معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
اعتقادات و كلام أخلاق حکمة عرفان العلمي و الإجتماعي التاریخ القرآن و التفسير
المكتبة > الاخلاق والحكمة و العرفان > الشمس المنيرة

الفصل الرابع

التعرّف على المرحوم الحدّاد والرجوع إلى الوطن بأمرٍ من الأستاذ

 

في نهاية المطاف, وبعد مرور سبع سنوات من التوطّن في النجف, والاشتغال بالتربية والتهذيب, وبلوغِ أعلى المدارجِ العلميّةِ والدروسِ الحوزويّة, والحيازة على إجازات الاجتهاد من جهابذة الفن, وفّقَهُ اللهُ تعالى إلى نعمة العطاء والهداية والاتصال بأبرزِ التلامذة العرفانيين للمرحوم القاضي, العارف الكامل والسالك الواصل, سندِ العرفاءِ الربّانيين وقدوةِ الأولياءِ الإلهيين, نابغةِ ميدانِ التوحيد, وفاتحِ قُلل العماءِ والتجريد: حضرةِ آيةِ الحقّ والعرفان, الحاجّ السيّد هاشم الحداد الموسويّ ـ رضوان الله عليه ـ. ويمكننا إدراك منزلة المرحوم الحدّاد واستنباط مكانته في ظلّ وجود الأعاظم من الأولياء, ومقارنةً مع الفحول من عظماء العرفاء, من خلال الرجوع إلى عبارة المرحوم العلاّمة الطهرانيّ في كتابه النفيس >الروح المجرّد<. حيثُ يذكر في الصفحة 31 فيما يتعلّقُ بلقائه مع المرحومِ الحدّاد:

 

كمْ كانَ مناسباً لحالي المتعبِ والمتحيّر, المهموم والمتألّمِ طوالَ السنين المتمادية, أنْ أصلَ إلى منبعِ الحياةِ ومركزِ عشقِ الذات السرمدية, والذي يشبه غزلَ الخواجا حافظ ـ رضوان الله عليه ـ

هر چند پير و خسته دل و ناتوان شدم

 

 

هر گه كه ياد روي تو كردم جوان شدم([17])

     

فهذا الشخصُ يختلفُ عن سائر الأولياء والمقرّبين ويفترق عنهم. فهو اللؤلؤ الفريد المكنون في سرداب العزلة والخفاء.. والجوهرُ المتوهّج في بوتقة النسيان والإجمال.. والإكسير الذي إنْ تمسسه تبّدلَ وجودكَ إلى التبرِ الأحمر, والدرّة الباهظة التي تَنثرُ النورَ في قلبِ الشمس.. فهو شيءٌ آخر... كانَ أقوى تلميذٍ سلوكيّ وعرفانيّ عند نادرةِ الدهر: المرحوم السيّد علي القاضي؛ والسالك الواصل العارف, الفاني في الله والباقي بأمر الله.. عالَمٌ في جسدٍ واحدٍ.. وكونٌ ضمن تعيّنٍ واحد.. حائزٌ على جميع مراتب المُلك والملكوت.. وجامعٌ لجميعِ عوالم الناسوت والجبروت واللاهوت, ومن هنا لمْ يَعُدْ السيّد محمّد حسين ذاك الشخص السابق. فقد حطَّ في عالمٍ آخر, وفتحَ ناظريه متطلعاً إلى أُفقٍ جديد.

وهذه المسألة هي التي توضّحُ حقيقة رؤيته العميقة ونظرته إِزاء تحديدِ المكانة الوجوديّة لأيّ شخصٍ مع الحفاظ على علوِّ مقامه, ورفعة مجده وعظمته وتعاليه الروحي. وعلى هذا الأساس أحكمَ كيفيّة علاقته السلوكيّة بهذا الشخص, وعلى هذا الأساس حدّدَ رتبةَ طاعته له. فقدْ كانَ يصفُ المرحومَ الشيخَ عبّاس القوچاني بأنّه شخصٌ صادقٌ بعيدٌ عن الهوى, كذلك بياناته فيما يتعلّق بالعلاّمة الطباطبائيّ وسائرِ أساتذتِهِ السلوكيين طِوالَ مدّة إقامتِهِ في النّجف:

مكانة أساتذته ورتبتهم بالنسبة إلى العلامة الطهراني وكيفية ابتناء ارتباطه...

فالمرحوم آية الله الأنصاريّ قد توفّي, والملفتُ هو أنّ العلاّمة الطهرانيّ مع ما كانَ عليه من الاعتقاد الراسخ بالنسبة إلى المرحوم الأنصاريّ, وعلوّ شأنه ورفعة مقامه, كانَ يُمعن النظرَ في دستوراته الصادرة منه ويتأمّل ويدقّق فيها بشكل دائم, ولطالمَا كانَ يراعي الاحتياطَ في موارد مختلفة, ويعملُ فيها على أساسِ أنّها أقربُ الطرقِ. وأمّا بالنسبة للمرحوم الحدّاد فقد كان الأمر بشكل آخر, حيث كان المرحوم الحدّاد بنظرِ العلاّمة الطهرانيّ, إلى حدٍّ لم يكن يرى لنفسه أيّ وجودٍ مقابلَ وجوده,ولكمْ كان يقول: أنا مقابل الحدّاد صفر!

نعم, إنّ رمزَ مكانة العلاّمة الطهرانيّ وعلامة نُجحه النادرة المتميّزة من بين سائر نجومِ سماءِ المعرفة والتجرّد والتوحيد هو هذه المسألة. حيثُ كان في أعلى وأدقّ نقطة من التفكّر والاعتقاد والتعهّد بالنسبة إلى هذه المسألة, وفي غاية الإتقان والإبرام والإحكام على مستوى العمل.

وعلى العموم, فإنّ العلاّمة الطهرانيّ في منتهى الدقّة والاحتياط من حيث إطلاق العناوين والألقاب المختلفة على الأشخاص, وكيفيّة مراعاة تطابقها مع مراتبهم المتفاوتة, حسب واقعيّتهم الخارجيّة الحقيقية والنفس الأمريّة, تماماً كدفاعه عن حريم الإمامة والولاية؛ حيثُ إنّه يرى حُرمةَ إِطلاقِ لفظِ الإمامِ على غيِر الإمامِ المعصومِ عليه السلام, وذلك بصورة مطلقة دون ذكر مضافٍ إليه بعده, مثل"الجماعة" أو "الجمعة" أو "المسجد" وغيره. كما أنّه قد صرّح ببيانات متعدّدة وأبحاث عدّة فيما يتعلّقُ بهذه المسألة في المجلّد السابع عشر من >معرفة الإمام<. ومِثلُه إطلاقُ لفظِ "أولوا الأمر" على غيرِ المعصومين, أوْ استعمال العناوين المختلفة مثل "عليّ الزمان" أو "حسينُ الزمان", فكان يرى أنّ كلّ ذلك حرامٌ. كذلكَ كانَ ينزعجُ ويتضجّر من تشبيه شهداءِ الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة بذريّة حضرةِ سيّدِ الشهداءِ وأبنائه, أو تشبيههم بنفس حضرته, كذلك كان يبدي حزازةً من التعبير عن واقعة كربلاء ـ كما قد صرّح به بعضُهم واصفاً إيّاها ـ (إنّ شهرَ محرّم هو شهرُ انتصارِ الدم على السيف) حيثُ كانَ يعتقدُ أنّ هذا الشعارَ عامّ يشتركُ فيه الشيعةُ والمسلمون مع غيرهم, بلْ قدْ يطلقُهُ غيرهم كذلك, وبدلاً منه كان يطرحُ هذا الشعار: محرّم شهرُ انتصار الحق على الباطل.

كذلك إطلاقُ لفظ الوليّ على الشخص الذي مازال لمْ يتجاوزْ مراتبَ الكثرات, ولمْ يحصلْ لديه التبدّل الجوهريّ في حقيقة نفسه وذاته, بواسطة الفناء المحضِ في ذات الحضرة الأحديّة, ولم يطوِ السفرَ من الخلقِ إلى الحقّ, وعلى العموم, كلّ من لمْ يتحقّق بالبقاء بعد الفناء في ذات الله, فإنّ إطلاقَ لفظِ الوليّ عليه محرمٌ شرعاً.

العلاّمة الطهرانيّ الذي فَقَدَ نفسه في دائرةِ وجودِ حضرة الحدّاد       ـ رضوانُ الله عليه ـ وأدركَ أنّ ظهورَ مراتبِ الأسماءِ والصفات والذات للحضرة الأحديّة, إنّما هي بارقةٌ تلمعُ من مظاهرِ جلواتهِ وكمالهِ. فأصبحَ بتمام شراشر وجوده منقاداً مطيعاً إليه, فَسَدَّ نافذَةَ روحِهِ عنْ غيره, ولمْ يَنقُشْ على رقعةِ قلبِهِ إلا مقام أستاذه الشامخ, فكلّ وجوده طلبٌ وتمنٍ.. فذِكرُه على الدوام ذِكراه.. وكلّ وجوده طلبٌ وأمنية, وكانت تجارته المربحة ذكر أستاذه.. ففي رسالة كان قدَ أرسلها إلى أحد أصدقائه, يذكر في مطلعها مدحاً في حقّ شيخه وأستاذه:

 

يمكننا أنْ نستكشف شدّة علاقته بالمرحوم الحدّاد من خلال إحدى الرسائل

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحُكم وإليه ترجعون.

سلامٌ متوالٍ وتحيّاتٌ متتالية وتسليمٌ وافرٌ وأدعيةٌ خالصة لعتبة حضرة الحبيب, الذي اتّخذ مكان أفقه المقدّس في القلب, فتصرّف بالكون والمكان بولايته التامّة, فالوالهون العاشقون غارقون بولههم وحبّهم لسلطان الحفل (والحال أنّه ليس شيئاً سواه).

قدْ عاينتُ كتابكم المبارك, وبحقّ أقولُ ودُونَ مبالغة أو إغراق, كانَ يحتوي مطالب حقّة, قد أجراها الله على لسانك وقلبك, , وإنْ كان من اللازم أن يقال: بادئ بدئٍ, إنّ هذا التمجيد والتحسين محدودٌ بحدود تفكيرنا, قاصرٌ عن بلوغ قامتِهِ الشامخة, وهذه الأفكار إنّما هي على قدر عقولنا, دون أن تحيطَ ببحر فضله, فمن الخطأ وزن ماء البحر بالمكيال, وغير سديدٍ تحديدُ أمواج الرياح العاتية بغربال مطوّق, أو منديل محدّد.د

وإنّ قميصاً خيطَ من نسجِ تسعةٍ

 

 

وعشرين حرفاً عن معاليه قاصر([18])

     

فآلاف الشكر والمنّة أن جعلنا من جملة مريديه, ضمن زمرة المتلهّفين لجماله, الوالهين إلى حريم عتبته وبلاطه, والحال أنّنا لا نليق بكلّ ذلك, فالثّمنُ معدومٌ ومفقود, والمثمّنُ مطلقٌ غير محدود.

بهر طرف كه نگاه مي كنم تو در نظري

 

 

چرا كه بهر تو جز ديده جايگاهي نيست([19])

     

أمرَ المرحومُ الحدادُ العلاّمةَ الطهرانيّ بالعودة إلى إيران, والرجوعِ إلى حضرةِ آية الله الأنصاريّ, فأطاعَ أمرَ أستاذه دونَ أدنى مكثٍ أو تأمّل, حتّى ولو للحظة واحدة, فعادَ متّجهاً إلى إيران مصطحباً معه عائلته, وشَرَعَ بإقامةِ الجماعةِ في مسجدِ القائمِ في طهران, في ظلّ أوامر المرحوم الأنصاريّ وتعاليمه, مداوِماً على الوعظ والإرشاد وإقامة الجلسات الأسبوعيّة المتنقّلة.

إنّ المحور الأصليّ والأساسي في وعظ العلاّمة الطهرانيّ وإرشاده, قائم على تبيينِ المعارف الحقّة, بعيداً عنْ أيّة شائبةٍ من الكثرات والمجاملات والاعتبارات المتداولة, ودون أيّ مدخليّةٍ للأهواءِ المغوية, وما أكثرَ ما كانَ يؤدّي ذلك إلى المواجهة مع الآخرين. كذلك كانَ شديدَ الاهتمام والتحرّز عن الورود في مهالك النفس, والسقوط في شباك إبليس, مع ذلك كان يتولّى تربية الأفراد المستعدّين وخصوصاً الناشئين, ويقوم بإلحاقهم في زمرة الرفقاء السلوكيين, والتعهد بتربيتهم. وخلافاً لما هو المألوف في المساجد عامّة, فقد كانَ غالباً يتولّى مسؤوليّة الوعظ والإرشاد والخطابة بنفسه. وكانت جلسات قراءة القرآن وتفسيره مستمرّة في ليالي الثلاثاء في مسجد القائم, وكانَ يهتمّ بإقامة صلاة الجماعة فورَ حلولِ وقتِ آذانِ الظهرِ والمغرب, سواءً حضرَ أحدٌ أم لا. ولم يُرَ في وقت من الأوقات أنّه كان يرجّح حال المأمومين أو المريدين ـ وعلى العموم ـ أحد المخلوقين على رضا الخالق.

وباختصار, من يريدُ البحثَ والتوسّعَ فيما يتعلّقُ بهذه النقطة, فما عليه إلا أن يطالعَ كتابَ >الروح المجرد< والغور فيه, ولنتابعَ استعراض جولتنا عن حياة العلاّمة الطهرانيّ.

عودته إلى الوطن والتزامه بنشر المعارف الإسلاميّة إنّما كان بأمرٍ من أستاذه

سُئلَ العلاّمة الطهرانيّ يوماً:

هلْ كانَ رجوعُكُم إلى إيران لأجلِ هدايةِ سالكي طريقِ الله وإرشادهم, وتربية النفوس المستعدّة؟ ثمّ ألمْ يكنْ لعودتكم ثمرةٌ وفائدةٌ لكمْ شخصياً؟

فأجاب:

إنّ أوامر الأولياءِ الإلهيين تقعُ في الدرجة الأولى في طريق إحراز المصلحة لنفس الإنسان, مضافاً إلى النفع والخير الذي يناله الآخرون ويصلُ إليهم وينتفعون به ويستفيدون منه.

وبعدَ بضع سنين ينتقلُ المرحوم الأنصاريّ إلى رحمة الله, ويصبحُ العلاّمة الطهرانيّ خاضعاً لأوامر المرحوم الحدّاد ودستوراته السلوكيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة بشكلٍ تام. والتزاماً بأوامرِ أستاذه وتحقيقاً لإرادته, أصبحَ المسؤول عن رعاية شؤون مسجد القائم والمتصدّي لها, ومن حينها وقعَ عُرضة للمشاكل المختلفة, تحتَ نيرِ ألسنة النمامين والمخرّبين المتصدّين للمسجد. فلذلك, كانَ في سجالٍ دائمٍ ونزاعٍ حادّ معهم. وأمّا بالنسبة إلى بيانه الأحكام الشرعية وتبيانه الحقّ المُرّ, فلم يَألُ جهداً في ذلك, ولم يكن ليُداهنَ أو يقومَ بشيءٍ من المراعاة, بل كان مصداقاً تامّاً للآية "وَلا يَخَافُونَ في الله لومةَ لائِمٍ". كأنّه الوجود المتنزّل لمولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام في مواجهته ومقابلته للأمور, بغية إحقاق الحقّ وإجراء الأحكام الإلهيّة. فكثيراً ما كان ضحيّة للانتقاد والطعن من الآخرين والمتصدّين لإدارة الأمور حيثُ يقولون: فلانٌ, لا يداهن ولا يتعاون مع رفاقه. تماماً كما كانَ مدّة إقامته في النجف الأشرف, حيثُ أبرمَ حياته على أساس هذا الطريق والمنهاج, وبكامل الجديّة والثبات, فكانَ في صراعٍ دائمٍ, وخصامٍ مستمر مع كثيرٍ ممّن يعتقدون بضرورة تقديم المصالح الشخصيّة غالباً, وترجيحها على الرضا الإلهي. ونتيجة لالتزامه بممشاه المستقيم المنسجم مع منهاجه التكاملي والمخالف لنهج الآخرين, كانَ يكابدُ المتاعبَ والمشقّة بشكلٍ دائم, وكانَ يتجرّع كأسَ السمّ, ويتذوّق الغصص المكدّرة جراءَ هذه المصادمات والاختلافات. وما أكثرَ أنْ اتّفقَ له أنْ طلبَ الرخصة من أستاذه, يلتمسه الإجازة في التحرّر من تعهّده إدارةَ المسجدَ, وتركِ التصدّي لجميع هذه المسائل, إلاّ أنّه كانَ يجيبه نفياً!

أمّا من حيث جدّيته في تربية أحداث السن المستعدّين, وتعهّده فتيانَ السلوك, فقد كانَ قويّا ثابتاً إلى حدّ لم تكن جميعُ تلك المصائب والمنغّصات لتؤثّر على روحيّته المرهفة, ولمْ يكنْ ليدَعَ عِبأ هذه الهموم تؤثّرُ على سكونه وهدوئه. يقول في يوم من الأيّام:

أُقسمُ بالله أنّي طِوالَ مدّة الاثنتين والعشرين سنة التي قضيتها في طهران, لم أبقَ فيها باختياري ولا للحظة واحدة, ولم أستمرّ طبقاً لرغبتي وميلي! ولو لم يكن أمراً صادراً من أستاذي, لكان من المستحيل أن أرجع إلى إيران وأسكن في طهران وأتصدّى لهذه المسائل.

وكان يقول مراراً:

أقول بيني وبين الله: قد اتّفق لي مشاكل ومصائب خلال ارتباطي بهذه المسائل, لم أذكرها لأحدٍ إلى حدّ الآن, ولم يطّلع عليها أحدٌ إلاّ الله.

وفي كثير من أيّام فصل الشتاء وبرده القارص, حيث تكونُ الأرض مغطّاةً بالثّلوج الجليديّة وبشكلٍ غريبٍ عجيبٍ في ذاك الزمان في طهران, كانَ يذهبُ ماشياً من منزله الواقع في شارع "آهنگ" إلى مسجد القائم ويرجع ماشياً (وذلك مع ملاحظة أنّ المسافة تقارب الفرسخ), ثمّ يتوجّه ثانية لصلاتي المغرب والعشاء مشياً على قدميه ذهاباً وإياباً, كلّ ذلك مع ما كان عليه من الابتلاء بمرض الروماتيزم في المفاصل, وكان يقول:

في كثيرٍ من الليالي كنت أظلُّ مستيقظاً حتّى الصباح بسبب الألم الناتج من الذهاب والإياب, وكنت أضعُ قدمَي على "المنقل" حتّى تدفأ ويخفّ ألمها.

فكانت هذه القدرة الروحيّة واهتمامه بامتثالِ أمرِ الأستاذ إلى الحدّ الذي يستوعب كلّ وجوده, فمع كونه غير مسرورٍ بتولّيه هذه المسؤولية إلاّ أنّه كانَ يتعهّدها إلى هذا الحدّ! فقد كان يتحمّل المشقّة ويقوم بما لا يطاق بغية أداء أمر الأستاذ والالتزام بأمره.

وأمّا فيما يتعلّق بجلساته أيّام الجمعة, فقد كانت بياناته وإرشاداته تتمحور حولَ المسائلَ الأخلاقيّة والاجتماعيّة, ولزوم إعادة النظر في المجالات المختلفة للطروحات الفكريّة الإسلاميّة, وبناء الحكومة العادلة وإرساء دعائم النظام الإسلامي, ونفخ روح الحياة في الجسد الميّت للأمّة الإسلاميّة, فكانت جلساته تبعثُ اليقظة والحياة, وكلّ من كانَ يشارك في تلك الجلسات كان حاله يتبدّل ويرى أنّه قدْ بلغ مراده! وسرعانَ ما كان يعتنق نهجه, وينضمّ إلى دائرة نشاطه.

كانَ العلاّمة الطهرانيّ يعتقدُ بعدم جدوى أيّة مبادرة سياسية غير نابعةٍ من تحوّلٍ ثقافيّ وتغيّر في الأذهان الخاملة والمغفّلة للأمّة الإسلاميّة. ومن جانب آخر, كانَ لا يلتزمُ بضرورة انحصار هذا التحوّل العظيم بظروفٍ خاصّة أو دائرةٍ معيّنة.

فمدرسة الوحي هي المدرسة المتلائمة مع الفطرة, والقادرة على تنمية الكفاءات وتنشئة القوى الفطريّة الموصلة إلى الأهداف والغايات الكماليّة. وكلّ شخصٍ يتمتّعُ بهذه النعمة الإلهية العظمى مهما تفاوتت الظروف ومهما تغيّرت, كما ولا تختصّ هذه النعمة بفئة دون أخرى. لذلك, وخلافاً لما يعتقده البعض, فقد كان يرى أنّ عهدة التبليغ والدعوة إلى إقامة الحكومة الحقّة الإلهيّة ليست حِكراً على فئةٍ خاصّة, ولا مقيّدة بظروف نادرة استثنائيّة, وإنّما كان يعتقد أنّ الحامل للواء الشريعة الإسلاميّة, وصاحب مقام الولاية الإلهيّة العظمى هو حضرة بقيّة الله الحجّة بن الحسن العسكري أرواحنا فداه, وباقي الأفراد سواء الجاهل أم العالم, المرأة أم الرجل, الملتزم وغيره, السياسي وغيره, كلّهم يَنضوونَ تحتَ رعاية هذا العظيم, وعلى نسقٍ واحدٍ وعلى السواء, وليس لأحدٍ غيره أنْ يدّعي لنفسه هذه الزعامة والرئاسة وانحصار الولاية في وجوده. فجميع الأفراد عيالُ صاحب الولاية الكلّية, وهو أبٌ لهم وصاحب اختيارهم, وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه وكفى!

لذلك, ومِن هذا المنطلق, كانَ يرى أنّ باب التفاوض والحوار, وإظهار المواقف الإسلاميّة والإنسانيةّ الحقّة, لهو حقّ طبيعي وأوّلِيّ لجميعِ أفرادِ الشعب الإيرانيّ, بما فيهم الشاه والدولة, الصالح والطالح, العالم وغيره, المحجّبة والسافرة , وحتّى أولئك المفضوحين ومعلومي الحال, كلّ أولئك لهم الحقّ في الدعوة إلى التوحيد وإرساء الحكومة الحقّة, بل حتّى غير الملتزمين بالإسلام, وزعماء الدول الأجنبيّة, فإنّ لهم حقّ الحياة والعيش السرمدي والسعادة الأبديّة, وكان يقول:

الهداية حقّ فطري لجميع البشر

أليسوا بشراً يحملون ما نحمله من المواهب الفطريّة والاستعدادات الكامنة فيهم, كما هو في وجودنا نحن؟ ألمْ يُبعثُ النبيّ لجميع هؤلاء المشركين؟ فلماذا يجب علينا مقابلتهم بصورة ومظهر غير إسلامي ولا إنساني, بحيث لا يقدرون على تبرير هذه التصرفات وهضمها ضِمنَ إِطارهم الفكري وأُسسهم الفطريّة. فلماذا نغلقُ نافذةَ إيناع الحقائق الكامنة في نفوسهم, ونُصيب تلك الشجيرات اليانعة باليبوسة, ونُزهقَ الاستعدادات المختبئة عندهم؟!

وعلى هذا الأساس, كانَ يلتقي بالكثير من العلماء ويشاورُ الشخصيّات المختلفة لأجل تطبيق أهدافه الذهبيّة, وكان من ضمنهم القائد فقيد الثورة حضرة آية الله الخميني ـ رحمة الله عليه ـ وكان يشجّعه ويسانده على قبول الزعامة وحمل راية هذه النهضة المقدّسة, واستلام لواء هذا الحدث العظيم, متعهّداً التعاون والمساعدة ما دام هناك مشاركة في بذل الجهود, ومشاورة وتبادل في الآراء والأفكار.

ويجدر بالذّكر, أنّه واجه الكثير من البهتان والموانع, والخطوات اللامسؤولة من أئمّة الجماعات ورجال الدين, إلى الحدّ الذي ضاقَ منه صدره, وأُنهِكت فيه روحه. وكان يقول:

كانَ يخالُ لي في بادئ الأمر, أنّ هذا الطريق حيثُ هو طريق تحقيق العدالة وإقامة الفرائض وإحياء السنن الإلهيّة, والقيام بأمر الله, وبشكلٍ عام فهو عين رضا الله من جميع الجهات, لذلك فإنّ من المسلّم أنّه سوف يكون لعلماء الدين التأثير الكبير والحضور الفعّال وفي الطليعة ضمن مقدّمة الصفوف المتراصّة للأمّة والشعب, وسوف يخففون من عبء هذا الحمل الخطير الذي أثقلَ كاهلنا, إلاّ أنّي لم أكنْ أعلم حقيقة الأشخاص الذين سوف أقابلهم؛ أشخاصٌ لا همّ ولا غمّ لهم إلاّ التوغّل في الكثرات والأَهواء النفسانيّة, والشيءُ الوحيدُ الذي لا وجود له في مخيّلتهم هو القيام بالفرائض ومرضاة الله.

بذلَ العلاّمة الطهرانيّ كلّ طاقته, وسارع قدماً وفي منتهى الجدّ والاجتهاد بغية تحقيق هدفه الإلهي, حتّى بلغَ الأمرُ أنْ عقدَ بينه وبين المرحوم آية الله الميلاني ـ رحمة الله عليه ـ والمرحوم اللواء "ولي الله قرني" مجلسَ "المعاهدة" لقسمِ اليمين, حيث اجتمعَ هؤلاء الثلاثة في مشهد, وأدّى كلٌّ منهم اليمينَ, وتعاهدوا على أنْ يبذلوا قصارى جهودهم وكلّ ما بوسعهم حتّى آخر رمقٍ من حياتهم في سبيل تحقيق هذا الهدف المقدّس.

عدم ذكر شيءٍ عنه ضمن تاريخ الانقلاب

ومع الأسف, بعدَ حادثة عام اثنين وأربعين([20]), واعتقال حضرة آية الله الخميني ثمّ الإفراج عنه وإخراجه من السجن, وبسبب عدم استمرار هذه المشاورة والتبادل الفكري والذي يمثّل الأرضيّة الأساسيّة للتعاون بين العلاّمة الطهرانيّ وقائد الثورة, اعتزلَ العلاّمة الطهرانيّ وابتعدَ عن مجريات الأحداثَ وقضايا الثورة وتنحّى عنها بشكلٍ كلّي. ومن المؤسف أنّ الكتابات المؤرِّخة للثورة الإيرانيّة, والكتبَ المدوّنة من المؤلفين المحترمين, لم تذكرْ شيئاً عن هكذا شخصيّة مهمّةٍ كانَ لها الدورُ الرائد والفعّال في تكوين الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وتحقّقها, أو أنّها ذكرت النزرَ القليل وبشكلٍ عابرٍ, مكتفية بالعرض السطحي والبسيط, ممّا أدّى إلى غياب عموم أبناء الشعب الإيراني وسائر الدول الخارجيّة عن هذه الوقائع, وعدم امتلاكهم حتّى أبسط المعلومات عن ذلك.


 پاورقي


[17] ـ يقول >مع أني صرتُ هرماً متعباً وضعيفا لكنّي كلّما أذكرك أعود شاباً نشيطاً.

[18] ـ يقول >إنّ جميعَ المعاني لو نُسجت في عباءة تحتوي على جميع الدلالات والمحسّنات لكانت قاصرة عن تأدية مقامك الرفيع الشأن.

[19] ـ يقول >في كلّ جهة أنظرُ وأعاين, أراكَ أمامي, لماذا لا يبقى في ناظري إلا مكان رؤيتك.

[20] ـ أي سنة 1342هجري شمسي.

      
  
الفهرس
15   ديباجة
15   العلامة الطهراني من سلالة العلماء المشهورين
35-21   الفصل الأول : الهجرةُ إلى قُمْ واكتسابُ المعارفِ الإلهيّةِ بعنوانها الطريق الوحيد للسعادة
23   أساتذته في دروس السطوح ومعرفته بالعلامة الطباطبائيّ.
25   كلام سيّد الشهداء يدلّ على انحصار معرفة الإمام عليه السلام بطريق العرفان
25   لا بدّ للمرشد والهادي في طريق السير والسلوك أنْ يكون قد فنيَ في مقام الولاية
31   العلاّمة الطباطبائيّ هو المشرف المباشر على البناء العلمي والمعرفي للعلامة الطهراني
33   العلامة الطباطبائيّ يرى أنّ لمدرسة العرفان أركان ثلاث: العقل والشرع والشهود
39-53   الفصل الثاني: الهجرة إلى النجف
41   ارتباط العلامة الطهراني الوثيق بآية الله السيّد جمال الدين الگلبايكاني في النجف
45   تقسيم برنامجه وأوقاته في النجف على أساس المحورين العلمي والعملي
47   الآراء المختلفة لأساتذة العلاّمة الحوزويّين بالنسبة إلى العرفان والشهود
51   آفة التقليد أنه يزيل الاعتقاد بالحق..
57 ـ 59   الفصل الثالث أساتذته في العلوم المختلفة وتعرفه على المرحوم الأنصاري
59   تعرفه على المرحوم الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه
63 ـ 74   الفصل الرابع :التعرف على المرحوم الحداد والرجوع إلى الوطن بأمرٍ من الأستاذ
65   مكانة أساتذته ورتبتهم بالنسبة إلى العلامة الطهراني وكيفية ابتناء ارتباطه
67   يمكننا أن نستكشف شدّة علاقته بالمرحوم الحداد من خلال إحدى الرسائل
69   عودته إلى الوطن والتزامه بنشر المعارف الإسلامية إنما كان بأمرٍ من أستاذه
73   الهداية حق فطري لجميع البشر
74   عدم ذكر شيء عنه ضمن تاريخ الانقلاب
77 ـ 108   الفصل الخامس: أسسه التربوية ومنهاجه في المسائل المختلفة
79   السفر إلى الخارج لأجل التداوي مع وجود الأطباء الحاذقين مخالف لعزة الإسلام
81   تربيته للتلاميذ السلوكيين وطلاب العلوم الدينية
85   المنع من دخول الأفراد في المعاملات الربوية البنكية
87   حرمة الرجوع إلى الحكام الظلمة في المرافعات والخصومات
91   برنامجه في مسجد القائم
93-107   الولاية المطلقة للإمام عليه السلام هي عين التوحيد
95   العلامة الطهراني كأستاذه لا يتنازل عن التوحيد أبداً
97   لا يستحسن الجمع بين زيارة الإمام الرضا و أمثال الحكيم السبزواري و بايزيد البسطامي
99   الميزان في صحة حال السالك الموافقة للموازين العقلية والشرعية
103   لا بد من كتابة الكلمة المباركة "بسم الله الرحمن الرحيم" بدلاً من  باسمه تعالى
  من الخطأ نسبة الكلمة المعروفة "إنّما الحياة  عقيدة وجهاد" إلى سيد الشهداء
107   تأكيد العلاّمة على ضرورة رؤية الهلال لترتيب الأحكام الشرعيّة وعدم اعتنائه بالتقويم
111 ـ 115   الفصل السادس : الشخصية السياسية و مشروع إيجاد الحكومة الإسلامية
113   المرحوم العلامة كانَ يرى أنّ الثورة الإسلامية موهبة إلهية لجميع الأمة الشيعية
115   كم هو مناسب أن تقرأ كلمات رسول الله التوحيدية حين فتحه مكه
119 ـ 128   الفصل السابع: الهجرة إلى مشهد و الشروع بالتأليف
121   تعريف إجمالي لمؤلفات العلامة الطهراني
125   يلحظ القارئ أن مؤلفات العلامة تبعث في نفسه روح الحياة والانبساط
127   من خصائص العلامة الطهراني خدمة الناس و إيجاد المحبة و نشر الصفاء بين الأفراد
131 ـ 134   الفصل الثامن : غربته وعدم معرفة شخصيّته
133   إن السيد محمد حسين سيد الطائفتين؛ علماء الظاهر, وعلماء الباطن.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی