعٍ طِبَاقٍ، فعلاه‌ بالدِّرّة‌، ثمّ قال‌ له‌: وَيْلَكَ! إنَّ اللَهَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَحْتَجِبَ عَنْ شَي‌ءٍ، أَوْ يَحْتَجَبَ عَنْهُ شَي‌ءٌ. سُبَحَانَ الَّذِي‌ لاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَخْفَي‌ عَلَيْهِ شَي‌ءٌ فِي‌ الارْضِ وَلاَفِي‌ السَّمَاءِ.

 فقال‌ الرجل‌: أفأكفّر عن‌ يميني‌، يا أمير المؤمينن‌؟ قال‌: لاَ، إنَّكَ لَمْ تَحْلِفْ بِاللَهِ فَتَلْزِمَكَ كَفَّارَةُ الحَنْثِ، وَإنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِهِ. [16]

 العاشر: كلامه‌ عليه‌ السلام‌ في‌ خطبة‌ أُخري‌ أحدثت‌ انقلاباً حقّاً بعباراتها الموجزة‌ في‌ عرض‌ التوحيد الخالص‌، وعدم‌ تعدّد ذات‌ الحقّ تعالي‌. وذكر الشيخ‌ الطبرسي‌ّ هذه‌ الخطبة‌ في‌ « الاحتجاج‌ » فقال‌: قال‌ عليه‌ السلام‌:

 دَلِيلُهُ آيَاتُهُ، وَوُجُودُهُ إثْبَاتُهُ، وَمَعْرَفِتُهُ تَوْحِيدُهُ، وَتَوْحِيدُهُ تَمِييزُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَحُكْمُ التَّمِييزِ بَيْنُونَةُ صِفَةٍ لاَ بَيْنُونَةُ عُزْلَةٍ. إنَّهُ رَبٌّ خَالِقٌ غَيْرُ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٍ، كُلُّ مَا تُصُوِّرَ فَهُوَ بِخَلاَفِهِ.

 ثمّ قال‌ عليه‌ السلام‌: لَيْسَ بِالَهٍ مَنْ عُرِفَ بِنَفْسِهِ. هُوَ الدَّالُّ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَالمُؤدِّي‌ّ بِالمَعْرِفَةِ إلَيْهِ. [17]

 الحادي‌ عشر: الخطبة‌ الثالثة‌ والثمانون‌ والمائة‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »:

 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‌ لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ المَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالُّ علی قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ علی وُجُودِهِ، وَبِاشتِبَاهِهِمْ علی أَنْ لاَ شِبْهَ لَهُ. الَّذِي‌ صَدَقَ فِي‌ مِيعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالقِسْطِ فِي‌ خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي‌ حُكْمِهِ.

 مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الاَشْيَاءِ علی أَزَلِيَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ العَجْزِ علی قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إلَيْهِ مِنَ الفَنَاءِ علی دَوَامِهِ.

 وَاحِدٌ لاَ بِعَدِدٍ، وَدَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ، وَقَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ.

 تَتَلَقَّاهُ الاَذْهَانُ لاَ بِمُشَـاعَرَةٍ، وَتَشْـهَدُ لَهُ المَرَائِي‌ لاَبِمُحَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الاَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّي‌ لَهَا بِهَا ( إذ إنّ معرفة‌ الله‌ تتمّ عبر هذه‌ الافكار )، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا ( ذلك‌ أنّ القوي‌ الوهميّة‌ عاجزة‌ عن‌ إدراك‌ المعاني‌ الكلّيّة‌ والمجرّدات‌، بما فيها واجب‌ الوجود المجرّد من‌ جميع‌ الجهات‌ )، وَإلَيْهَا حَاكَمَهَا ( لانّ الاوهـام‌ جميعها حائـرة‌ في‌ معـرفته‌، معترفة‌ بعدم‌ إمكانها، مذعنة‌ بعجـزها وحقارتهـا أمـام‌ عظمته‌ وعلوّ شـأنه‌ ورفعته‌ ). لَيْسَ بِذِي‌ كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيَماً، وَلاَ بِذِي‌ عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيدَاً، بَلْ كَبُرَ شَأْنَاً، وَعَظُمَ سُلْطَاناًـ الخطبة‌. [18]

 الثاني‌ عشر: رواية‌ رواها الشيخ‌ الصدوق‌ في‌ « معاني‌ الاخبار » بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ عمر بن‌ علی بن‌ أبي‌ طالب‌، عن‌ أبيه‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ أ نّه‌ قال‌: قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌:

 التَّوْحيدُ ظَاهِرُهُ فِي‌ بَاطِنِه‌، وَبَاطِنُهُ فِي‌ ظَاهِرِهِ. ظَاهِرُهُ مَوْصُوفٌ لاَ يُرَي‌، وَبَاطِنُهُ مَوْجُودٌ لاَ يَخْفَي‌، يُطْلَبُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ. حَاضِرٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَغَائِبٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ. [19]

 هذه‌ الاحاديث‌ الاثنا عشر تمثّل‌ نموذجاً من‌ الاحاديث‌ المأثورة‌ عن‌ أئمّة‌ الشيعة‌ في‌ توحيد الذات‌ الإلهيّة‌ المقدّسة‌. وأنّ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ هو فاتح‌ هذا الباب‌، وحلاّل‌ هذه‌ المسألة‌ للاُ مّة‌، إذ بيّن‌ للناس‌ بمنطقهِ البليغِ التوحيدَ الذي‌منحه‌ الحقُّ سبحانه‌ وتعالي‌ خاتمَ أنبيائه‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌.

توضيح‌ وتفسير التوحيد الحقّ الحقيقي‌ّ لذات‌ الحقّ تعالي‌

 ومجمل‌ هذه‌ الحقيقة‌ هو أنّ الذات‌ الإلهيّة‌ المقدّسة‌ تامّة‌، بل‌ فوق‌ التمام‌، وما لا يتناهي‌ بما لا يتناهي‌، أي‌: هي‌ غير متناهية‌ أزلاً وأبداً وسرمداً ووجوداً وسعة‌ وعموماً وإطلاقاً واسماً وصفة‌ وفعلاً. ولاتخضع‌ لحدّ وقيد وقياس‌ بأي‌ّ وجه‌ من‌ الوجوه‌. وما يلزم‌ هذا الوجود هو الوجوب‌ والوحدة‌. والوحدة‌ أعظم‌ صفة‌ من‌ صفات‌ الله‌ عزّ شأنه‌، وهي‌ ليست‌ من‌ سنخ‌ الوحدات‌ العدديّة‌، والنوعيّة‌، والجنسيّة‌ وما شابهها ممّا تتّصف‌ به‌ الممكنات‌، بل‌ هي‌ الوحدة‌ الحقّة‌ الحقيقيّة‌ المعبَّر عنها بالوحدة‌ بالصِّرافة‌. أي‌: الوحدة‌ التي‌ يستحيل‌ مع‌ وجودها فرض‌ إمكان‌ تعدّدها، وكلّ ما يُفْرَضُ في‌ قبالها، يعود إليه‌ نفسه‌. وأنّ ما تستلزمه‌ هذه‌ الوحدة‌ هو تشخّص‌ الوجود والاصالة‌ والثبوت‌، التي‌ هي‌ عين‌ الوجود والتحقّق‌.

 فلهذا، أنّ وجـوده‌ المقـدّس‌ علی درجـة‌ من‌ الـسـعة‌ والإطـلاق‌ وعدم‌التناهي‌ بالحدود، بحيث‌ إنّه‌ حاضر في‌ كلّ مكان‌، ومراقب‌ في‌ كلّ زمان‌، وهو مع‌ الموجودات‌ كلّها، وَبَأْسْمَائِكَ الَّتي‌ مَلاَتْ أَرْكَانَ كُلِّ شَي‌ءٍ... وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي‌ أَضَاءَ لَهُ كُلُّ شَي‌ءٍ. [20]

 ولا يمكن‌ فرض‌ شي‌ء في‌ مكان‌ وزمان‌ لا يكون‌ فيه‌ حاقّ وجوده‌ ولبّ ثبوته‌، وإلاّ ينعزل‌ منه‌، ويُحَدُّ وجوده‌ به‌. وذات‌ الله‌ بوحدتها وبساطتها موجودة‌ مع‌ كلّ شي‌ء. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ. [21] وكلّ شي‌ءٍ قائم‌ به‌، وحاضر عنده‌.

 والله‌ تعالي‌ لا يغيب‌ عن‌ شي‌ء، ولا يغيب‌ عنه‌ شي‌ء، ولا يفقد منه‌ شي‌ء، ولا يخلو منه‌ مكان‌ ولو بقدر غمضة‌ عين‌. هو في‌ كلّ مكان‌، وهو محيط‌ بكلّ شي‌ء. وَهُوَ عَلَي‌' كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. [22] أَلآ إِنَّهُ و بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ. [23]

 إنّ وجود الموجودات‌ أوّلا وبالذات‌ قائم‌ به‌، وثانياً وبالعرض‌ من‌ أجله‌. ولقد طُبع‌ علی ناصيتها بختم‌ الإمكان‌، وإنّها لمعلولة‌ ومخلوقة‌ وضعيفة‌ وفقيرة‌ وعاجزة‌ وإنّ وجود الله‌ البحت‌ والبسيط‌ والمطلق‌ قوام‌ الموجودات‌ بأسرها، والاصل‌ الاصيل‌ للاشياء برمّتها. هُوَ الاَوَّلُ وَالاَخِرُ وَالظَّـ'هِرُ وَالبـ'طِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. [24]

 إنّ الاوصاف‌ التي‌ تتّصف‌ بها الذات‌ الإلهيّة‌ كالحياة‌، والعلم‌، والقدرة‌ هي‌ مفاهيم‌ يدركها العقل‌، ويثبت‌ برهانها لذاته‌. وهذه‌ المفاهيم‌ بما هي‌ مفاهيم‌ محدودة‌ ومتمايزة‌ فيما بينها، ولا سبيل‌ لها في‌ ذاته‌، وإلاّ يلزم‌ التركيب‌ والكثرة‌ في‌ ذاته‌، وتجتمع‌ الصفات‌ المتضادّة‌ والمتعدّدة‌ فيها.

 وشأن‌ المفهوم‌ الكلّيّة‌ والكثرة‌، ولو ضممنا إليها ألف‌ قيد، فلايخرج‌ عن‌ الكثرة‌ والمفهوم‌. مثلاً لو قلنا: علمه‌ كبير ولا يتناهي‌، فهو مفهوم‌. ولو قلنا: علمه‌ ليس‌ كعلم‌ سائر الموجودات‌، فهو أيضاً مفهوم‌ ومثار الكثرة‌. فتكثير القيود لا يصنع‌ منه‌ شخصاً خارجيّاً، ولا يفصله‌ عن‌ الكثرة‌ والمفهوم‌. وأنّ مصداق‌ هذه‌ المفاهيم‌ في‌ الخارج‌، إذ هي‌ الوجود الخارجيّ للاسماء والصفات‌، محدودة‌ ومتمايزة‌ بعنوانها، ولا مكان‌ لها في‌ الذات‌ الإلهيّة‌، وليس‌ لها سبيل‌ إلی تلك‌ الذروة‌ العالية‌، حتّي‌ تحوز عنوان‌ الصفات‌ والكثرة‌. نعم‌، إذا فقدت‌ صفة‌ العلم‌ والحياة‌ والقدرة‌ وما شابهها كثرتَها، وخُلصت‌ من‌ الحدود، أي‌: صارت‌ حقيقة‌ العلم‌ بدون‌ مفهومه‌ وحدّه‌، وحقيقة‌ الحياة‌ بدون‌ مفهومها وحدّها، وحقيقة‌ القدرة‌ بدون‌ مفهومها وحدّها، فحينئذٍ أصبحت‌ حقيقة‌ واحدة‌ هي‌ نفس‌ الذات‌، وعين‌ العلم‌، وعين‌ الحياة‌، وعين‌ القدرة‌. لذلك‌ لا صفة‌ للذات‌ في‌ باطنها، وأنّ ما فيها هو عينها.

 وسرّ هذا المطلب‌ هو أنّ شأن‌ المفهوم‌ التناهي‌ والمحدوديّة‌. وكلّ مفهوم‌ منعزل‌ عن‌ المفهوم‌ الآخر. فمفهوم‌ العلم‌ ـوإن‌ كان‌ لايتناهي‌ـ هو غيرمفهوم‌ القدرة‌، ومفهوم‌ كلّ منهما هو غير مفهوم‌ الحياة‌. ولذلك‌ فهذه‌ الاسماء والصفات‌ [25] كانت‌ محدودة‌، وهي‌ غير ذات‌ الحقّ. وعلي‌ الرغم‌ من‌ أ نّها كلّها لاتتناهي‌، لكنّها لمّا كانت‌ لها صبغة‌ الغيريّة‌، فهي‌ ما دون‌ الذات‌، وفي‌ درجة‌ أوطأ.

 إنّ ما في‌ الذات‌ هو حاقّ العلم‌ الذي‌ هو ما فوق‌ حدّه‌ المفهومي‌ّ، وحاقّ القدرة‌ والحياة‌ الذي‌ هو ما فوق‌ حدّه‌ المفهومي‌ّ أيضاً. وفي‌ ذات‌ الحي‌ّ العليم‌ القدير بساطة‌ محضة‌ ووحدة‌ محضة‌. وهذه‌ المفاهيم‌ اندكّت‌ واضمحلّت‌ وفنيت‌ هناك‌، وفقدت‌ حدودها بواسطة‌ عظمتها وسيطرتها وقدرتها وبساطتها المحضة‌ ووحدتها الصافية‌ الخالصة‌. وهناك‌ تكون‌ الحياة‌ عين‌ الذات‌، والعلم‌ والقدرة‌ عين‌ الذات‌، والعلم‌ عين‌ القدرة‌، والقدرة‌ عين‌ الحياة‌، وكلّ واحدة‌ من‌ الصفات‌ هي‌ عين‌ الصفات‌ الاُخري‌.

 وعلي‌ أساس‌ سعة‌ ذاته‌ هذه‌، وبساطته‌ وعموميّته‌ وإطلاقه‌ الوجوديّ هذا، لايمكن‌ أن‌ نتصوّر مكاناً وزماناً ليس‌ فيهما الله‌ الاحد بوجوده‌ ووحدته‌ ونوره‌ وحياته‌ وعلمه‌ وقدرته‌. إذ لا سبيل‌ إلی تجزئة‌ وجوده‌ الاقدس‌ وتكثيره‌، ولا تغاير ولا تمايز بين‌ ظاهره‌ وباطنه‌. فظاهره‌ في‌ باطنه‌، وباطنه‌ في‌ ظاهره‌. وإنّ اختلاف‌ الظاهر والباطن‌ يعود إلی الحدّ الذي‌ يفصل‌ بينهما. وإذا رفعنا هذا الحدّ الذي‌ هو في‌ الله‌ اعتباريّ لاحقيقي‌ّ، يكونان‌ شيئاً واحداً.

 من‌ هذا المنطلق‌ هو موجود بوجوده‌ في‌ جميع‌ الاشياء، بَيدَ أنّ عنوان‌ الولوج‌ والدخول‌ لايعني‌ الحلول‌ والاتّحاد. إذ لا معني‌ للثنائيّة‌ هنا، ولانلحظ‌ إلاّ التوحيد فحسب‌، بمعني‌ السعة‌ الوجوديّة‌ للتوحيد وتحقّقه‌، وهو ليس‌ في‌ الاشياء بسبب‌ محدوديّة‌ إنّيَّتها وماهيّتها. وهذا هو المقصود من‌ دُرر كلم‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، إذ إنّ بينونته‌ من‌ الاشياء هي‌ بينونة‌ الصفة‌، لابينونة‌ العزلة‌.

 أجل‌، إنّ هذا الضرب‌ من‌ تفسير التوحيد مختصّ بالقرآن‌ الكريم‌ وخاتم‌ الانبياء والمرسلين‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ أجمعين‌، ولم‌يُؤثَر عن‌ سائر الكتب‌ السماويّة‌ والانبياء السابقين‌. وهذا هو أعظم‌ أمر يدلّ علی أشرفيّة‌ القرآن‌ وأفضليّة‌ النبي‌ّ الاعظم‌ بالنسبة‌ إلی سائر الكتب‌ والانبياء.

 وقال‌ غوستاف‌ لوبون‌ الفرنسيّ في‌ كتاب‌ « حضارة‌ العرب‌ »: « إنّ التوحيد الذي‌ أتي‌ به‌ نبي‌ّ الإسلام‌ محمّد أعلي‌ وأرقي‌ من‌ توحيد عيسي‌ المسيح‌ ».

 لقد أخذ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ حاقّ التوحيد وحقيقته‌ من‌ النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌الله‌ عليه‌ وآله‌، ورسّخ‌ ذلك‌ في‌ صُقع‌ وجوده‌ بقدم‌ الثبات‌ وسير العوالم‌ اللامتناهية‌، وبلغ‌ أعلي‌ ذروة‌ من‌ مقام‌ الإنسان‌ الكامل‌، وإنّ التعابير التي‌ أطلقها علی الذات‌ الاحديّة‌ المقدّسة‌ وصفاتها في‌ هذه‌ الخطب‌ كلّها وجدانيّاته‌ ومشاهداته‌ الباطنيّة‌ والسرّيّة‌، ومدركاته‌ الحضوريّة‌ ومكاشفاته‌ الحقّة‌ الحقيقيّة‌ وعلومه‌ السرمديّة‌، إذ يرفع‌ عنها الحجاب‌ كالشمس‌ المتأ لّقة‌، ويعرّف‌ الناسَ محبوبه‌ ومعشوقه‌ ومولاه‌.

كلام‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ حول‌ خطب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد

 وقام‌ سماحة‌ أُستاذنا الاكرم‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ رضوان‌ الله‌ تعالي‌ عليه‌ بتفسير وتوضيح‌ بعض‌ هذه‌ الخطب‌ في‌ تفسير « الميزان‌ » بنحو مفصّل‌. [26] ثمّ ذكر بعدها في‌ بحث‌ تأريخي‌ّ قائلاً: القول‌ بأنّ للعالم‌ صانعاً، ثمّ القول‌ بأ نّه‌ واحد من‌ أقدم‌ المسائل‌ الدائرة‌ بين‌ متفكّري‌ هذا النوع‌ ( البشري‌ّ ) تهديه‌ إليه‌ فطرته‌ المركوزة‌ فيه‌، حتّي‌ أنّ الوثنيّة‌ المبنيّة‌ علی الإشراك‌، إذا أمعنّا في‌ حقيقة‌ معناها وجدناها مبنيّة‌ علی أساس‌ توحيد الصانع‌، وإثبات‌ شفعاء عنده‌ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلی اللَهِ زُلُفَي‌'،[27] وإن‌ انحرفت‌ بعد عن‌ مجراها، وآل‌ أمرها إلی إعطاء الاستقلال‌ والاصالة‌ لآلهة‌ دون‌ الله‌.

 والفطرة‌ الداعية‌ إلی توحيد الإله‌، وإن‌ كانت‌ تدعو إلی إله‌ واحد غيرمحدود العظمة‌ والكبرياء ذاتاً وصفة‌، غير أنّ إلفة‌ الإنسان‌ وأ نّه‌ في‌ ظرف‌ حياته‌ بالآحاد العدديّة‌ من‌ جانب‌، وبلاء الملّيّين‌ بالوثنيّين‌ والثنويّين‌ وغيرهم‌ لنفي‌ تعدّد الآلهة‌ من‌ جانب‌ آخر سجّل‌ عدديّة‌ الوحدة‌، وجعل‌ حكم‌ الفطرة‌ المذكورة‌ كالمغفول‌ عنه‌.

 ولذلك‌ تري‌ المأثور من‌ كلمات‌ الفلاسفة‌ الباحثين‌ في‌ مصر القديمة‌ واليونان‌ والإسكندريّة‌ وغيرهم‌ ممّن‌ بعدهم‌ يعطي‌ الوحدة‌ العدديّة‌، حتّي‌ صرّح‌ بها مثل‌ الشيخ‌ الرئيس‌ ابن‌ سينا في‌ كتاب‌ « الشفاء ». وعلي‌ هذا المجري‌ يجري‌ كلام‌ غيره‌ ممّن‌ بعده‌ إلی حدود الالف‌ من‌ الهجرة‌ النبويّة‌. وأمّا أهل‌ الكلام‌ من‌ الباحثين‌ فاحتجاجاتهم‌ علی التوحيد لاتعطي‌ أزيد من‌ الوحدة‌ العدديّة‌ أيضاً في‌ عين‌ أنّ هذه‌ الحجج‌ مأخوذة‌ من‌ الكتاب‌ العزيز عامّة‌؛ فهذا ما يتحصّل‌ من‌ كلمات‌ أهل‌ البحث‌ في‌ هذه‌ المسألة‌.

 فالذي‌ بيّنه‌ القرآن‌ الكريم‌ من‌ معني‌ التوحيد، فهو أوّل‌ خطوة‌ خطيت‌ في‌ تعليم‌ هذه‌ الحقيقة‌ من‌ المعرفة‌، غير أنّ أهل‌ التفسير والمتعاطين‌ لعلوم‌ القرآن‌ من‌ الصحابة‌ والتابعين‌، ثمّ الذين‌ يلونهم‌ أهملوا هذا البحث‌ الشريف‌، فهذه‌ جوامع‌ الحديث‌ وكتب‌ التفسير المأثورة‌ منهم‌ لاتري‌ فيها أثراً من‌ هذه‌ الحقيقة‌ لا ببيان‌ شارح‌، ولا بسلوك‌ استدلالي‌ّ. ولم‌نجد ما يكشف‌ عنها غطاءها إلاّ ما ورد في‌ كلام‌ الإمام‌ علي‌ّبن‌ أبي‌ طالب‌ عليه‌ أفضل‌ السلام‌ خاصّة‌. فإنّ كلامه‌ هو الفاتح‌ لبابها، والرافع‌ لسترها وحجابها علی أهدي‌ السبيل‌ وأوضح‌ طريق‌ من‌ البرهان‌، ثمّ ما وقع‌ في‌ كلام‌ الفلاسفة‌ الإسلاميّين‌ بعد الالف‌ الهجري‌ّ،[28] وقد صرّحوا بأ نّهم‌ إنّما استفادوه‌ من‌ كلامه‌ عليه‌ السلام‌.

 وهذا هو السرّ في‌ اقتصارنا في‌ البحث‌ الروائيّ السابق‌ علی نقل‌ نماذج‌ من‌ غرر كلامه‌ عليه‌ السلام‌، لانّ السلوك‌ في‌ هذه‌ المسألة‌ وشرحها من‌ مسلك‌ الاحتجاج‌ البرهانيّ لايوجد في‌ كلام‌ غيره‌ عليه‌ السلام‌... والجميع‌ مبنيّة‌ علی صرافة‌ الوجود وأحديّة‌ الذات‌ جلّت‌ عظمته‌.

 ثمّ ذكر العلاّمة‌ رضوان‌ الله‌ عليه‌ في‌ الهامش‌ قائلاً: وللناقد البصير والمتدبّر المتعمّق‌ أن‌ يقضي‌ عجباً من‌ ما صدر من‌ الهفوة‌ من‌ عدّة‌ من‌ العلماء الباحثين‌ [29]حيث‌ ذكروا أنّ هذه‌ الخطب‌ العلويّة‌ الموضوعة‌ في‌ « نهج‌ البلاغة‌ » موضوعة‌ دخيلة‌، وقد ذكر بعضهم‌ أنّها من‌ وضع‌ الشريف‌ الرضي‌ رحمه‌ الله‌. [30]

 وليت‌ شعري‌: كيف‌ يسع‌ للوضع‌ والدسّ أن‌ يتسرّب‌ إلی موقف‌ علمي‌ّ دقيق‌ لم‌ يقو بالوقوف‌ عليه‌ أفهام‌ العلماء حتّي‌ بعد ما فتح‌ عليه‌ السلام‌ بابه‌ ورفع‌ ستره‌ قروناً متمادية‌ إلی أن‌ وفّق‌ لفهمه‌ بعد ما سير في‌ طريق‌ الفكر المترقّي‌ّ مسير ألف‌ سنة‌، ولا أطاق‌ حمله‌ غيره‌ من‌ الصحابة‌، ولاالتابعون‌.

 بل‌ كلام‌ هؤلاء الرامين‌ بالوضع‌ ينادي‌ بأعلي‌ صوته‌ إنّهم‌ كانوا يظنّون‌ أنّ الحقائق‌ القرآنيّة‌ والاُصول‌ العلميّة‌ العالية‌ ليسـت‌ إلاّ مفاهيم‌ مبتذلة‌ عامّيّة‌، وإنّما تتفاضل‌ باللفظ‌ الفصيح‌ والبيان‌ البليغ‌. [31]

 ذكرنا هذا النموذج‌ هنا ليستبين‌ أنّ ما جاء في‌ الخطب‌ والروايات‌ ليس‌ مطالب‌ مبتذلة‌ عامّيّة‌، بل‌ إنّ كثيراً منها يحتاج‌ إلی فهم‌ قويّ وبرهان‌ قويم‌. ومن‌ هذا المنطلق‌ كان‌ أُستاذنا سماحة‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ قدّس‌الله‌ نفسه‌ الزكيّة‌ يري‌ أنّ تقوية‌ الفكر وتصحيح‌ القياس‌، وبعامّة‌، تعلّم‌ المنطق‌ والفلسفة‌ أشياء ضروريّة‌، وكان‌ يعتقد أنّ الفلسفة‌ حلاّلة‌ العُقَد والدليل‌ الوحيد في‌ هذا الباب‌ قبل‌ الرجوع‌ إلی هذه‌ الخزائن‌ العلميّة‌ والدفائن‌ الملكوتيّة‌ لاهل‌ البيت‌ عليهم‌ السلام‌.

 وعند هذه‌ النقطة‌ نختم‌ بحثنا في‌ توحيد ذات‌ الاحد المقدّس‌ سبحانه‌ وتعالي‌ في‌ ضوء هذه‌ الخطب‌ الثمينة‌ العصماء، واكتفينا ببحث‌ مجمل‌ حولها. وسـيأتي‌ بحث‌ اسـتدلاليّ مفصّل‌ حول‌ الوحـدة‌ الإلهيّة‌ الحقّة‌ الحقيقيّة‌، والإفادة‌ المفصّلة‌ من‌هذه‌الخطب‌المباركة‌في‌كتابنا«الله‌شناسي‌»(=معرفة‌الله‌) من‌ دورة‌ العلـوم‌ والمعارف‌ الإسلاميّة‌ بِحَوْلِ اللَهِ وَقُوَّتِهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَقُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العَلِي‌ِّ العَظِيمِ.

 ونعود الآن‌ إلی كلام‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌: سَلُونِي‌ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي‌، وقوله‌ الآخر: لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ، وبشأن‌ الكلام‌ الاوّل‌، روي‌ العلاّمة‌ البحراني‌ّ في‌ « غاية‌ المرام‌ » عن‌ طريق‌ العامّة‌ سبع‌ روايات‌ عن‌ « مسـند أحمدبن‌ حنبل‌ »، والخوارزميّ، والحمّوئي‌ّ، وابن‌ أبي‌ الحديد، وغيرهم‌، وروي‌ عن‌ طريق‌ الخاصّة‌ سبع‌ روايات‌ أيضاً عن‌ الصدوق‌ في‌ « الامالي‌ » وغيره‌، وتفسير محمّد بن‌ عبّاس‌ بن‌ مروان‌، و « الامالي‌ » للشيخ‌ الطوسي‌ّ، ومحمّدبن‌ الحسن‌ الصفّار في‌ « بصائر الدرجات‌ »، والشيخ‌ المفيد في‌ « الامالي‌ ». [32] وبشأن‌ الكلام‌ الثاني‌، روي‌ فيه‌ أربع‌ روايات‌ عن‌ طريق‌ العامّة‌، عن‌ الخوارزميّ وابن‌ المغازليّ، والحمّوئيّ، وروي‌ تسع‌ عشرة‌ رواية‌ عن‌ طريق‌ الخاصّة‌، عن‌ الكلينيّ في‌ « الكافي‌ »، والمفيد في‌ « الاختصاص‌ »، والصفّار في‌ « بصائر الدرجات‌ »، والشيخ‌ الطوسيّ في‌ « الامالي‌ّ ». [33]

 وكان‌ عبدالله‌بن‌ الكوّاء أحد الخوارج‌ الذين‌ قُتلوا في‌ النهروان‌. وعندما كان‌ في‌ عداد أصحاب‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، كان‌ يسأله‌ أسئلة‌ في‌ غيرسَدَد ليؤذيه‌ ويحرجه‌، متربّصاً صدور زلّة‌ منه‌، حتّي‌ يتّخذها مستمسكاً للتشهير به‌ والإرجاف‌ عليه‌.

 

ارجاعات


[1] ـ ذكر الشيخ‌ المفيد مثل‌ هذه‌ الرواية‌ في‌ «الإرشاد»، ص‌ 125، الطبعة‌ الحجريّة‌. قال‌: روي‌ أهل‌ السيرة‌ وعلماء النقلة‌ أنّ رجلاً جاء إلی أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ فقال‌ له‌: يا أميرالمؤمنين‌! خبّرني‌ عن‌ الله‌ تعالي‌ أرأيته‌ حين‌ عبدتَه‌؟ فقال‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: لم‌أك‌ بالذي‌ أعبد من‌ لم‌ أره‌. فقال‌ له‌: كيف‌ رأيتَه‌؟ فقال‌ له‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: ويحك‌! لم‌ تره‌ العيون‌ بمشاهدة‌ الابصار، ولكن‌ رأته‌ القلوب‌ بحقائق‌ الإيمان‌، معروف‌ بالدلالات‌، منعوت‌ بالعلامات‌، لا يقاس‌ بالناس‌، ولا تدركه‌ الحواسّ. فانصرف‌ الرجل‌ وهو يقول‌: الله‌ أعلم‌ حيث‌ يجعل‌ رسالاته‌.

[2] ـ الآية‌ 49، من‌ السورة‌ 51: الذاريات‌.

[3] ـ كانوايظنّون‌ في‌ القديم‌ أنّ الذكورة‌ والاُنوثة‌ مخصوصة‌ بالإنسان‌ والحيوان‌، ثمّ ثبت‌ أنّ الاشجار والنباتات‌ مشمولة‌ بهذا الاختلاف‌، فبعضها ذكر، وبعضها أُنثي‌. وقوله‌ تعالي‌: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ يصرّح‌ بهذا المعني‌. أمّا الجمادات‌ والاحجار فلا توالد ولا تناسل‌ ولاذكورة‌ ولا أُنوثة‌ فيها أبداً. والآية‌ الكريمة‌: وَمِن‌ كُلِّ شيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أثبتت‌ أنّ الله‌ خلق‌ من‌ كلّ شي‌ء زوجين‌ ذكر وأُنثي‌. وثبت‌ اليوم‌ في‌ علم‌ الفيزياء أنّ جميع‌ الاجسام‌ وذرّاتها حاملة‌ لإحدي‌ القوّتين‌ المختلفتين‌: إمّا فيها كهربائيّة‌ موجبة‌ أو سالبة‌. وإذا كان‌ هذان‌ النوعان‌ من‌ جنس‌ واحد واجتمعا في‌ مكان‌ واحد، كرقّاصَي‌ الساعة‌ اللذين‌ فيهما شحنتان‌ موجبتان‌ أو سالبتان‌، فإنّهما يتدافعان‌. وإذا كانا من‌ جنسين‌ كالرقّاص‌ الذي‌ له‌ شحنة‌موجبة‌ مع‌ الرقّاص‌ الذي‌ له‌ شحنة‌ سالبة‌، فإنّهما يتجاذبان‌. وأنّ الكلام‌ المعجز لاميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: مؤلّف‌ بين‌ متعادياتها، مفرّق‌ بين‌ متدانياتها، ثمّ استشهاده‌ عليه‌ السلام‌ بالآية‌ الكريمة‌: وَمِن‌ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ يبيّن‌ موضعه‌ ومحلّه‌ جيّداً.

[4] ـ قال‌ في‌ «بحار الانوار»: وفي‌ نسخة‌ (ج‌) و(و): وكان‌... إلی آخره‌.

[5] ـ «التوحيد» للشيخ‌ الصدوق‌، ص‌ 308 و 309، الحديث‌ الثاني‌ من‌ الباب‌ 43؛ ورواه‌ (سؤال‌ ذعلب‌) الكلينيّ في‌ «أصول‌ الكافي‌» ج‌ 1، ص‌ 138 و 139، الحديث‌ الرابع‌، باب‌ جوامع‌ التوحيد، طبعة‌ حيدري‌، عن‌ محمّد بن‌ أبي‌ عبد الله‌ مرفوعاً، عن‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌، عن‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ خطبته‌. ورواه‌ الشريف‌ الرضي‌ رحمه‌الله‌ في‌ «نهج‌ البلاغة‌» الخطبة‌ 184، شرح‌ محمّد عبده‌، طبعة‌ مصر، ص‌ 354 إلی 361 مع‌ إضافات‌؛ و«التوحيد» ص‌ 34 إلی 41؛ و«عيون‌ أخبار الرضا» للصدوق‌ أيضاً، ج‌ 1، ص‌ 150 إلی 153، طبعة‌ انتشارات‌ جهان‌ (=إصدارات‌ العالم‌)، مع‌ إضافات‌ في‌ العبارات‌، عن‌ الإمام‌ الرضا عليه‌ السلام‌. وفي‌ «عيون‌ أخبار الرضا» و«التوحيد» عن‌ محمّد بن‌ الحسن‌ بن‌ أحمد بن‌ الوليد، عن‌ محمّدبن‌ عمرو الكاتب‌، عن‌ محمّد بن‌ زياد القلزميّ، عن‌ محمّد بن‌ أبي‌ زياد الجُدّي‌ّ، عن‌ محمّدبن‌ يحيي‌بن‌ عمر بن‌ علی بن‌ أبي‌ طالب‌، قال‌: سمعتُ أبا الحسن‌ الرضا عليه‌ السلام‌ يتكلّم‌ بهذا الكلام‌ في‌ التوحيد عند المأمون‌. قال‌ ابن‌ أبي‌ زياد: ورواه‌ لي‌ أيضاً أحمدبن‌ عبدالله‌ العلوي‌ّ مولي‌ لهم‌ وخالاً لبعضهم‌ عن‌ القاسم‌ بن‌ أيّوب‌ العلوي‌ّ أنّ المأمون‌ لمّا أراد أن‌ يستعمل‌ الرضا عليه‌ السلام‌ علی هذا الامر، جمع‌ بني‌ هاشم‌ (بني‌ العبّاس‌) فقال‌: إنّي‌ أُريد أن‌استعمل‌ الرضا علی هذا الامر من‌ بعدي‌، فحسده‌ بنو هاشم‌، وقالوا: أتولّي‌ رجلاً جاهلاً ليس‌له‌ بصيرة‌ بتدبير الخلافة‌؟ فابعث‌ إليه‌ رجلاً يأتنا فنري‌ من‌ جهل‌ ما يستدلّ به‌ عليه‌، فبعث‌ إليه‌ فأتاه‌، فقال‌ له‌ بنو هاشم‌: يا أبا الحسن‌! اصعد المنبر وانصب‌ لنا عَلَماً في‌ التوحيد نعبد الله‌ عليه‌. فصعد عليه‌ السلام‌ المنبر، فقعد مليّاً لا يتكلّم‌ مطرقاً، ثمّ انتفض‌ انتفاضة‌، واستوي‌ قائماً، وحمد الله‌ وأثني‌ عليه‌. وصلّي‌ عليه‌ نبيّه‌ وأهل‌ بيته‌، ثمّ قال‌: أوّل‌ عبادة‌الله‌ معرفته‌... إلی آخر الخطبة‌.

[6] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1، ص‌ 14 إلی 16، الخطبة‌ الاُولي‌، طبعة‌ مصر، شرح‌ وتعليق‌ الشيخ‌ محمّد عبده‌؛ وذكرها الطبرسي‌ّ أيضاً في‌ «الاحتجاج‌» ج‌ 1، ص‌ 294 إلی 298، طبعة‌ النجف‌.

[7] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1، ص‌ 112 إلی 114 الخطبة‌ 63، طبعة‌ مصر، شرح‌ وتعليق‌ عبده‌.

[8] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1، ص‌ 274 و 275، الخطبة‌ 150، من‌ طبعة‌ مصر وشرح‌ عبده‌.

[9] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1، ص‌ 300 إلی 302، الخطبة‌ 161، طبعة‌ مصر وتعليق‌ عبده‌.

[10] ـ «نهج‌ البلاغة‌» الخطبة‌ 184، طبعة‌ مصر وشرح‌ عبده‌، ج‌ 1، ص‌ 354 إلی 361؛ وذكرها الشيخ‌ الطبرسيّ في‌ «الاحتجاج‌» ج‌ 1، ص‌ 299 إلی 304 من‌ كلامه‌ عليه‌ السلام‌: لاَيُشْمَلُ بِحدٍّ، وَلاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإنَّما تحدّ الاوقات‌ أنفسهاـ إلی آخر الخطبة‌.

[11] ـ «نهج‌ البلاغة‌» طبعة‌ مصر وشرح‌ عبده‌، ج‌ 1، ص‌ 354.

[12] ـ المراد من‌ النوع‌ هنا المعني‌ اللغويّ، والقِسم‌. مثلاً يقول‌ القائل‌: زيد واحد. أي‌: زيد نوع‌ من‌ جنس‌ الإنسان‌، وحصّة‌ واحدة‌، وقسم‌ واحد من‌ هذا الجنس‌، لذلك‌ سيشمل‌ الوحدة‌ الفرديّة‌، والنوعيّة‌، والجنسيّة‌. مثلاً نحن‌ نقول‌: زيد واحد، أي‌: نوع‌ واحد من‌ جنس‌ الإنسان‌. والإنسان‌ واحد، أي‌: نوع‌ واحد من‌ جنس‌ الجسم‌ والمادّة‌. وفي‌ ضوء ذلك‌ نلحظ‌ في‌ كلام‌ الإمام‌ أنّ النوع‌ والجنس‌ بمعناهما اللغويّ يشملان‌ جميع‌ أقسام‌ الوحدة‌ العدديّة‌ الفرديّة‌ مثل‌ زيد، والوحدة‌ النوعيّة‌ مثل‌ الإنسان‌، والوحدة‌ الجنسيّة‌ مثل‌ الحيوان‌ وأعمّ من‌ ذلك‌، وينفي‌ الجميع‌. ولا يريد الإمام‌ من‌ النوع‌ والجنس‌ هنا معناهما الاصطلاحي‌ّ المنطقي‌ّ.

[13] ـ «التوحيد» للصدوق‌، ص‌ 83 و 84، طبعة‌ مكتبة‌ الصدوق‌، 1398 ه؛ و«الخصال‌» للصدوق‌ أيضاً، ص‌ 2، طبعة‌ مكتبة‌ الصدوق‌؛ و«معاني‌ الاخبار» له‌ أيضاً، ص‌ 4، وطبعة‌ المكتبة‌ المذكورة‌.

[14] ـ جاء في‌ «الاحتجاج‌» للطبرسيّ، ج‌ 1، ص‌ 298، الذي‌ نقل‌ هذه‌ الخطبة‌ عن‌ «الإرشاد» للمفيد: نفي‌ الصفات‌ عنه‌، المصدر المذكور.

[15] ـ «الإرشاد» ص‌ 124 و 125 الطبعة‌ الحجريّة‌؛ و«الاحتجاج‌» للشيخ‌ الطبرسي‌ّ، ج‌ 1، ص‌ 298 و 299، طبعة‌ النجف‌.

[16] ـ «الإرشاد» ص‌ 125.

[17] ـ «الاحتجاج‌» ج‌ 1، ص‌ 299.

[18] ـ «نهج‌ البلاغة‌» الخطبة‌ 183، طبعة‌ مصر وشرح‌ عبده‌، ج‌ 1، ص‌ 350 و 351؛ وذكرها الطبرسيّ كلّها في‌ «الاحتجاج‌» ج‌ 1، ص‌ 305، طبعة‌ النجف‌.

[19] ـ «معاني‌ الاخبار» ص‌ 10، باب‌ التوحيد والعدل‌، الحديث‌ رقم‌ 1، طبعة‌ مكتبة‌ الصدوق‌.

[20] ـ من‌ فقرات‌ دعاء كميل‌.

[21] ـ قسم‌ من‌ الآية‌ 4، من‌ السورة‌ 57: الحديد.

[22] ـ الآية‌ 47، من‌ السورة‌ 34: سبأ.

[23] ـ القسم‌ الاخير من‌ الآية‌ 54، من‌ السورة‌ 41: فصّلت‌.

[24] ـ الآية‌ 3، من‌ السورة‌ 57: الحديد.

[25] ـ لا فرق‌ بين‌ الاسم‌ والصفة‌ إلاّ بالاعتماد علی التلبّس‌ بقيّومهما، وإذا لوحظت‌ صفة‌ تلقائيّة‌، فهي‌ تُسمَّي‌ صفة‌ بدون‌ هذا اللحاظ‌ كالحياة‌، والعلم‌، والقدرة‌. وإذا لوحظت‌ بهذا اللحاظ‌، فهي‌ اسم‌ كالحيّ، والعالم‌، والقادر.

[26] ـ «الميزان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ج‌ 6، ص‌ 96 إلی 108.

[27] ـ الآية‌ 3، من‌ السورة‌ 39: الزمر.

[28] ـ المقصود من‌ هؤلاء الملاّ صدرا الشيرازيّ، صدر المتألّهين‌ وإمام‌ المحقّقين‌. فهو يعتقد في‌ كتبه‌ بوحدة‌ ذات‌ الحقّ بالصرافة‌، وأثبت‌ هذا المعني‌ بأبلغ‌ وجه‌. ونفي‌ كلام‌ الشيخ‌ الرئيس‌ ابن‌ سينا في‌ الوحدة‌ العدديّة‌ لذات‌ الحقّ. ولد صدر المتأ لّهين‌ بشيراز في‌ حدود سنة‌ 979 ه.

[29] ـ المراد بعض‌ علماء العامّة‌.

[30] ـ قال‌ ابن‌ أبي‌ الحديد في‌ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1، ص‌ 69 من‌ الطبعة‌ ذات‌ الاربعة‌ أجزاء: حدّثني‌ شيخي‌ أبو الخير مصدّق‌ بن‌ شبيب‌ الواسطيّ في‌ سنة‌ 603 قال‌: قرأت‌ علی الشيخ‌ أبي‌محمّد عبد الله‌ بن‌ أحمد المعروف‌ بابن‌ الخشّاب‌ هذه‌ الخطبة‌... ] الشقشقيّة‌ [ (إلي‌ أن‌ قال‌:) قلت‌ له‌: أتقول‌ أ نّها منحولة‌؟ قال‌: لا، والله‌، وإنّي‌ لاعلم‌ أ نّها كلام‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌، كما أعلم‌ أ نّك‌ مصدّق‌. فقلتُ له‌: إنّ كثيراً من‌ الناس‌ يقولون‌: إنّها من‌ كلام‌ الرضي‌ّ رحمه‌الله‌ تعالي‌. فقال‌: أ نّي‌ للرضي‌ّ ولغير الرضي‌ّ هذا النَّفَس‌ وهذا الاُسلوب‌؟ قد وقفنا علی رسائل‌ الرضي‌ّ، وعرفنا طريقته‌ وفنّه‌ في‌ الكلام‌ المنثور، وما يقع‌ مع‌ هذا الكلام‌ في‌ خلّ ولاخمر. ثمّ قال‌: والله‌ لقد وقفتُ علی هذه‌ الخطبة‌ في‌ كتب‌ صنّفت‌ قبل‌ أن‌ يخلق‌ الرضي‌ّ بمائتي‌ سنة‌، ولقد وجدتها مسطورة‌ بخطوط‌ أعرفها، وأعرف‌ خطوط‌ من‌ هو من‌ العلماء وأهل‌ الادب‌ قبل‌ أن‌ يُخلَق‌ النقيب‌ أبو أحمد والد الرضي‌ّ. ثمّ قال‌ ابن‌ أبي‌الحديد: وقد وجدتُ أنا كثيراً من‌ هذه‌ الخطب‌ في‌ تصانيف‌ شيخنا أبي‌ القاسم‌ البلخي‌ّ إمام‌ البغداديّين‌ من‌ المعتزلة‌، وكان‌ في‌ دولة‌ المقتدر قبل‌ أن‌ يُخلَق‌ الرضي‌ّ بمدّة‌ طويلة‌. ووجدتُ أيضاً كثيراً منها في‌ كتاب‌ أبي‌ جعفر بن‌ قبّة‌ أحد متكلّمي‌ الإماميّة‌، وهو الكتاب‌ المشهور المعروف‌ بكتاب‌ «الإنصاف‌». وكان‌ أبو جعفر هذا من‌ تلامذة‌ الشيخ‌ أبي‌ القاسم‌ البلخيّ رحمه‌ الله‌ تعالي‌ ومات‌ في‌ ذلك‌ العصر قبل‌ أن‌ يكون‌ الرضي‌ّ رحمه‌ الله‌ تعالي‌ موجوداً.

[31] ـ «الميزان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ج‌ 6، ص‌ 109 و 110.

[32] ـ «غاية‌ المرام‌» القسم‌ الثاني‌، الباب‌ الخامس‌ والثلاثون‌ والسادس‌ والثلاثون‌، ص‌ 524 إلی 526.

[33] ـ «غاية‌ المرام‌» الباب‌ الثالث‌ والاربعون‌ والرابع‌ والاربعون‌، ص‌ 536 إلی 539.

      
  
الفهرس
  الدرس‌ السادس‌ والستّون‌ بعد المائة‌ إلی السبعين‌ بعد المائة‌
  اختصاص‌ الله‌ تعالي‌ بعلم‌ الغيب‌ وإظهار الرسل‌ عليه‌
  معرفة‌ الانبياء علم‌ الغيب‌ الإلهي‌ّ
  علم‌ الإمام‌ والرسول‌ عين‌ علم‌ ذات‌ الحقّ
  إخبار رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ بالغيب‌ علی لسان‌ القرآن‌
  الكلام‌ الغيبي‌ّ الذي‌ قاله‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ لخولة‌ الحنفيّة‌
  قتل‌ خالد بن‌ الوليد مالك‌ بن‌ نويرة‌ وزناه‌ بزوجته‌
  قتل‌ خالد سعد بنَ عُبادة‌ ونسبته‌ القتل‌ إلی الجنّ
  إخبار أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ بالمغيّبات‌
  إخباره‌ أُويس‌ القرني‌ّ ومجي‌ء ألف‌ رجل‌ من‌ الكوفة‌
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بقتل‌ ذي‌ الثديّة‌ بالنهروان‌
  شكّ جندب‌ بن‌ عبد الله‌ وإخبار الإمام‌ عن‌ أهل‌ النهروان‌
  كلام‌ ابن‌ أبي‌ الحديد في‌ إعجاز إخبار الإمام‌ بالغيب‌
  إخبار الإمام‌ بالحوادث‌ التي‌ ستقع‌ بعده‌ ـ إخباره‌ بفتن‌ بني‌ أُميّة‌
  عدد من‌ أخبار الإمام‌ الغيبيّة‌
  سبب‌ اعتقاد الناس‌ بأُلوهيّة‌ الإمام‌ دون‌ رسول‌ الله‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بقيام‌ الإمام‌ المهدي‌ّ عليه‌ السلام‌
  ذمّ طلحة‌ والزبير وعائشة‌
  الإخبار بقيام‌ إمام‌ العصر والزمان‌ عليه‌ السلام‌ وانقراض‌ بني‌ أُميّة‌
  كلام‌ العلاّمة‌ الخوئي‌ّ في‌ الرواية‌ الماضية‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بعدم‌ هلاك‌ الخوارج
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بحكومة‌ معاوية‌ في‌ الشام‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بجلب‌ جنازة‌ من‌ اليمن‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بفتنة‌ صاحب‌ الزنج‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بغارة‌ التتر وجنكيزخان‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بالفتن‌ التي‌ تقع‌ في‌ آخر الزمان‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بانقراض‌ الامويّين‌ علی أيدي‌ أعدائهم‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بحكومة‌ الحجّاج‌ بن‌ يوسف‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ ببقاء معاوية‌ بعده‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ ببيعة‌ ثمانية‌ نفر ضبّاً
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بطول‌ عمر أبي‌ الدنيا
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ عن‌ أهل‌ إصفهان‌، وتحدّثه‌ بلغتهم‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ عن‌ مسجد براثا
  أخبار غيبيّة‌ في‌ شقّ الارض‌ وانبجاس‌ الماء في‌ طريق‌ صفین
  إسلام‌ الراهب‌ لمشاهدته‌ معجزات‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌
  قصيدة‌ الحميري‌ّ في‌ القصّة‌ الماضية‌
  إخبار الإمام‌ بمشاركة‌ حبيب‌ بن‌ جمار في‌ حرب‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بمقتل‌ جويرية‌
  إخبار الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بواقعة‌ كربلاء
  قصيدة‌ القاضي‌ الجليس‌ في‌ واقعة‌ كربلاء
  الدرس‌ الحادي‌ والسبعون‌ بعد المائة‌ إلی الثالث‌ والسبعين‌ بعد المائة‌
  تفسير الآيات‌ الاُولي‌ من‌ سورة‌ العلق‌
  شدّة‌ اتّصال‌ أمير المؤمنين‌ برسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ منذ الطفولة
  معني‌ علم‌ المنايا والبلايا والاعمار والملاحم‌ والفتن
  إخبار الإمام‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ بأمر لعنه‌
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بمقتل‌ حُجر بن‌ عدي‌ّ
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بالحوادث‌ التي‌ ستقع‌ بعده‌
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بمواصفات‌ بني‌ العبّاس‌
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بخراب‌ المدن‌ وغارة‌ المغول
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بمواصفات‌ مدينة‌ الزوراء
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بمقتل‌ بعض‌ أصحابه‌
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ باستشهاد عمرو بن‌ الحَمِق‌ الخزاعي‌ّ
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ باستشهاد كميل‌ بن‌ زياد
  إخباره‌ عليه‌ السلام‌ بكيفيّة‌ استشهاد ميثم‌ التمّار
  إخباره‌ باستشهاده‌ عليه‌ السلام‌
  كيفيّة‌ استشهاده‌ عليه‌ السلام‌
  أبيات‌ شعريّة‌ منظومة‌ فيه‌ عليه‌ السلام‌
  الدرس‌ الرابع‌ والسبعون‌ بعد المائة‌ إلی السادس‌ والسبعين‌ بعد المائة‌
  تفسير الآية‌: يَرْفَعِ اللَهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَ...
  كلام‌ ابن‌ أبي‌ الحديد في‌ أنّ جميع‌ العلوم‌ تنتهي‌ إلی أمير المؤمنين‌
  تقدّم‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ الفصاحة‌ والبلاغة‌
  جَمْعُ القرآن‌ من‌ قِبَل‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ التفسير
  قصّة‌ جَلد صُبَيْغ‌ بن‌ عَسَل‌ ومنع عمر إیّاه من‌ السؤال‌ عن‌ القرآن‌
  منع‌ عمر المسلمين‌ من‌ البحث‌ في‌ الآيات‌ القرآنيّة‌
  حديث‌ الثقلين‌ وعدم‌ افتراق‌ الإمام‌ عن‌ القرآن‌
  تقدّم‌ الإمام‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الفقه‌
  تقدّم‌أميرالمؤمنين‌عليه‌السلام‌في‌علـم‌الروايـات‌(علـم‌الحديث‌)
  تقدّم‌ أميـر المؤمنين‌ عليه‌ السـلام‌ فـي‌ علم‌ الكلام‌ والجدل‌ والبحث‌ الفلسفي‌ّ
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ النحو
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الخطابة‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الفصاحة‌ والبلاغة‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ الشعر
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ العَروض‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الوعظ‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الفلسفة‌ والحكمة‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الهندسة‌ والرياضيّات‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ النجوم‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الحساب‌
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الكيمياء
  تقدّم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ علم‌ الطبّ
  علم‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ بلغة‌ الحيوانات‌ والملائكة‌
  تفسير أمير المومنين‌ عليه‌ السلام‌ صوت‌ الناقوس‌
  جواب أمیر المؤمنین علی عليه‌ السلام‌ عن‌ أسئلة‌ ملك‌ الروم‌
  أبيات‌ الميرزا حبيب‌ الله‌ الخراساني‌ّ في‌ مدح‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌
  الدرس‌ السابع‌ والسبعون‌ بعد المائة‌ إلی الثمانين‌ بعد المائة‌
  لم‌ يكن‌ أحد عارفاً بالقرآن‌ بعد رسول‌ الله‌ كأمير المؤمنين‌
  فتح‌ ألف‌ باب‌ من‌ العلم‌ لامير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عليه‌ السلام‌
  أحوال‌ الشاعر الشيعي‌ّ الناشي‌ الاكبر (التعلیقة)
  تقرير الإمام‌ عليه‌ السلام‌ حول‌ علمه‌
  قوله‌: «سلوني‌» يرتبط‌ بحقائق‌ القرآن‌ وباطنه‌ لا بظاهره‌
  خطبة‌ الإمام‌ وقوله‌: «سلوني‌»
  سؤالُ ذِعْلِب‌ الإمام حولَ رؤية‌ الله‌
  كلام‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ جواب‌ الاشعث‌ حول‌ المجوس‌
  جواب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ للسائل‌ الذي‌ طلب‌ النجاة‌ من‌ النار
  كلام‌ الحسنين‌ عليهما السلام‌ وروايتهما حديثين‌ في‌ علم‌ علی
  خطبة‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد جواباً علی سؤال‌ ذِعلِب‌
  خطبه‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد..
  توضيح‌ وتفسير التوحيد الحقّ الحقيقي‌ّ لذات‌ الحقّ تعالي‌
  >>كلام‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ حول‌ خطب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ في‌ التوحيد
  جواب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ عن‌ أسئلة‌ عبد الله‌ بن‌ الكوّاء
  مواطن‌ عديدة‌ نطق‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ فيها بقوله‌: «سلوني‌»
  فضيحة‌ قتادة‌ بعد قوله‌: سلوني‌
  عجز عمر في‌ المسائل‌ العلميّة‌
  المضامين‌ المتفاوتة‌ للروايات‌ المأثورة‌ في‌ «سلوني‌»
  الاشخاص‌ الذين‌ قال‌ كلّ منهم‌: سلوني‌، وافتضحوا
  قصور عمر وعجزه‌ عن‌ إدراك‌ المسائل‌ العلميّة‌
  معرفة‌ الإمام‌ أسمي‌ وسيلة‌ لبلوغ‌ التوحيد

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی